صدر مؤخراً عن مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث كتاب: "نظم السور التي صلى بها رسول الله "؛ وهو نظماً مما جادت به قريحة الشاعر الشيخ محمدي بن المصطفي العلوي، الأستاذ بمحظرة النباغية، في الجمهورية الإسلامية الموريتانية، وقد طبع في إحدى وثلاثين صفحة من القطع الكبير.
=== === ===
وقد راجع الكتاب وقدم له وعلق عليه الأستاذ محمد بن بُتَّار بن الطُّلبة؛ فقال حفظه الله في تقديمه للكتاب:
الحمد لله الذي علم البيان و أنعم بالإيمان وبعث صفوته من الأكوان حبيبه محمدا هاديا بهدي القرآن عليه منه صلاة وسلام ما اختلف الملوان وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.
وبعد:
فإن خير ما أجريت فيه النقوس وزينت به الطروس وأخرجت له ضنائن النفوس حفظ ما جاء عن النبي من هدي قويم وشرف عظيم، لا ينقطع مزيده ولا يبلى جديده.
ولم يزل العلماء منذ بزغ فجر الإسلام يغترفون من بحار السنة ويستخرجون من كنوزها ؛ فألفت الصحاح والسنن والمسانيد ووضع ما يخدمها من اصطلاح وجرح وتعديل, وكتب في الشمائل والسير والأنساب وجمعت الخصائص ودلائل النبوءة.
إلا أننا في ذلك كله لم نطلع على مؤلف يتتبع الأحاديث الواردة فيما صلى به رسول الله من كتب الحديث ويجعل منها أصلا لما ينبغي أن يسلكه الإمام تطويلا أوتخفيفا - قبل هذا النظم الذي بين أيدينا.
وهو نظم بديع جمع بين التحقيق العلمي والرواء الأدبي تتبع فيه الأستاذ الجليل محمدي بن المصطفى ما أثر عن النبي في صلاته من قراءة بعد أم القرآن.
ولم يقتصر هذا النظم –رغم قلة أبياته- على الجمع المجرد، بل كشف فيه الناظم -حفظه الله- عن عارضة قوية في الحديث وفروعه، وعن تعلق صادق بالعهود والمعاهد النبوية.
بدأ بالظهر لأنها أول صلاة ظهرت في الإسلام وذكر ما ورد فيها، ثم ذكر ما ورد في الظهرين معا، ثم ذكر أنه لم يقف على ما خص به العصر من القراءة ثم ذكر باقي الصلوات على ترتيبها.
وحقق أن الأمر في صلاته رجع إلى التخفيف بعد التطويل، وخلص بعد ذكر تعارض أحاديث التطويل والتخفيف إلى أن التخفيف المذكور أمر نسبي لا ينافي التطويل المذكور إذ آل التطويل إلى طوال المفصل بدلا من الأعراف والأنفال... إلخ.
وأجاب عن سؤال يتردد حتما في ذهن قارئ النظم وهو: بم عرف أن النبي قرأ في الظهر والعصر؟ وكيف عرف ما قرأ به فيهما؟
فذكر أن القراءة عرفت باضطراب لحيته ، وعرف ما قرئ به بأنه قد يسمع الآية أو الآيتين أحياناً.
وعند ذكره للقراءة في صلاة الصبح يوم الجمعة واجهه إشكال التعارض بين قراءته فيها بـ «الملك والسجدة» وأنه كان يصلي فيها بـ «الانسان»، وتخلص منه بأن لفظ كان قبل المضارع مما عدم العموم فيه أرجح عند الأصوليين.
وتتخلل تلك التحقيقات الفقهية والأصولية رشحات ونفثات تشجي الخلي وتُبَرِّح بالشجي, وذلك حين يقول:
صحت صلاة مغرب "بالمرسلات"
فهي لذكراها الدموع مرسلات

ذكرى نزولها على إنسان
عين الوجود يومه يومان

وإن ذكرت يوم هو عاصب
لرأسه صبت به مصائب

هيج أشجانا على أشجان
قصرَك لست طوع من نهاني

وإذ يقول:
كذاك فيها سورة الزلزال
كررها لؤلؤة اللآلي

والخلف في تكرارها هل صدرا
عن قصد أو لم يك عن قصد جرى

روى أبو داود ذا والبيهقي
كلاهما عن جهني مطلق

أهفو لها من فم خير البرره
(مفردة جاءتك أو مكرره)

وحيث يقول:
لكنما حديث أم الفضل
لم يبق للنسخ إذا من أصل

إذ صرحت وهيَّ في مشاهد
بأنه صلى بها في الشاهد

حديثها مضى له التخريج
ولا يمل عنده تعريج

نسأل من وفقنا للاشتغال بهذا النظم تحقيقا وضبطا أن ينفعنا به وجميع
المسلمين قولا وعملا ونية، وأن يوفقنا لامتثال قوله : «صلوا كما رأيتموني أصلي».
=== === ===
أما ترجمة الناظم فقد قال فيها مقدم الكتاب:
هو محمدي بن محمد الأمين بن محمدي بن المصطفى بن سيدي أحمد الخليفة بن سيدينا العلوي يتصل نسبه بالقاضي عبد الله العلوي (قاضي البراكنة)، مخيم الشرف الذي نضج العلم تحت بجاده والتأمت فنونه بين مضارب أوتاده.
ولد – حفظه الله- أوائل العقد السابع من القرن الهجري الرابع عشر بين أطناب بيت العلم والورع والأدب بيت جده لأمه محمد بن محمد المختار العلوي (ت1374هـ).
حفظ القرآن واشتغل بطلب العلم على الشيخ اباه بن عبد الله العلوي أدام الله نعمته، وكان من الطبقة الأولى من منتسبي محظرته.
وهو الآن من شيوخها الذين يرجع إليهم في فنون الحديث والسير والأنساب والأدب.
له مع هذا النظم مؤلفات لم تجد طريقها بعد إلى الطباعة منها:
* نظم في شمائل النبي .
* نظم وشرحه لشهداء بدر.
* تعليق على الفوائد المهمة للعلامة الداه بن أحمد فال العلوي.
قال عنه الدكتور محمد المختار بن اباه في كتاب: (منتخبات من الشعر الموريتاني المعاصر): «محمدي ولد المصطفى يمتاز بسعة العلم، وبدقة المعلومات، والبراعة في فن الشعر. وهكذا امتزج شعره بعلمه، فكثرت إحالاته على مخزون معارفه. إلا أنه استطاع أن يجمع بين النمط المعرفي والفني في شعره.
مع أنه مارس نوعين من الشعر، أحدهما شعر المناسبات، إذ كانت مقدرته فائقة على إنتاج ما أراد منه، أو ما طلب منه، ويتجلى في هذا النوع منه سرعة الإنجاز وجودة المنتج، ولكنه يظل شعرا اصطناعيا، وإنما كانت آثار الصنعة في فنه تختفي تحت عوامل الموهبة.
النوع الثاني من شعره، هو ما صدر عن ذاته، وتمحض فيه فنه، وفيه تعبير عن مشاعره بصفته شاعرا مرهف الحس. وحينئذ يبرز انتماؤه الروحي والفني إلى جد والده محمد فال بن باب الذي أشرب من طريقه».