من آداب حملة القرآن الكريم :

قرأت كلاما قيما للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري تعالى في آداب حملة القرآن و أخلاقهم فأحببت أن أنقله لعل الله ينفع به و أسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهله و خاصته الذين هم حملة كتابه، و أن يجعلنا من المتخلقين بأخلاقه المتأدبين بآدابه العاملين به الواقفين عند حدوده المستنيرين بنوره المتدبرين له حق التدبر، إنه سبحانه سميع لمن دعاه لا يخيب رجاء من ناداه.
و هذا كلام الآجري تعالى، يقول في كتابه"أخلاق حملة القرآن":

" يَنْبَغِي لَهُ -أي لحامل القرآن- أَنْ يَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَاً لِقَلْبِهِ ، يُعَمِّرَ بِهِ مَا خَرَبَ مِنْ قَلْبِهِ ، وَيَتَأَدَّبَ بِآدَابِ الْقُرْآنِ ، وَيَتَخَلَّقَ بِأَخْلاقٍ شَرِيفَةٍ ، تَبِينُ بِهِ عَنْ سَائِرِ النَّاسِ مِمَّنْ لا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ .
فَأَوَّلُ مَا يَنْبَغِي لَهُ : أَنْ يَسْتَعْمِلَ تَقْوَى اللهِ عَزَّ وجلَّ فِي السِّرِ وَالْعَلانِيَةِ ، بِاسْتِعْمَالِ الْوَرَعِ فِي مَطْعَمِهِ ، وَمَشْرَبِهِ ، وَمَلْبَسِهِ ، وَمَكْسَبِهِ ، وَيَكُونَ بَصِيرَاً بِزَمَانِهِ وَفَسَادِ أَهْلِهِ ، فَهُوَ يَحْذَرُهُمْ عَلَى دِينِهِ ، مُقْبِلاً عَلَى شَأْنِهِ ، مَهْمُومَاً بِإِصَلاحِ مَا فَسَدَ مِنْ أَمْرِهِ ، حَافِظَاً لِلِسَانِهِ ، مُمَيِّزَاً لِكَلامِهِ .
إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِعِلْمٍ ، إِذَا رَأَى الْكَلامَ صَوَابَاً ، وَإِذَا سَكَتَ سَكَتَ بِعِلْمٍ ، إِذَا كَانَ السُّكُوتُ صَوَابَاً ، قَلِيلَ الْخَوْضِ فِيمَا لا يَعْنِيهِ ، يَخَافُ مِنْ لِسَانِهِ أَشَدَّ مِمَّا يَخَافُ مِنْ عَدُوهِ ، يَحْبِسُ لِسَانَهُ كَحَبْسِهِ لِعَدُوهِ ، لِيَأْمَنَ مِنْ شَرِّهِ وَسُوءِ عَاقِبَتِهِ ، قَلِيلَ الضَّحِكِ فِيمَا يَضْحَكُ فِيهِ النَّاسُ ، لِسُوءِ عَاقِبَةِ الضَّحِكِ ، إِنْ سُرَّ بِشَيءٍ مِمَّا يُوَافِقُ الْحَقَّ تَبَسَّمَ ، يَكْرَهُ الْمِزَاحَ خَوْفَاً مِنْ اللَّعِبِ ، فَإِنْ مَزَحَ قَالَ حَقَّاً ، بَاسِطَ الْوَجْهِ ، طَيِّبَ الْكَلامِ .
لا يَمْدَحُ نَفْسَهُ بِمَا فِيهِ ، فَكَيْفَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ ، يَحْذَرُ مِنْ نَفْسَهُ أَنْ تَغْلِبَهُ عَلَى مَا تَهْوَى مِمَّا يُسْخِطُ مَوْلاهُ . لا يَغْتَابُ أَحَدَاً ، وَلا يَحْقِرُ أَحَدَاً ، وَلا يَسُبُّ أَحَدَاً ، وَلا يَشْمَتُ بِمُصِيبَةٍ ، وَلا يَبْغِي عَلَى أَحَدٍ ، وَلا يَحْسِدُهُ...
قَدْ جَعَلَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ وَالْفِقَهَ دَلِيلَهُ إِلَى كُلِّ خُلُقٍ حَسَنٍ جَمِيلٍ ، حَافِظَاً لِجَمِيعِ جَوَارِحِهِ عَمَّا نُهِيَ عَنْهُ ، إِنْ مَشِىَ مَشِىَ بِعِلْمٍ ، وَإِنْ قَعَدَ قَعَدَ بِعِلْمٍ ، يَجْتَهِدُ لِيَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ . وَلا يَجْهَلُ ، فَإِنْ جُهِلَ عَلَيْهِ حَلُمَ ، وَلا يَظْلِمُ ، فَإِنْ ظُلِمَ عَفَى ، وَلا يَبْغِي ، وَإِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ ، يَكْظِمُ غَيْظَهُ لِيُرْضِيَ رَبَّهُ ، وَيَغِيظَ عَدُوَهُ ، مُتَوَاضِعٌ فِي نَفْسِهِ ، إِذَا قِيلَ لَهُ الْحَقُّ قَبِلَهُ ، مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ .
يَطْلُبُ الرِّفْعَةَ مِنْ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لا مِنْ الْمَخْلُوقِينَ ، مَاقِتَاً لِلْكِبْرِ ، خَائِفَاً عَلَى نفْسِهِ مِنْهُ ،
لا يَتأكَّلُ بِالْقُرْآنِ ، وَلا يُحِبُّ أَنْ تُقْضَى لَهُ بِهِ الْحَوَائِجُ ، وَلا يَسْعَى بِهِ إِلَى أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ ، وَلا يُجَالِسُ بِهِ الأغْنِيَاءَ لِيُكْرِمُوهُ .
إِنْ كَسَبَ النَّاسُ مِنْ الدُّنْيَا الْكَثِيرَ بِلا فِقْهٍ وَلا بَصِيرَةٍ ، كَسَبَ هُوَ الْقَلِيلَ بِفِقْهٍ وَعِلْمٍ ، إِنْ لَبَسَ النَّاسُ اللَّيِّنَ الْفَاخِرَ ، لَبَسَ هُوَ مِنْ الْحَلالِ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ ، إِنْ وُسِّعَ عَلَيْهِ وَسَّعَ ، وَإِنْ أُمْسِكَ عَلَيْهِ أَمْسَكَ ، يَقْنَعُ بِالْقَلِيلِ فَيَكْفِيهِ ، وَيَحْذَرُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الدُّنْيَا مَا يُطْغِيهِ .
يَتَّبِعُ وَاجِبَاتِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ، يَأْكُلُ الطَّعَامَ بِعِلْمٍ ، وَيَشْرَبُ بِعِلْمٍ ، وَيَلْبَسُ بِعِلْمٍ وَيَنَامُ بِعِلْمٍ ، وَيُجَامِعُ أَهْلَهُ بِعِلْمٍ ، وَيَصْحَبُ الإِخْوَانَ بِعِلْمٍ ، يَزُورُهُمْ بِعِلْمٍ ، وَيَسْتَأذِنُ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ ، يُجَاوِرُ جَارَهُ بِعِلْمٍ .
وَيُلْزِمُ نَفْسَهُ بِرَّ وَالِدَيْهُ ، فَيَخْفِضُ لَهُمَا جَنَاحَهُ ، وَيَخْفِضُ لِصَوْتِهِمَا صَوْتَهُ ، وَيَبْذُلُ لَهُمَا مَالَهُ ، وَيَنْظُرُ إِلَيْهِمَا بِعَيْنِ الْوَقَارِ وَالرَّحْمَةِ ، يَدْعُو لَهُمَا بِالْبَقَاءِ ، وَيَشْكُرُ لَهُمَا عِنْدَ الْكِبَرِ ، لا يَضْجَرُ بِهِمَا ، وَلا يَحْقِرُهُمَا ، إِنْ اِسْتَعَانَا بِهِ عَلَى طَاعَةٍ أَعَانَهُمَا ، وَإِنْ اِسْتَعَانَا بِهِ عَلَى مَعْصِيةٍ لَمْ يُعِنْهُمَا عَلَيْهَا ، وَرَفَقَ بِهِمَا فِي مَعْصِيتِهِ إِيَّاهُمَا ، يُحْسِنُ الأَدَبَ لِيَرْجِعَا عَنْ قَبِيحِ مَا أَرَادَا ، مِمَّا لا يَحْسُنُ بِهِمَا فِعْلُهُ ، يَصِلُ الرَّحِمَ ، وَيَكْرَهُ الْقَطِيعَةَ ، مَنْ قَطَعَهُ لَمْ يَقْطَعْهُ ، مَنْ عَصَى اللهَ فِيهِ ، أَطَاعَ اللهَ فِيهِ .
يَصْحَبُ الْمُؤْمِنِينَ بِعِلْمٍ ، وَيُجَالِسُهُمْ بِعِلْمٍ ، مَنْ صَحِبَهُ نَفَعَهُ ، حَسَنُ الْمُجَالَسَةِ لِمَنِ جَالَسَ ، إِنْ عَلَّمَ غَيْرَهُ رَفَقَ بِهِ ، لا يُعَنِّفُ مَنْ أَخْطَأَ وَلا يُخْجِلُهُ ، رَفَيقٌ فِى أُمُورِهِ ، صَبُورٌ عَلَى تَعْلِيمِ الْخَيْرِ ، يَأْنَسُ بِهِ الْمُتَعَلِّمُ ، وَيَفْرَحُ بِهِ الْمُجَالِسُ ، مُجَالَسَتُهُ تُفِيدُ خَيْرَاً ، مُؤَدِّبٌ لِمَنْ جَالَسَهُ بِأَدَبِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ .
إِنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ ، فَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ لَهُ مُؤَدِّبَانِ ، يَحْزَنُ بِعِلْمٍ ، وَيَبْكِي بِعِلْمٍ ، وَيَصْبِرُ بِعِلْمٍ ، وَيَتَطَّهَرُ بِعِلْمٍ ، وَيُصَلِي بِعِلْمٍ ، وَيُزَكِّي بِعِلْمٍ ، وَيَتَصَدَّقُ بِعِلْمٍ ، وَيَصُومُ بِعِلْمٍ وَيَحُجُّ بِعِلْمٍ ، وَيُجَاهِدُ بِعِلْمٍ ، وَيَكْتَسِبُ بِعِلْمٍ ، وَيُنْفِقُ بِعِلْمٍ ، وَيَنْبَسِطُ فِي الأُمُورِ بِعِلْمٍ ، وَيَنْقَبِضُ عَنْهَا بِعِلْمٍ ، قَدْ أّدَّبَهُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ .
يَتَصَفَّحُ الْقُرْآنَ لِيُؤَدِّبَ بِهِ نَفْسَهُ ، وَلا يَرَضَى مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يُؤَدِي مَا فَرَضَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ بِجَهْلٍ ، قَدْ جَعَلَ الْعِلْمَ وَالْفِقْهَ دَلِيلَهُ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ .
إِذَا دَرَسَ الْقُرْآنَ فَبِحُضُورِ فَهْمٍ وَعَقْلٍ ، هِمَّتُهُ إِيقَاعُ الْفَهْمِ لِمَا أَلْزَمَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ اتِّبَاعِ مَا أَمَرَ ، وَالانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى ، لَيْسَ هِمَّتُهُ مَتَّى أَخْتِمُ السُّورَةَ ، هِمَّتُهُ مَتَّى اسْتَغْنِي بِاللهِ عَنْ غَيْرِهِ ، مَتَّى أَكُونُ مِنْ الْمُتَقِينَ ، مَتَّى أَكُونُ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ، مَتَّى أَكُونُ مِنْ الْمُتَوَكِّلِينَ ، مَتَّى أَكُونُ مِنْ الْخَاشِعِينَ ، مَتَّى أَكُونُ مِنْ الصَّابِرِينَ ، مَتَّى أَكُونُ مِنْ الصَّادِقِينَ ، مَتَّى أَكُونُ مِنْ الْخَائِفِينَ ، مَتَّى أَكُونُ مِنْ الرَّاجِينَ ؟ .
مَتَّى أَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا ، مَتَّى أَرْغَبُ فِي الآخِرَةِ ، مَتَّى أَتُوبُ مِنْ الذُّنُوبِ ، مَتَّى أَعْرِفُ النِّعَمَ الْمُتَوَاتِرَةِ ، مَتَّى أَشْكُرُ عَلَيْهَا ، مَتَّى أَعْقِلُ عَنْ اللهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ الْخِطَابَ ، مَتَّى أَفْقَهُ مَا أَتْلُو ، مَتَّى أَغْلِبُ نَفْسِي عَلَى هَوَاهَا ، مَتَّى أُجَاهِدُ فِي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ حَقَّ الْجِهَادِ ، مَتَّى أَحْفَظُ لِسَانِي ، مَتَّى أَغُضُّ طَرْفِي ، مَتَّى أَحْفَظُ فَرْجِي ، مَتَّى اسْتَحِيى مِنْ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ حَقَّ الْحَيَاءِ ، مَتَّى اشْتَغِلُ بِعَيْبِي ، مَتَّى أُصْلِحُ مَا فَسَدَ مِنْ أَمْرِي ، مَتَّى أَحَاسِبُ نَفْسِي ؟ .
مَتَّى أَتَزَوَّدُ لِيَوْمِ مَعَادِي ، مَتَّى أَكُونُ عَنْ اللهِ رَاضَيَاً ، مَتَّى أَكُونُ بِاللهِ وِاثِقَاً ، مَتَّى أَكُونُ بِزَجْرِ الْقُرْآنِ مُتَّعِظَاً ، مَتَّى أَكُونُ بِذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِ غَيْرِهِ مُشْتَغِلاً ، مَتَّى أُحِبُّ مَا أَحَبَّ ، مَتَّى أَبْغَضُ مَا أَبْغَضَ ، مَتَّى أنْصَحُ للهِ ، مَتَّى أُخْلِصُ لَهُ عَمَلِي ؟ .
مَتَّى أُقَصِّرُ أَمَلِي ، مَتَّى أَتَأَهَّبُ لِيَوْمِ مَوْتِي ، وَقَدْ غُيِّبَ عَنِي أَجَلِي ، مَتَّى أُعَمِّرُ قَبْرِي ، مَتَّى أُفَكِّرُ فِي الْمَوْقِفِ وَشِدِّتِهِ ، مَتَّى أُفَكِّرُ فِي خُلْوَتِي مَعَ رَبِّي ، مَتَّى أُفَكِّرُ فِي الْمُنْقَلَبِ ؟ .
مَتَّى أَحْذَرُ مَا حَذَّرَنِي مِنْهُ رَبِّي ، مِنْ نَارٍ حَرُّهَا شَدِيدٌ ، وَقَعْرُهَا بَعِيدٌ ، وَغَمُّهَا طَوِيلٌ ...فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ ، أَوْ مَا قَارَبَ هَذِهِ الصِّفَةِ ، فَقَدْ تَلاهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ، وَرَعَاهُ حَقَّ رِعَايَتِهِ ، وَكَانَ لَهُ الْقُرْآنُ شَاهِدَاً ، وَشَفِيعَاً ، وَأَنِيسَاً ، وَحِرْزَاً ، وَمَنْ كَانَ هَذَا وَصْفُهُ نَفَعَ نَفْسَهُ ، وَنَفَعَ أَهْلَهُ ، وَعَادَ عَلَى وَالِدَيْهِ ، وَعَلَى وَلَدِهِ كُلُّ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ."
فرحم الله الإمام الآجري و جزاه عنا و عن الإسلام خير الجزاء.


المصدر :أخلاق حملة القرآن للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري تعالى.