هذه شبهة مشهورة طالما سمعناها من المخالف: "أخلاق المؤمنين ليست أخلاقا حقيقية بل مجرد سلوك تحكمه الرغبة في الثواب والرهبة من العقاب."
ويفهم من هذه المقالة أن غيرهم من الملاحدة والدهريين أكثر أخلاقية حين يقومون بأعمال الخير دون طمع في ثواب أو خوف من عقاب.

الجواب:
• الإنسان كائن أخلاقي لا ينفك عن إصدار أحكام أخلاقية على سلوكه وسلوك الآخرين.
لماذا نحتاج أصلا لإصدار أحكام توحي بأننا نميز بين الخير والشر, وبين الحسن والقبيح؟
• من أين جاءت هذه "الملكة الأخلاقية"؟ من أين جاءت هذه "الحاسة الأخلاقية"؟ من أين جاء هذا "الميزان الأخلاقي"؟ من أين جاءت هذه "البصيرة الأخلاقية"؟
• الإستعداد لفهم عالم الأخلاق ملكة أصيلة في النفس واستعداد فطري يشبه استعدادنا للتفكير وتعلم اللغة, هذا أمر يشترك فيه الناس جميعهم.
• ولما كانت الأخلاق متسمة بالثبات والشمول في أصولها وكلياتها وليس في فروعها وجزئياتها, علمنا أن الملكات الأخلاقية لا بد أن تكون فطرية متأصلة في النفس على وجه لا ندركه.
• أصل الأخلاق إذن فطري, ولو لم يكن كذلك لوجدنا على الأقل مجتمعا بشريا واحدا يستحسن الكذب والظلم والسرقة ويأمر بها ويستهجن الصدق والعدل والأمانة ويعاقب عليها, فلماذا لم يوجد؟
• هل هذه الملكة الفطرية هي كل الأخلاق؟ هل هذا القدر المشترك بين الناس مؤمنهم وكافرهم يفسر الثراء الأخلاقي الذي تميز به الإنسان عبر التاريخ؟ هل تنتهي الأخلاق عند هذا القدر المشترك؟ هل نكتفي من سعينا للسمو الأخلاقي بملكة وُهبناها كما وهبنا ملكة النطق واللغة؟ هل استعدادنا لتلقي اللغة يغني عن التعلم؟ أم أن الملكة استعداد لشيء آخر, فالملكة اللغوية استعداد فطري لتعلم اللغة وإتقانها والتبحر في عوالمها, كما أن الملكة الأخلاقية استعداد فطري لتزكية النفس وتهذيبها.
• هل الأصل في الإنسان الخير أم الشر؟ قال الله تعالى: ( ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) الشمس:7-10.
• لقد أخبرنا خالق النفس سبحانه أنه سواها فـألهمها التمييز بين الفجور والتقوى, بين الخير والشر, بين الحسن والقبيح. فقوله تعالى: (ونفس) قسم بهذه النفس كل نفس, فالتنكير يفيد أن المراد جنس النفس. فالتسوية من كمال الخلق قال الله: (سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى) الأعلى: 1-2 وقال: (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك) الإنفطار: 6-7.
• فكما أن الله سوى خلق الإنسان وجعله في أحسن تقويم فإنه سوى النفس أيضا في أحسن تقويم, ومن تمام تسوية النفس إلهامها وإفهامها طريقي الخير والشر والفضيلة والرذيلة. وإذا كان الإلهام إيقاع الشيء في الروع كما قال الراغب الأصفهاني, أي إحداث العلم في النفس من غير كسب منها ولا تفكير ولا تجربة, علمنا سر وجود هذه الحاسة الأخلاقية العجيبة التي حيرت عقلاء العالم وفلاسفته.
• إننا إذن نمتلك حاسة نبصر بها الحق في عالم الأخلاق: ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره) القيامة: 14-15.
• لماذا زُوِّد الإنسان بهذه البصيرة الأخلاقية؟ أو: ما الذي يترتب على وجود هذه الحاسة الأخلاقية؟ وما الذي يترتب عن وجود هذا العلم الأخلاقي الأولي داخل النفس, أليس من المنطقي أن يترتب عليه العمل؟ ألا يقتضي تزويد الإنسان بالعقل والتمييز بين الخير والشر العمل والتكليف؟ ألا أيقتضي التكليف المسئولية؟ ألا ينبني على المسئولية الجزاء؟
• تزويد الإنسان بهذه الملكة الأخلاقية ليس عبثا, بل هو من أهم شروط التكليف, لهذا قال ربنا: (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) الشمس:7-10. فالنفس سُوِّيت ثم عُلِّمت تمييز الخير من الشر في نشأتها الأولى, ثم مُنحت الإختيار بينهما, ثم أمرت بتنمية ملكاتها ونهيت عن إهمالها.
• إذن هل تكفي الفطرة؟ وهل الإسلام بدْع من الملل والمذاهب في إلزام الناس بمنهج أخلاقي يزيد عن القدر المشترك بينهم؟ أم أننا نرى حوالينا في هذا العالم ما لا يحصى من الانظمة والقوانين التي ليست سوى سلسة طويلة من :"افعل" و"لا تفعل" فهي شئنا أم أبينا "قوانين أخلاقية".
• إن الفطرة تمنح جنس الإنسان إدراكا مشتركا لعالم الأخلاق وأصولها, والشريعة الإلهية تمنحه نظامها التفصيلي, على صورة من الكمال والتوازن تكل عنها أبصار القانونيين. ففي هذه النقطة ينتهي القدر المشترك بين المؤمن والكافر.
• ههنا يفترق الجمعان, ويتباين الصفان, وتشرق شمس الشريعة القرآنية في سموها وتأفل كواكب الشرائع الملفقة في دنوها, ويتميز صِرْف الأخلاق من بهرجها , فهذه الفطرة التي وافقنا المخالف –بوضعه للقوانين- أنها لا تكفي لتنظيم السلوك الإنساني, تحتاج إلى توجيه وإرشاد, تحتاج إلى هداية. فمن أين نستمدها ياترى؟ ومن أين يستمدها الملحد؟
• نحن نستمد الهداية والحكمة والرشاد من الحي القيوم الذي تقوم السماء والأرض بأمره, الذي وسع كل شيء علما. ألا يشهد العقل بأن خالق النفس أحق بهداية النفس؟ أما الملحد فإنه يقول: أسترشد في مسائل الأخلاق بعقلي. ونحن نسأله: هل تقصد أنك ستخترع الأخلاق اختراعا أم أنك ستكشف منها ما كان عنك غائبا؟ فإن قال إنه يرى لنفسه الحق في بناء أخلاقه سألناه: على أي أساس ستضع هذا البنيان؟ ومهما كان جوابه فإنه لن يستند إلا إلى الظن والهوى.
• فإن قال إنه سيكشف عن أخلاق موجودة فنحن نقول له إنها لا تدرك بالعقل بل بالوحي, إذ ليست السنن الأخلاقية علما ماديا تخضع أجزاؤه للمنهج التجريبي. وهل لأهل الأرض عقل واحد حتى يحتكموا إليه, أم أن لكل منهم عقلا؟ وما فضل عقلك على عقلي حتى أسلم لك قياد نفسي؟ ولو كان العقل يستقل بمعرفة الحق في هذه المسألة لما اختلف الفلاسفة حولها من لدن أرسطو.
• ليست الأخلاق عالما ماديا كعالم الذرات أو المجرات, إن العالم المادي –بالقياس للأخلاق- بسيط وقابل للتوقع لأنه محكوم بسنن ثابتة مطردة, بخلاف عالم الأخلاق المتنوع المتغير النابض بالحياة. فسلوك الإنسان ليس محكوما بقوانين مادية قاهرة, بل هو نابع من "حريته" و"اختياره". لهذا لن يستطيع "عقل" مهما بلغ نبوغه استنباط المنهج الأخلاقي الأمثل في أصوله وفروعه, وفي كلياته وجزئياته, وفي قواعده واستثناءاته. إن تكليف العقل بمثل هذا من تكليف ما لا يطاق.
• أنظر إلى الإنسان كيف يعيش في مجتمع تتشعب علائقه وتكثر عوائقه, إنك تراه أبا وابنا وزوجا وأخا, تربطه بالناس أواصر الأبوة والبنوة والأخوة والجوار, ثم إنك ترى الحقوق تتكاثر وتتشعب خلال هذه الأواصر المتباينة المترابطة. فينشأ التعارض والتضارب بين الحقوق المتباينة وبين الواجبات المتعددة. فمن أين للعقل الترجيح بين مراتب هذا كله؟ وأنى له أن يقطع بشيء على وجه اليقين؟ هل تراه إن رام ذلك إلا متحكما متعسفا؟ فمن أين نستقي شريعة الأخلاق التي تنتظم بها حقوقنا وواجباتنا وأفعالنا وأقوالنا وشخصيتنا مع محيطنا دون عسْف ولا هوى, بلا إفراط ولا تفريط؟
هل تفي قوانين البشر بذلك أم أننا مفتقرون إلى مصدر أعلى وأنقى لشريعتنا الأخلاقية؟
• العقل يكل ويحار إذا حاول أن يحل المعضلة الأخلاقية بكل تشعباتها. ومنتهى غايات علماء الأخلاق أن يحددوا طبيعة الواجب الأخلاقي وأن يحاولوا التوفيق بين صرامته وسلطته وبين نزعة الفرد للحفاظ على حريته واستقلال شخصيته. فالحرية مبدأ يزيد المسألة الأخلاقية تعقيدا.
• العقل المتمرد على الوحي ينتهي إلى فهم ناقص للأخلاق, فيقبل بتصور سلبي للواجب الأخلاقي. فأنت تعلم أن المثل الأعلى للأخلاق المادية تلخصه الكلمات التالية: [COLOR="blue"]لا تؤذ أحدا, لا تسبب الضرر للآخرين, حريتك تنتهي عند حرية غيرك. هذه كلها تروك, فأين الأفعال؟ هذا موقف سلبي فأين الموقف الإيجابي, أين الرحمة؟ أين الإحسان؟ أين البر؟ أين البذل؟
• هل الأخلاق أن ننصف الناس ونكف أذانا عنهم فحسب؟ أليس من صميم الأخلاق أن نجعل لهم حقا من وجداننا ومن أحاسيسنا النبيلة؟ أليس إن اقتصرنا على هذا القدر نكون وقفنا على عتبة الأخلاق لا نجاوزها, بل نكاد ننحدر إلى السلوك المباح. فأية أخلاق هاته إن كانت لا تكاد تتمايز عن المباح.
• قد يحاول العقل المادي التائه أن يخرج من هذا الإشكال متشبتا بقاعدة أخرى, فيقول علينا أن نأتي إلى الناس ما نحب أن يؤتى إلينا. وهذا ما يدعونه بالقاعدة الذهبية, لكن هل هذا يفسر الثروة الأخلاقية التي نقدرها ونعجب بها؟
فلننظر قليلا في هذه القاعدة. أنا أحب أن يحسن الناس إلي وأن ينصحوا لي بقلوبهم قبل ألسنتهم وأعاملهم وفق ذلك. ألا يدل مفهوم المخالفة على أنه لا ضير علي إن تركت خلقي الحسن إن لم يقاَبل بمثله؟
• ألا يدل هذا على أن أخلاق الماديين ليست أخلاقا صِرفة, بل أخلاقا لا تقوم إلا على أساس المصلحة وترقب الجزاء المادي العاجل؟ ألا تعد أخلاق الإيمان التي لا تنتظر الجزاء المادي العاجل أبدا, ولو فعلت لبطلت شرعا, أخلاقا رفيعة سامية تتحقق على الأرض لتلامس عنان السماء؟
• هل يقتصر التزام المؤمن الأخلاقي ببعض الواجبات الأولية المجمع عليها بين الأسوياء أم أنه يتجاوزه إلى منظومة من الواجبات والمستحبات والفضائل المتدرجة وفق سلم حكيم للقيم؟
• هل يتغير أثر الأخلاق القرآنية في واقع الناس بسبب مراقبة أهلها لربهم؟ بعبارة أخرى: هل تفقد هذه الأخلاق شيئا من قوتها ورونقها بسبب أخلاص أصحابها؟ أم أنها ترتفع وتسموا بمقدار إخلاصهم وصدقهم في معاملة ربهم؟
• الأخلاق لا تقوم لها قائمة من دون إلزام, والإلزام الأخلاقي يفترض حرية الإختيار. المؤمن تبلغه الشريعة فيعرضها على ضميره فيقبلها فيصبح الإلزام الأخلاقي التزاما. تصير القضية قضيته, وتكون استجابته لوازع داخلي ملك عليه أركان قلبه, فهو يصدق ويوقن أن هذا المنهج الأخلاقي الذي يدين به هو الحق. فالتزامه بمنهج الشرع يجعله هو نفسه حريصا على نيل الخيرات واتقاء المنكرات. ألا تراه حسن الخلق وإن غاب الرقباء؟ ألا ترى أخلاق أدعياء العقل وعُبّاد القانون تنطفئ بانطفاء الأنوار وبانقطاع الكهرباء ؟
• فنحن نراقب فاطر الأرض والسماوات وهم يراقبون الآلات والكاميرات, نحن نرجو بأخلاقنا رضوان من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه, ونتقي غضبه, وهم يخشون سطوة قوانينهم القاهرة وغراماتها وتغزيراتها, ولا يرجون إلا السلامة من شررها وشرها.
• شريعتنا بلغت حد الكمال, ففيها فرض ونفل, وجوب وتخيير, توبة وتكفير, عزم وترخيص, يسر وتيسير, إنذار وتبشير.
ألا ترى أن الأخلاق في ظل القانون الزائل قفر من ذلك كله؟ ألا تراها عوراء عرجاء شلاء؟ فهي محجوبة بالخلق عن الخالق, لا ترى من الحياة إلا الدنيا, ولا ترى من الكون إلا صورته, ولا ترى من الإنسان إلا جثته, إن القوانين الوضعية وضيعة حقا. إنها فرض وقهر لا تخيير فيه, وصرامة وتشديد لا يسر فيه, ووعيد شديد لا وعد فيه.
• نحن نقر أن الأخلاق التي لا تقوم ولا تستقيم إلا في حضرة الرقابة والضغط الماديين ليست أخلاقا حقيقية؟ إذن ليست أخلاق الماديين أخلاقا بكل ما تحمله الأخلاق من معنى.
• ونعتقد أن مراقبة الله وإخلاص العبادة له والطمع في رضاه والخوف من عقابه, كلها لا تمت بصلة إلى العالم المادي الأرضي, بل هي من أرقى الأخلاق وأسماها؟ فإن فهمت وجه الجواب, ففيم الإعتراض؟
• هل يقوم الواجب الأخلاقي في القرآن على مجرد الأمر به لأنه حق؟ هل يخاطبنا القرآن بمثل: إفعلوا كذا لأني آمركم؟ أم أن شريعة الأخلاق في القرآن تحثنا على تأمل قيمة وجمال الخير الذاتية؟. القرآن لا يخاطبنا كما يخاطب القانونيون عبيدهم في جفاء وجفاف وترهيب ووعيد لا ترغيب فيه ولا رحمة. القرآن يقول لنا في سياق الترغيب في الصلح: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا وعند الأمر بغض الأبصار وحفظ الفروج:قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ النور:30.
وفي الحض على العفو: (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) البقرة:237.
• تأمل: (والصلح خير) و (ذلك أزكى لهم) و (وأن تعفوا أقرب للتقوى).
فورود هذه المعاني قدر زائد على مجرد الأمر. وورودها في سياق الأمر مشعر بجمال الفضيلة والخير الأخلاقي, القرآن ينبهنا إلى قبول الأمر الأخلاقي لأنه يستحق القبول, لأنه خير في نفسه. القرآن يحثنا على الخير لأنه خير في ذاته, ثم يتفضل علينا بالثواب. لا بد أن تلحظ الفرق بين الإلزام والجزاء.
• الملحد يراقب الكاميرات والمؤمن يراقب الله, الملحد ينظر في الأخلاق إلى المنفعة, والمؤمن يلحظ جمال الأخلاق فيتحلى به حبا وإخلاصا لله الذي أمره بها. الإلزام يستلزم المسئولية والمسئولية تستلزم الجزاء. ولا يمكننا تصور أخلاق بدون إلزام, أو بدون مسئولية أو بدون جزاء, لا يمكن أبدا.
الأخلاق الفلسفية وهم. لأنها تصور ذهني مجرد. ليست الأخلاق وصفا لجمال الأخلاق. الأخلاق الحقيقة لها قوة آمرة, إنها تمتلك طاقة ذاتية لتحريك النفس البشرية. الأخلاق الفلسفية لن تخرج عن عالم النصيحة والإرشاد, لأنها تفتقر إلى الإلزام الذي هو ركن الأخلاق الأعظم. فلماذا أقبل أخلاقا ابتدعتها من عند نفسك؟
• أخلاق القرآن تعرض على النفس السوية فتلتزم بها حبا وعبادة, ورغبة ورهبة, لأنها استيقنت أن هذه الشريعة الأخلاقية المسطورة في القرآن, والشريعة المطبوعة في فطرتها تخرجان من مشكاة واحدة, لقد علمت أن أخلاق القرآن تكمل أخلاق الفطرة لأن المشرع واحد.
• الماديون يجعلون أمر تشريع الأخلاق إلى البشر: أليس هذا نزولا بالأخلاق إلى درك الهوى واتباع نزغات النفس. أو اتباع الآباء والكبراء. وهذان عدوان لدودان للأخلاق وللفضيلة. قال الله تعالى: (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) وقال: ( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون.) البقرة: 170.
• إن هذه الشبهة تسعى لإنكار الأخلاق الإسلامية بدعوى ترتب الجزاء عليها: وهل يُتصور عمل بدون جزاء؟ أليس إعجاب الناس وتقديرهم لمن يتحلى بأمثال هذه الفضائل نوعا من الجزاء؟ أليس الإحساس بطمأنينة القلب وراحة الضمير نوعا من الجزاء العاجل؟ هل يقدح شعورنا بذلك الإعجاب وبتلك الطمأنينة في أعمالنا؟ هل تنتفي الأخلاقية لوجود هذه الأنواع من الجزاء؟
• يقول المخالف: سأعامل الناس كما أحب أن يعاملوني. دعونا نتساءل: أتصلح هذه القاعدة لاستنباط الأخلاق, كل الأخلاق؟ وهل تنفع في حل الإشكالات التي تعترض طريق السلوك الإنساني, وما أكثرها من إشكالات؟ وإن كانت لا تقوم لتنظيم عالم الأخلاق بمفردها, فكيف يصح اعتبارها جوابا شافيا وحلا وافيا لمعضلة الأخلاق؟

يدعي المخالف أن لكل شخص أن يحدد حدوده الأخلاقية بنفسه, وهذا يجعل مدار الأخلاق على اجتهاد الفرد ونظره. وهذا موقف كثير من الماديين الذين حسبوا أن الإنسان يبدع أخلاقه. بل صرحوا بضرورة إخضاع الأخلاق للتجربة والنقد باستمرار. فالإنسان في عرفهم يخترع أخلاقه اختراعا, ويعرضها على التجربة عرضا, فيقدم حسب تجاربه ويؤخر, ويثبت وينفي, ويمسك ويطرح, ويبني وينقض. ويغير أخلاقه كما يغير ثوبه ونعله. وهذا تلزم منه لوازم باطلة لا تكاد تنحصر.

فمما يلزم منه, نفي وجود أخلاق موضوعية, مادام الفرد هو المرجع الأوحد للأخلاق. ولما كانت لكل إنسان شخصيته المستقلة, لزم من هذه القاعدة أن تتباين الأخلاق وتتعدد بتعدد البشر وهذا لا يخفى بطلانه. بل إنه لو تحقق لجر إلى الشقاق والتنافر والتنازع.

إخضاع الأخلاق للتجربة مشكل, لأننا إن قمنا بعمل معين على سبيل التجربة, ثم حكمنا عليه حكما أخلاقيا, فإننا لم تستق هذا الحكم من التجربة, بل من مصدر آخر. مثال ذلك أنك لو أصلحت بين متخاصمين بأن تزعم لكل منهما أن الآخر يذكره بالخير ويثني عليه, ثم تآلف الخصمان وزال الشنآن. فبهذا القدر اكتملت فصول الواقعة وتمت التجربة. ثم يبدأ طور جديد, فقد تحكم عليها باستحسان فعلك نظرا إلى ثمرته الطيبة. فمن أين استقيت هذا الحكم يا ترى؟ هل مصدر الحكم هو التجربة عينها؟ كلا فلو دققنا في هذه الواقعة لما وجدنا أثرا للحكم بالتحسين أو التقبيح في الواقعة المادية نفسها؟ إذن لا بد أن مصدر الحكم الأخلاقي خارج عن حدود العالم المادي كما أسلفت في غير هذا الموضع. العقل يستقي أحكامه الأخلاقية من مخزون الفطرة. وبهذا يبدو خطأ الإغترار المفرط بالمنهج التجريبي المادي, فهو غير ذي جدوى هنا, فليس هذا ميدانه, بل إنه يتيه في عالم الأخلاق لتشعب إشكالاته ودقة سؤالاته التي لا يكاد يحير لها جوابا.


إن هذه القاعدة التي استعارها المخالف من فلاسفة الأخلاق, تفترض أن الإنسان يعرف السلوك الأخلاقي الذي يحبه الناس, فمن أين عرف ذلك؟ هل عرفه بالتجربة أم بالتعلم أم بالحدس أم بها جميعا؟ تقوم هذه القاعدة على افتراض أخلاق مشتركة بين الناس, فهي تسترشد بالملكة الأخلاقية الفطرية التي ذكرناها في بداية الموضوع.

حين تصطدم أخلاقك باستمرار مع أخلاق غيرك ويحدث التعارض والتدابر, سيصبح كل سلوك أخلاقي مطبوعا بالمغامرة والاستشراف والترقب. ستسأل نفسك كل مرة: هل أفعل أم لا أفعل؟ هبني فعلت, فما يدريني أيّ موقع سيقع فعلي من الآخرين, وما تراه يكون موقفهم مني؟ حين تضع قاعدتك على المحك ستتلقى كثيرا من الضربات, وسيخيب ظنك في الناس كلما خالف سلوكهم ما كنت تتوقعه منهم. والأمر المثير للإحباط أنهم قد يبنون أخلاقهم على مثل قاعدتك. هذه القاعدة قالب شكلي هش لأخلاق ذهنية لم تبلغ عند معتنقيها مرتبة اليقين, فلا جرَم أنهم يبدلونها تبديلا وينسخونها نسخا, فهم لم يعرفوا بعد معنى الأخلاق لإنكارهم للوحي المنزل.

سؤالي للمخالف هو: هل تتنازل عن أخلاقك حين يخالف الآخرون السلوك المتوقع بشكل مطرد؟ فأنا أرى أن هذه القاعدة الفلسفية المجردة تفقد بريقها كلما أردت تطبيقها في واقع الناس, فهي لا تصمد أمام الطبيعة المتجددة والمتشعبة لسلوكنا الأخلاقي. والسبب أن السلوك الأخلاقي ليس بهذه البساطة حتى تختزله في قاعدة واحدة.

أما قولك: سأعامل الناس بما أحب أن يعاملوني به. فهذا ترد عليه إشكالات تكاد تذهب بالأخلاق جملة.
الأنانية والأخلاق عدوان لدودان, أليس كذلك؟ ألا تحمل قاعدتهم التي حسبوها ذهبية نفَسا من الأنانية؟ أليس معناها جعل العامل الفردي حكما على الأخلاق عموما؟ ماذا لو كنت تعامل جارك بلطف فتتبسم في وجهه وتحييه, فلا يرد التبسم ولا التحية, كيف ستتصرف؟ هل ستستمر في التبسم وإلقاء التحية كلما لقيته؟ أم أنك ستقول إن التجربة أثبتت فشل هذه الأخلاق؟ و ما هو أثر سلوك جارك عليك؟ هل ستحس بالحرج أم بالغضب أم بالإمتعاض أم بها جميعا؟ كيف ستحكم على سلوكه؟ هل ستقول إنه سلوك غير مهذب وغير لبق؟ أم أنك ستذعن طائعا لنسبية الأخلاق؟ ماذا لو سألته فأجابك بمثل قاعدتك كأن يقول: أنا أحب أن يعاملني الناس كما أعاملهم, أرى التبسم وإلقاء التحية على غير الأقارب والأصحاب تطفلا. فهل سيتغير سلوكك مع الآخرين بناء على هذا التصادم بين خلقك وخلق جارك؟ أم أنك ستصر على نبل خلقك وبذلك للتحية والبسمة, وتحكم على من خالف ذلك بالغلظة والجفاء؟ ألا ترى أن قاعدتك ستجعل من السلوك الأخلاقي مجالا للخلاف والنزاع لأنها تنقل الأخلاق من شمولها وجمالها الأصيل إلى عالم الأنانية الفردية المتقلب؟

ألا يوحي ربط سلوكك بسلوك الآخرين نوعا من ترقب الجزاء الأخلاقي العاجل؟ كأني أسمع استشرافا وترقبا وتوقعا لوقع الأخلاق في المجتمع ورد الفعل الناجم عنها. فما هو الموقف الأخلاقي الأمثل حين وقوع التعارض بين سلوكي وسلوك الآخرين, كيف أتصرف إذا قوبل إحساني بالإساءة والنكران. هل أرد الصاع صاعين أم أكتفي بالحياد الأخلاقي؟ القرآن يحلق بك في سماء الأخلاق ليزيح عنك هذا الإشكال فيأمرك ببذل المعروف بإخلاص وتجرد: ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) فصلت: 34.

تبينا في المثال السالف خطورة جعل الأخلاق قضية فردية بحتة في حال الأفعال الأخلاقية الإيجابية. أما في حال ارتكاب مخالفات أخلاقية فيصبح الأمر أكثر تعقيدا. مثال ذلك أنك إذا تأخرت عن الوفاء بالتزام قطعته على نفسك, فماذا تتوقع ممن تتضرر بسببك, هل تحب أن يعذرك أم أن يحاسبك بصرامة؟ وماذا عن نفسك, هل تحاسب نفسك على إخفاقك الأخلاقي كما تحاسب الآخرين؟ أم أن هذه القاعدة تصبح معرضة لرياح الهوى ونوازع النفس؟ ألسنا ننزع إلى التشدد في نظرنا إلى أخطاء الآخرين وإلى السماحة تجاه أخطائنا؟

هذه القاعدة تشبه الميزان, وماذا يغني الميزان إن لم تكن تملك شيئا لتزنه به؟ هذه القاعدة قالب شكلي لا مضمون له, فمن أين نستقي أخلاقنا التي سنخضعها لهذه القاعدة؟ ألا تفترض سلفا وجود هذه الأخلاق؟ ألا توافقني على وجود أخلاق يستحسنها الجميع وأخرى يستهجنها الجميع؟ ألا تقر مع بوجود معروف ظاهر حسنه ومنكر باد قبحه؟ هل تكفي قاعدتك للكشف عن ذلك كله؟ إذا كانت الأخلاق علما ,على مذهب الفلاسفة, فإنه من السذاجة أن نتوقع استنباط حقائقه بقاعدة واحدة, كما لا نتوقع استنباط النحو أو المنطق أو الرياضيات من قاعدة واحدة.

وهل تنحصر الأخلاق في معاملتك للناس؟ هل ستتوقف عن العمل الأخلاقي حين نعزلك عن المجتمع؟ هل ستنتفي مسئوليتك الأخلاقية؟ أم أنك ستحتفظ بواجبات أخلاقية تجاه نفسك, ما دمت محتفظا بإنسانيتك؟ من أين لك أن تحدد بدقة واجباتك تجاه نفسك؟ وهب أنك حددتها, فمن أين تستمد القوة والطمأنينة واليقين في مواقف الضعف والاضطراب والشك؟ لعلك تستمدها ممن تتخذهم أسوة ومثالا تحتذيه, ماذا لو سقطت الأسوة وانتكست القدوة وسقط اللواء الذي تأتم به؟ أدع لك الجواب وأجيب عن نفسي, فأنا أستمد القوة من الباري ذي الجلال والإكرام, وبهذا ترجع الأخلاق إلى أصلها الأول وإلى مصدرها الأصيل, ألا وهو معاملة الله وعبادته وتوحيده والتوكل عليه والتزلف إليه.

الأخلاق لا تنحصر كما يتوهم المخالف في معاملة الخلق, بل هي أعم من ذلك وأشمل, إذ أن لنا واجبات أخلاقية تجاه خالقنا وثانية تجاه نفوسنا وثالثة تجاه الآخرين. ولقد جمع ذلك كله حديث معاذ: "اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن" الترمذي: حسن.
خلاصة الكلام أن قاعدة الأخلاقيين الذهبية لا تستقل بمعرفة الحق في عالم الأخلاق ولو تمعنا فيها بعدما ذكرناه لأدركنا كم كان بريقها كاذبا, ولأيقنا أن ليس كل ما يلمع ذهبا, لكنها تستحيل ذهبا إبريزا إذا ولجنا بها إلى شريعة الأخلاق القرآنية, حينها يكون لها شاهدان عدلان من الكتاب والحكمة: قال الله تعالى: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) البقرة: 44 وقال النبي : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) متفق عليه.
لم يبق لي إلا أن أستشهد لثراء الشريعة الأخلاقية القرآنية وكمالها, ثم ألخص هذه النتف التي سطرتها ههنا وأزيل عنها ما اعتراها من حشو وتكرار ليسهل على صاحبنا "العقل التائه" فهم ما نقصده حين نقول: لا توجد أخلاق حقيقية بمعزل عن القرآن. وهذا ما سأحاول إتمامه عاجلا بإذن الله.

خلصنا في الفقرات السابقة, إلى أن القواعد الفلسفية لا تفضي إلى اليقين في مسائل الأخلاق, وأن البشر وإن امتلكوا حاسة أخلاقية فطرية, فإنهم مفتقرون إلى الوحي لمعرفة جزئيات الأخلاق ومراتبها وأنواعها, وتمييز واجبها من مستحبها, ومعرفة أوجه الترجيح بين الحقوق والواجبات المتعارضة.

وأصل الأخلاق الأعظم هو الخلق مع الله . وقد دلت الشريعة على وجوب توحيده ومحبته وعبادته وإخلاص الدين له ودعائه ورجائه وخشيته والحياء منه. كما أمرت بتحمل الأمانة تجاه النفس دون الإخلال بحقوق الناس. قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ورسوله وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون) الأنفال: 27 وقال سلمان لأبي الدرداء: " إن لنفسك عليك حقا ولربك عليك حقا ولضيفك عليك حقا وإن لأهلك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه فأتيا النبي ‏ ‏ ‏ ‏فذكرا ذلك فقال له صدق ‏ ‏سلمان" الترمذي: صحيح.

أوجبت الشريعة التوحيد وهو حق الله ثم ثنت بالأمر ببر الوالدين, وقدمت حق الأم, وعلمتنا أن عم الرجل صنو أبيه وأن الخالة بمنزلة الأم. وجاءت الشريعة بالحض على صلة الأرحام وحفظ الجوار وإكرام الضيف وإطعام الطعام والإحسان للفقير والأرملة والمسكين وفك الأسير ورغبت في إكرام اليتيم ومسح رأسه وحفظ ماله.

وامتاز ديننا بحفظ حقوق النساء فجعل تربية البنات من سبل الجنات. وجعل لهن نصيبا في الميراث وفي النفقات. بل كانت النساء من وصاة النبي قبل الرحيل. كما بينت الشريعة حقوق الأزواج بما لا مزيد عليه. وحفظت حقوق الأبناء, فأمرت بحسن تخير الأسماء, وبينت آداب العقيقة وأمرت بتربيتهم وحسن تعليمهم. وأمرت بتزويج الأيامى, ويسرت النكاح وحرمت السفاح, وأمرت بغض الأبصار وحفظ الفروج, وأمرت بالإحسان إلى الخدم, وبينت آداب الإستئذان, وفصلت آداب التخلي والطهارة وسنن الفطرة, وآداب اللباس والتطيب والطعام والكلام وآداب المشي والطريق وآداب التعلم والتعليم, وآداب النصيحة والموعظة, وآداب الشورى, وآداب الكسب والتجارة, وآداب المساجد وحلق العلم, وآداب الركوب والسفر وآداب الدعوة وزيارة المريض وآداب التعزية. وهذا باب يصعب استقصاؤه, فقل إن الشريعة جاءت بما يصلح الدينا والدين فكلنا راع وكلنا مسئول عن رعيته.

وإن شئت المثال من القرآن لاقتران مراتب الأخلاق جميعها, فهاك أخلاق عباد الرحمن من سورة الفرقان لتعلم رحابة الأخلاق القرآنية, ولتستيقن أن الفلسفة إنما تقف على عتبة الأخلاق متحيرة, لا تجاوزها, قال الله تعالى:

63. وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا
64. وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا
65. وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا
66. إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا
67. وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا
68. وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا
69. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا
70. إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
71. وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا
72. وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا
73. وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا
74. وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
75. أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا
76. خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا
77. قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا


فتأمل كيف شملت الآيات جميع مراتب الأخلاق وفصلتها أعظم تفصيل. فهاهم عباد الرحمن يؤدون حق الله بالتوحيد والعبادة والدعاء, وحقوق النفس بالتوبة والمجاهدة وحقوق العباد بالقول الطيب وبالإعراض عن الجاهلين. فهل ترى تعارضا أو تفاوتا؟ أم أنك تقر أن هذه الأخلاق قد بلغت مرتبة الكمال التي يقصر عنها كل فكر إنساني متنكر للوحي؟

هنا تم المقصود من هذا الموضوع, إذ أسفر صبح الأخلاق القرآنية وأفلت الفلسفات البشرية, فهل بلغك أيها العقل التائه أن مذاهب فلاسفة الأخلاق تفي بعشر ما حوته شريعة الأخلاق في الإسلام؟ فنحن ندعو من شاء أن يرد منبع الأخلاق الأصيل الفياض, أن يُقبل على القرآن, وأن يدع الفلسفة والكلام, إذ ليس فيهما إلا السراب وفي الشريعة الماء الزلال. وحتى أنسب الفضل إلى أهله, فإني استرشدت في كثير مما سطرته هنا, بدستور الأخلاق في القرآن للإمام الأزهري عبد الله دراز وألحقنا به في مستقر رحمته.


---------------------------------------
المصادر:
1. القرآن الكريم.
2. صحيح البخاري.
3. صحيح مسلم.
4. سنن الترمذي.
5. دستور الأخلاق في القرآن الكريم. الشيخ محمد عبد الله دراز.