[align=justify]بسم الله والحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وصحبه وآله وصحبه اجمعين
لا يخفى على اي متابع للخارطة الفكرية في المملكة العربية السعودية خصوصاً وفي المنطقة العربية عموماً أن رموز التيار الديني المتشدد والاقل تشدداً صنعوا من الليبرالية مصطلح منبوذ يقف عشرات المصدات والعوائق الفكرية المبنية على أساس ديني في وجه اي قبول او حتى نقاش تجاه الليبرالية ، وكانت بداية المواجهة العلنية الميدانية في بداية التسعينات الميلادية في المملكة العربية السعودية فاشتعلت المماحكات على صفحات الجرائد اليومية من جهة وعلى المنابر والمناشط الدعوية من جهة أخرى أدرك التيار الليبرالي بأن عليه ان يغير في استراتيجيته الموجهة بصورة تمكنه من الوصول الى العامة الذين يشكل الشباب النسبة الاكبر من شرائح المجتمع الفتي.
وسائل الاعلام التقليدية اصبحت في نظر العامة وسائل ملوثة بالفكر الليبرالي لا يعتد بها ولا تملك رصيد من الثقة لدى المجتمع فكانت قناة تواصل مسدودة وحولها احكام مسبقة ، كما ساهم تراجع بعض رموز التيار الليبرالي ونقدهم لليبرالية ووصمها بالليبرالية الموشومة ساهم ذلك في تعزيز المقاومة الفكرية ضد الليبرالية.
الا أن الليبراليين بدأوا في سلوك منهج جديد يتسللون من خلاله لعقول العامة المهيئة للتغيير بفعل فقدان الثقة بالتيار الديني على ضوء الوضع الاقليمي الراهن بالاضافة لعودة آلاف المبتعثين ومنهم من عاد ولديه قناعات راسخة بأن الليبرالية هي الحل ، فضلا عن أن منشأ الليبرالية في المنطقة كانت بفعل الرعيل الأول من المبتعثين اساساً.
المنهج الجديد يقوم على مثلث من ثلاث زوايا اولها فئة يقومون بمغازلة العقل الباطن والظاهر بترديد ان تعاليم الاسلام هي في الاصل ليبرالية وذات سمات متطابقة مع الليبرالية فيما يتعلق بحرية الفكر والاعتقاد وكل تلك الاقتباسات القرآنية ودعاوى الرحمة المحمدية والحرية الفكرية والمالية الاسلامية وتماهيها وتطابقها من القيم الليبرالية وهذه الشيفرة استجلبت العديد من الناس ولكن عبر وسائل الاعلام الجديد بالدرجة الاولى وليس عبر تلك القنوات الصحفية (الملوثة) في نظر الاسلاميين واعداء الليبرالية وليست بألسنة (الموشومين) ومن حصلوا على احكام تضليل وتكفير مسبقة بل بوسائل اعلامية جديدة وعبر وجوه جذابة وعبارات خلابة.
وبدأ حراك فكري جديد يقوم على ان الاسلام ي اساسه نظام ليبرالي حر وأن دعاة الليبرالية ما هم إلا دعاة للإسلام الحر المتنور الذي تخلو تعاليمه السمحة من العدائية التي صنعها الفقهاء على طول التاريخ الاسلامي ، ويجتهد أولئك الدعاة الليبراليون الجدد في ابتكار نقاط التماس بين الآيات والاحاديث الدينية وبين النظريات والاقتباسات الليبرالية لتكريس تلك القناعة في محاولة لغسيل وتطهير المصطلح ليكون مصطلحاً مقبولاً صالح للّمس والتعاطي والنقاش فخلقوا منهج جديد اسميته (الابرامية) من (الليبرالية – الاسلامية) أو (الاسلام الليبرالي) الذي تكاد ان يختلط عليك الأمر بين عمر ابن الخطاب وجون لوك وفولتير والكواكبي.
حملة المزاوجة الفكرية بين الاسلام والليبرالية لها حزمة من الثوابت والضوابط والقيم التي يعمل المنظرون الليبراليون عليها اهم تلك الضوابط الا يخلو سطرين مكتوبين من آية قرآنية أو حديث نبوي -على سبيل المبالغة طبعاً- لتكون تلك النصوص كرت دخول ممغنط للعقلية التقليدية المنغلقة لتطبيع المصطلح وربطه بقيمة فكرية عظمى وهي الاسلام حتى اذا حاول هدم الليبرالية فهو يشعر بأنه في الحقيقة يهدم قيم اسلامية أصيلة.
حسناً من يقوم ايضاً بهذه المهمة ؟ كما أن هناك جانب يقوم به ليبراليون جدد ومقنعون كأولى زوايا مثلث الابرامية فإن هناك زاوية ثانية تعنى بجانب يقوم به مفكرون وسياسيون ومصلحون اسلاميون اضافة الى رموز صحوية وفقهية وأكاديمية من رموز السلفية وغيرها من التيارات الفكرية والحركية وآخرون مستقلون وكل ما يفعلونه هو تغريدات تدغدغ العواطف وستثير القلوب ومقالات تمس المحظور وتعيد النظر في ماكان يعتبر من الثوابت بنقد قاسي تارة وساخر تارة ومتفحص يخاطب العقل تارة أخرى.
الرأس الثالث لمثلث الابرامية هو الغرب بآلته الاعلامية ومفكريه ووسائل اعلامه بما فيها وسائل الاعلام الجديد الذين ان لم تجدهم يكيلون الثناء والاشادة برأسي المثلث فتجد سكوت رضى عن مسيرة تطهير المجتمع وأدلجته بالابرامية الجديدة والتدخل مدروس وضمني ويعرف متى يكون ومتى لا يكون والباب هنا بحاجة لشواهد لن اخوض فيها كثيراً فالمتتبع لسياق وواقع الاحداث يستطيع استخلاص ذلك ومشاهدته على ارض الواقع.
وعلى الجانب الآخر تتساقط الرموز العتيقة للسلفية والحركة الصحوية التقليدية امام تقدم الابرامية وتغلغلها الفكري حتى بدأت تغزو تلك الرموز في عقر دارها وذلك يرجع لعدة اسباب اولها حالة من الذهول والسقوط والعجز عن مواجهة اسلحة ذلك المثلث المتترس بالادلة الشرعية فأصبحت الدفاعات تتهاوى أمام المد الابرامي بصورة دراماتيكية احدثت شلل في ردة الفعل بل افرزت تعامل بردود فعل خاطئة خدمت الاتجاه المقابل واضرت بالمدافعين بدلاً من أن تحدث العكس.
ضيق الافق وقصر النظر وفقدان شمولية التفكير وتسارع الاحداث وفقدان الاتحاد الفكري ونقص المعلومات وخطأ التحليلات وغياب الاستراتيجية الدفاعية لدى التقليديين سهل المهمة واول ثلاث عوامل مما سبق لدى اصحاب الزاوية الثانية (الاسلاميين دعاة الابرامية) ساهمت في انجرافهم مع الفكرة المشوهة المجتزأة وركوب الموجة مصطحبين ملايين الاتباع والمريدين.
وفي الجزء الثاني بمشيئة الله سوف أحاول تشريح الابرامية بصورة دقيقة لنتعرف على هذا الكائن السيامي هل هو قابل للحياة ؟ ام انه سيتعرض لعملية جراحية يذهب ضحيتها احد السياميين ؟؟[/align]