سورة الأحزاب

تفسير آيات من سورة الأحزاب تفسيرًا يربط الآيات بعضها ببعض بانتقاء الأوضح لأن يكون رابطًا من أقوال المفسرين

من الآية 1-17

بسم الله الرّحمن الرّحيم

" يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا" "1"


لماذا ختمت الآية الأولى بقوله تعالى " عليمًا حكيمًا "


" قوله : ياأيها النبي اتق الله أي : دم على ذلك وازدد منه ولا تطع الكافرين من أهل مكة ومن هو على مثل كفرهم والمنافقين أي : الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر.
قال الواحدي : إنه أراد - سبحانه - بالكافرين أبا سفيان وعكرمة وأبا الأعور السلمي ، وذلك أنهم قالوا للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - : ارفض ذكر آلهتنا ، وقل إن لها شفاعة لمن عبدها .
إن الله كان عليما حكيما أي : كثير العلم والحكمة بليغهما ، قال النحاس : ودل بقوله : إن الله كان عليما حكيما على أنه كان يميل إليهم : يعني النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - استدعاء لهم إلى الإسلام ، والمعنى : أن الله - - لو علم أن ميلك إليهم فيه منفعة لما نهاك عنهم ; لأنه حكيم ، ولا يخفى بعد هذه الدلالة التي زعمها ، ولكن هذه الجملة تعليل لجملة الأمر بالتقوى والنهي عن طاعة الكافرين والمنافقين ، والمعنى : أنه لا يأمرك أو ينهاك إلا بما علم فيه صلاحا أو فسادا لكثرة علمه وسعة حكمته" " فتح القدير"

" عليما حكيمًا "
والمعنى : أن الله حقيق بالطاعة له دون الكافرين والمنافقين لأنه عليم حكيم فلا يأمر إلا بما فيه الصلاح ." التحرير والتنوير "


" واتبع ما يوحى إليك من ربّك إن الله كان بما تعملون خبيرا" (2)


" واتبع ما يوحى إليك من ربّك " من القرآن أي : اتبع الوحي في كل أمورك ولا تتبع شيئا مما عداه من مشورات الكافرين والمنافقين ولا من الرأي البحت ، فإن فيما أوحي إليك ما يغنيك عن ذلك ، وجملة إن الله كان بما تعملون خبيرا " تعليل لأمره باتباع ما أوحي إليك ، والأمر له - صلى الله عليه وآله وسلم - أمر لأمته ، فهم مأمورون باتباع القرآن كما هو مأمور باتباعه " " " فتح القدير" .


" وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا " (3)

"اعتمد عليه وفوض أمورك إليه ، وكفى به حافظا يحفظ من توكل عليه." " فتح القدير"



" مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ الَّلائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ "(4)


" ثم ذكر - سبحانه - مثلا توطئة وتمهيدا لما يتعقبه من الأحكام القرآنية التي هي من الوحي الذي أمره الله باتباعه فقال : ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه .
وقد اختلف في سبب نزول هذه الآية كما سيأتي ، وقيل : هي مثل ضربه الله للمُظاهر أي : كما لا يكون للرجل قلبان كذلك لا تكون امرأة المظاهر أُمّه حتى يكون له أُمّان ، وكذلك لا يكون الدعيُّ ابنا لرجلين .
وقيل : كان الواحد من المنافقين يقول : لي قلب يأمرني بكذا وقلب بكذا " فتح القدير"



" أن الإنسان ما دام لا يملك إلا قلباً واحداً، فلا بد أن يتجه إلى إله واحد وأن يتبع نهجاً واحداً" " إسلام ويب "


" تعليق أمة الله العظيم " يتبع نهجًا واحدًا وهو الوحي الذي أمره باتباعه في الآية الثانية .



" قَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ تَكْذِيبَ قَوْم مِنْ أَهْل النِّفَاق , وَصَفُوا نَبِيَّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ ذُو قَلْبَيْنِ , فَنَفَى اللَّه ذَلِكَ عَنْ نَبِيّه , وَكَذَّبَهُمْ " " الطبري "


" تعليق أمة الله العظيم " رابط هذه الآية مع الآية الأولى :
لا تطع الكافرين والمنافقين – الآية الأولى - فهم كاذبون ومن مثال كذبهم أن قالوا لرسول الله قلبين . " فالكاذب لا يطاع"



رابط جميل جدًا : قال فضيلة الشيخ متولي الشعراوي "

إذن: نحن هنا أمام معسكرين:
واحد يمثل الحق في أجلي معانيه وصوره " اتبع ما يوحى إليك من ربك "
وآخر يمثل الباطل " لا تطع الكافرين والمنافقين "
وللقلب هنا دَوْر لا يقبل المواربة ، إما أنْ ينحاز ويغلب صاحب الحق، وإما أنْ يغلب جانب الباطل، وما دمت أنت أمام أمرين متناقضين لا يمكن أنْ يجتمعا، فلا بُدَّ أن تُغلِّب الحق؛ لأن الله تعالى: مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ.. [الأحزاب: 4] إما الحق وإما الباطل، ولا يمكن أن تتقي الله وتطيع الكافرين والمنافقين؛ لأن القلب الذي يميل ويغلب قلب واحد


محاولة من أمةُ الله العظيم : رابط الآية (4) بسبب نزول السّورة :
سبب نزول السّورة هو إيذاء المنافقين لرسول الله صلى الله عليه وسلّم ، ومما آذَوه فيه طعنهم في مناكحته وقولهم تزوّج حليلة ابنه ، فبيّن الله- - في هذه الآية بأن الولد الدعيّ لا يكون ولدًا حقيقيًا ، وبالتالي فإن زيدًا ليس بابن رسول الله صلى الله عليه وسلّم- وزوجة زيد ليست بزوجة ابنه عليه الصلاة والسلام .



" ذلكم قولكم بأفواهكم "


فائدة "
" وهل يكون القول إلا بالأفواه؟ فماذا أضافتْ الأفواه هنا؟ قالوا: نعم، القول بالفم، لكن أصله في الفؤاد، وما اللسان إلا دليل على ما في الفؤاد .
قال الشاعر:
إنَّ الكَلامَ لَفِي الفُؤاد وَإنَّما جُعِلَ اللسَانُ علَى الفُؤَادِ دَليلاً
إذن: لا بدَّ أنْ يكون الكلام نسبة في القلب، منها تأتي النسبة الكلامية، فهل ما تقولونه له واقع، هل الزوجة تكون أماً؟ وهل الولد الدعيُّ يكون ابناً. فهذا كلام من مجرد الأفواه، لا رصيد له في القلب ولا في الواقع، فهو - إذن – باطل .
وقوله تعالى: وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ [الأحزاب: 4] يهدي السبيل إلى القول الحق .
ثم يقول الحق سبحانه : ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ... " "متولي الشعراوي"



" ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا "(5)



" هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادعاء الأبناء الأجانب ، وهم الأدعياء ، فأمر [ الله ] تعالى برد نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة ، وأن هذا هو العدل والقسط "ابن كثير ".



فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فإخوانكم في الدّين ومواليكم :
: " فهم إخوانكم في الدين وهم مواليكم ، فقولوا : أخي ومولاي ولا تقولوا ابن فلان ، حيث لم تعلموا آباءهم على الحقيقية : قال الزجاج : ويجوز أن يكون مواليكم أولياءكم في الدين " " فتح القدير"


" ثم قال : ( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ) أي : إذا نسبتم بعضهم إلى غير أبيه في الحقيقة خطأ ، بعد الاجتهاد واستفراغ الوسع; فإن الله قد وضع الحرج في الخطأ ورفع إثمه " ابن كثير"



" النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا " (6)



" النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم "

" قوله تعالى : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم هذه الآية أزال الله تعالى بها أحكاما كانت في صدر الإسلام ; منها : أنه كان لا يصلي على ميت عليه دين ، فلما فتح الله عليه الفتوح قال : أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ; فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه ، ومن ترك مالا فلورثته أخرجه الصحيحان . وفيهما أيضا فأيكم ترك دينا أو ضياعا فأنا مولاه ... قال ابن عطية : وقال بعض العلماء العارفين : هو أولى بهم من أنفسهم ; لأن أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك ، وهو يدعوهم إلى النجاة . قال ابن عطية : ويؤيد هذا قوله عليه الصلاة والسلام : أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها تقحم الفراش .
قلت : هذا قول حسن في معنى الآية وتفسيرها ، والحديث الذي ذكر أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله : إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه وأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقحمون فيه . وعن جابر مثله ; وقال : وأنتم تفلتون من يدي . قال العلماء : الحجزة للسراويل ، والمعقد للإزار ; فإذا أراد الرجل إمساك من يخاف سقوطه أخذ بذلك الموضع منه " " القرطبي "


وأزواجه أمهاتهم "
" وأزواجه أمهاتهم شرف الله تعالى أزواج نبيه بأن جعلهن أمهات المؤمنين ; أي في وجوب التعظيم والمبرة والإجلال وحرمة النكاح على الرجال ، وحجبهن - رضي الله تعالى عنهن - بخلاف الأمهات .
وقيل : لما كانت شفقتهن عليهم كشفقة الأمهات أنزلن منزلة الأمهات ، ثم هذه الأمومة لا توجب ميراثا كأمومة التبني . وجاز تزويج بناتهن ، ولا يجعلن أخوات للناس " " القرطبي "



"وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين " .


" قيل : إنه أراد بالمؤمنين الأنصار ، وبالمهاجرين قريشا .
وفيه قولان : أحدهما : أنه ناسخ للتوارث بالهجرة .
حكى سعيد عن قتادة قال : كان نزل في سورة الأنفال " والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا " فتوارث المسلمون بالهجرة ; فكان لا يرث الأعرابي المسلم من قريبه المسلم المهاجر شيئا حتى يهاجر ، ثم نسخ ذلك في هذه السورة بقوله : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض .
الثاني : أن ذلك ناسخ للتوارث بالحلف والمؤاخاة في الدين " " القرطبي "



" إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا "


" يريد الإحسان في الحياة ، والوصية عند الموت ; أي أن ذلك جائز ; قاله قتادة والحسن وعطاء
وقال محمد بن الحنفية ، نزلت في إجازة الوصية لليهودي والنصراني ; أي يفعل هذا مع الولي والقريب وإن كان كافرا ; فالمشرك ولي في النسب لا في الدين فيوصى له بوصية .
واختلف العلماء هل يجعل الكافر وصيا ; فجوز بعض ومنع بعض . ورد النظر إلى السلطان في ذلك بعض ; منهم مالك تعالى .
وذهب مجاهد وابن زيد والرماني إلى أن المعنى : إلى أوليائكم من المؤمنين . ولفظ الآية يعضد هذا المذهب ، وتعميم الولي أيضا حسن . وولاية النسب لا تدفع الكافر ، وإنما تدفع أن يلقى إليه بالمودة كولي الإسلام " " القرطبي "


" كان ذلك في الكتاب مسطورا "
" و ( مسطورا ) من قولك سطرت الكتاب إذا أثبته أسطارا .
وقال قتادة : أي مكتوبا عند الله ألا يرث كافر مسلما . قال قتادة : وفي بعض القراءة كان ذلك عند الله مكتوبا . وقال القرظي : كان ذلك في التوراة " " القرطبي "



" وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا "(7)


"وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ "



رابط (1) "
" أي عهدهم على الوفاء بما حملوا، وأن يبشر بعضهم ببعض، ويصدق بعضهم بعضا؛ أي كان مسطورا حين كتب الله ما هو كائن، وحين أخذ الله تعالى المواثيق من الأنبياء "" القرطبي"


رابط (2)
" ويحتمل أن يكون هذا تعظيما في قطع الولاية بين المسلمين والكافرين؛ أي هذا مما لم تختلف فيه الشرائع، أي شرائع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. أي كان في ابتداء الإسلام توارث بالهجرة، والهجرة سبب متأكد في الديانة، ثم توارثوا بالقرابة مع الإيمان وهو سبب وكيد؛ فأما التوارث بين مؤمن وكافر فلم يكن في دين أحد من الأنبياء الذين أخذ عليهم المواثيق؛ فلا تداهنوا في الدين ولا تمالئوا الكفار " "القرطبي"


رابط (3)
" وقيل : أي النبّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم كان ذلك في الكتاب مسطورا ومأخوذا به المواثيق من الأنبياء" " القرطبي "


رابط "4"
" العامل في الظرف محذوف أي : واذكر ، كأنه قال : يا أيها النبي اتق الله واذكر أن الله أخذ ميثاق النبيين .
وقال مقاتل : أخذ ميثاقهم على أن يعبدوا الله ، ويدعوا إلى عبادة الله ، وأن يصدق بعضهم بعضا ، وأن ينصحوا لقومهم " " فتح القدير"


تعليق أمة الله العظيم : هذا الرّابط واضح في تبرير وجود الواو التي قبل " إذ " . والله أعلم .


رابط "5"
" " وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ... "عطف على قوله " يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين " إلى قوله وكفى بالله وكيلا ، فلذلك تضمن الأمر بإقامة الدين على ما أراده الله تعالى وأوحى به إلى رسوله - - وعلى نبذ سنن الكافرين الصرحاء والمنافقين من أحكام الهوى والأوهام ....فلما أمر النبيء - - بالاقتصار على تقوى الله وبالإعراض عن دعوى الكافرين والمنافقين . أعلم بأن ذلك شأن النبيئين من قبله ، ولذلك عطف قوله " ومنك " عقب ذكر النبيئين تنبيها على أن شأن الرسل واحد وأن سنة الله فيهم متحدة ، فهذه الآية لها معنى التذييل لآية ( يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين ) الآيات الثلاث ولكنها جاءت معطوفة بالواو لبعد ما بينها وما بين الآيات الثلاث المتقدمة ." التحرير والتنوير
"تعليق أمة الله العظيم "هذا الرابط أيضا واضح في تبرير وجود الواو التي قبل " إذ ".



" لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا "(8)


" ليسأل الصادقين عن صدقهم"
"رابط "1"
" واللام في قوله : ليسأل الصّادقين عن صدقهم يجوز أن تكون لام كي أي : لكي يسأل الصّادقين من النبيين عن صدقهم في تبليغ الرسالة إلى قومهم ،وفي هذا وعيد لغيرهم ، لأنهم إذا كانوا يُسألون عن ذلك فكيف غيرهم .
قيل والتقدير : ليسأل الصادقين عن صدقهم فأثابهم ، ويسأل الكافرين عما أجابوا به رسلهم وأعد لهم عذابا أليما " " فتح القدير"


رابط "2"

" أي أخذنا منهم ميثاقا غليظا لنعظم جزاء للذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ولنشدد العذاب جزاء للذين يكفرون بما جاءتهم به رسل الله ، فيكون من دواعي ذكر هذا الميثاق هنا أنه توطئة لذكر جزاء الصادقين وعذاب الكافرين زيادة على ما ذكرنا من دواعي ذلك آنفا " " التحرير والتنوير

" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا " (9)


" هذا تحقيق لما سبق من الأمر بتقوى الله بحيث لا يبقى معها خوف من أحد وقوله عليكم متعلق بالنعمة إن كانت مصدرا أو بمحذوف هو حال أي : كائنة عليكم ، ومعنى إذ جاءتكم جنود حين جاءتكم جنود .. والمراد بالجنود : جنود الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وغزوه إلى المدينة
وجنودا لم تروها : الملائكة .



قال المفسرون : بعث الله عليهم الملائكة فقلعت الأوتاد ، وقطعت أطناب الفساطيط ، وأطفأت النيران ، وأكفأت القدور ، وجالت الخيل بعضها في بعض ، وأرسل الله عليهم الرعب ، وكثر تكبير الملائكة في جوانب العسكر حتى كان سيد كل قوم يقول لقومه : يا بني فلان هلم إلي ، فإذا اجتمعوا قال لهم : النجاء النجاء!!" " فتح القدير"

" وكان الله بما تعملون بصيرا "
" أي : بما تعملون أي : أيها المسلمون من ترتيب الحرب ، وحفر الخندق ، واستنصاركم به ، وتوكلكم عليه ." فتح القدير



تعليق أمةُ الله العظيم " بتفسيره خاتمة الآية بـ " وكان الله بما تعملون بصيرًا " ... وعلمه باستنصاركم به وتوكلكم عليه " نجد رابطًا بين هذه الآية و الآية الثالثة حيث أمر الله نبيه فيها وأمته من باب أولى بالتوكل عليه " فقال " وتوكل على الله وكفى بالله وكيلًا " وبهذا تكون جملة " وكان الله بما تعملون بصيرًا " هي أيضا رابط مع الآية الثالثة كما بداية هذه الآية هي رابط مع الآيات الثلاث الأولى ، وتكون أيضًا رابط لنهاية الآية مع بدايتها . والله أعلم .



" إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا"(10)


" قوله تعالى : إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم إذ في موضع نصب بمعنى واذكر . وكذا وإذ قالت طائفة منهم . من فوقكم يعني من فوق الوادي ، وهو أعلاه من قبل المشرق ، جاء منه عوف بن مالك في بني نصر ، وعيينة بن حصن في أهل نجد ، وطليحة بن خويلد الأسدي في بني أسد . ومن أسفل منكم يعني من بطن الوادي من قبل المغرب ، جاء منه أبو سفيان بن حرب على أهل مكة ، ويزيد بن جحش على قريش ، وجاء أبو الأعور السلمي ومعه حيي بن أخطب اليهودي في يهود بني قريظة مع عامر بن الطفيل من وجه الخندق . وإذ زاغت الأبصار أي شخصت . وقيل : مالت ; فلم تلتفت إلا إلى عدوها دهشا من فرط الهول . وبلغت القلوب الحناجر أي زالت عن أماكنها من الصدور حتى بلغت الحناجر وهي الحلاقيم ، واحدها حنجرة ; فلولا أن الحلوق ضاقت عنها لخرجت ; قاله قتادة . وقيل : هو على معنى المبالغة على مذهب العرب على إضمار كاد .

" وتظنون بالله الظنونا " قال الحسن : ظن المنافقون أن المسلمين يستأصلون ، وظن المؤمنون أنهم ينصرون . وقيل : هو خطاب للمنافقين ; أي قلتُم هلك محمد وأصحابه "" القرطبي"



"هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا"(11)
" أي عند ذلك اختبر المؤمنون ليتبين المخلص من المنافق . وكان هذا الابتلاء بالخوف والقتال والجوع والحصر والنزال . وزلزلوا زلزالا شديدا أي حركوا تحريكا " " القرطبي "



" وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا" (12)


" قوله تعالى : وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض أي شك ونفاق . ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا أي باطلا من القول " " القرطبي "


" وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض" معطوف على وإذ زاغت الأبصار ، والمرض في القلوب هو الشك والريبة ، والمراد بـ المنافقون : عبد الله بن أبي وأصحابه ، وبالذين في قلوبهم مرض : أهل الشك والاضطراب ما وعدنا الله ورسوله من النصر والظفر إلا غرورا أي : باطلا من القول ، وكان القائلون بهذه المقالة نحو سبعين رجلا من أهل النفاق والشك ، وهذا القول المحكي عن هؤلاء هو كالتفسير للظنون المذكورة أي : كان ظن هؤلاء هذا الظن ، كما كان ظن المؤمنين بالنصر وإعلاء كلمة الله " " فتح القدير" .


" حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا " قال : قال ذلك أناس من المنافقين ، قد كان محمد يعدنا فتح فارس والروم ، وقد حصرنا هاهنا ، حتى ما يستطيع أحدنا أن يبرز لحاجته ، ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا " " الطبري "


" وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا" (13)





"وإذ قالت طائفة منهم " أي : من المنافقين ، وهم أوس بن قيظي وأصحابه ) " يا أهل يثرب " يعني المدينة
" لا مقام لكم ": بضم الميم ، أي : لا إقامة لكم " فارجعوا " ; إلى منازلكم عن اتباع محمد - - ، وقيل : عن القتال إلى مساكنكم .


" ويستأذن فريق منهم النبي " وهم بنو حارثة وبنو سلمة " يقولون إن بيوتنا عورة " أي : خالية ضائعة ، وهو مما يلي العدو نخشى عليها السراق . فكذبهم الله فقال : " وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا " أي : ما يريدون إلا الفرار " " البغوي "



" وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيرًا" (14)


" ولو دخلت عليهم " أي : لو دخلت عليهم المدينة ، يعني هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم ، وهم الأحزاب " من أقطارها " جوانبها ونواحيها جمع قطر " ثم سئلوا الفتنة " أي : الشرك . " لآتوها " لأعطوها .


" وما تلبثوا بها " أي : ما احتبسوا عن الفتنة " إلا يسيرا "
ولأسرعوا الإجابة إلى الشرك طيبة به أنفسهم ، هذا قول أكثر المفسرين .


وقال الحسن والفراء : وما أقاموا بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلا حتى يهلكوا " " البغوي"



" وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولا"(15)


"1- عن ابن إسحاق قال : ثني يزيد بن رومان " ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا " . وهم بنو حارثة ، وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة حين هما بالفشل يوم أحد ، ثم عاهدوا الله لا يعودون لمثلها ، فذكر الله لهم الذي أعطوه من أنفسهم .


2- عن قتادة قوله : " ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا " قال : كان ناس غابوا عن وقعة بدر ، ورأوا ما أعطى الله أصحاب بدر من الكرامة والفضيلة ، فقالوا : لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن ، فساق الله ذلك إليهم حتى كان في ناحية المدينة " " الطبري"



3-" ثم قال تعالى يذكرهم بما كانوا عاهدوا الله من قبل هذا الخوف ، ألا يولوا الأدبار ولا يفروا من الزحف ، " وكان عهد الله مسئولا " أي : وإن الله تعالى سيسألهم عن ذلك العهد ، لا بد من ذلك "" ابن كثير "



" قُل لَّن يَنفَعَكُم الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لّا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلا "(16)


" ثم أخبرهم أن فرارهم ذلك لا يؤخر آجالهم ، ولا يطول أعمارهم ، بل ربما كان ذلك سببا في تعجيل أخذهم غِرّة; ولهذا قال : " وإذا لا تمتعون إلا قليلا " أي : بعد هربكم وفراركم "ابن كثير"



" قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا "(17)


" قل من ذا الذي يعصمكم من الله " أي : يمنعكم ، " إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا " أي : ليس لهم ولا لغيرهم من دون الله مجير ولا مغيث " " ابن كثير "