قال الله تبارك وتعالى:{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ * مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } (الأعراف: 175-178 )
أولاً- هذه الآيات الكريمة نزلت في إنسان كان عالمًا بدين الله تعالى وتوحيده، ثم خرج منه إلى الكفر والضلال. وظاهر الموصول المفرد { الَّذِي } يشير إلى أن صاحب الصلة واحد معيّن، وأن مضمون الصلة حال من أحواله التي عرف بها. وإذا كانت الآية الكريمة- كما ترى- قد أبهمت اسمه، واقتصرت على الإشارة إلى إجمال قصته، فإنها مع ذلك ظاهرة في أنه نبأ واقع، لا مجرد تمثيل؛ كما ذهب إليه بعضهم.
وقد اختلف المفسرون في تعيينه على أقوال، أقربها إلى الحقيقة أن يكون صاحب هذا النبأ ممّن كان للعرب إلمام بمجمل خبره؛ كأمية بن أبي الصلت الثقفي؛ وذلك أن أمية كان- فيما روي عنه- ممن أراد اتباع دين غير الشرك طالبًا دين الحق، ونظر في التوراة والإنجيل، فلم يرَ النجاة في اليهودية، ولا النصرانية، وتزهَّد وتوخَّى الحنيفية دينَ إبراهيم- عليه السلام- وأخبر أن الله يبعث نبيًّا في العرب، فطمع أن يكونَه هو ذلك النبي، ورفض عبادة الأصنام، وحرم الخمر، وذكر في شعره أخبارًا من قصص التوراة، ويروى أنه كانت له إلهامات ومكاشفات وكان يقول:
كل دين يوم القيامة عند اللَّه إلا دين الحنيفيةُ زُورُ
فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم، أسف أن لم يكن هو الرسول المبعوث في العرب. وقد اتفق أن خرج إلى البحرين قبل البعثة، وأقام هنالك ثمان سنين، ثم رجع إلى مكة، فوجد البعثة، وتردد في الإسلام، ثم خرج إلى الشام، ورجع بعد وقعة بدر، فلم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم حسدًا، ورثى من قُتل من المشركين يومَ بدر، وخرج إلى الطائف بلاد قومه فمات كافرًا.
وقد قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم ” كاد أمية بن أبي الصلت أن يُسلم “. وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ” آمن شعره وكفر قلبه “. يريد أن شعره كشعر المؤمنين، وذلك أنه يوحد الله في شعره، ويذكر دلائل توحيده من خلق السموات والأرض، وأحوال الآخرة، والجنة والنار، والثواب والعقاب، واسم الله وأسماء الأنبياء.. وروي عن أمية أنه قال لما مرِض مَرض موته:” أنا أعلم أن الحنيفية حق، ولكن الشك يداخلني في محمد “.
وذهب كثير من المفسرين إلى أنه رجل من الكنعانيين، وكان في زمن موسى عليه السلام، يقال له: بلعام بن باعُور. أو بلعَم بن باعوراء- كما روي عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد رحمهم الله- وذكروا قصته فخلطوها وغيَّروها واختلفُوا فيها.
والتحقيق- كما قال ابن عاشور- أن بلعام هذا، أو بلعم، كان من صالحي أهل مَدْيَن وعرَّافيهم في زمن مرور بني إسرائيل على أرض ( مُؤاب )؛ ولكنه لم يتغير عن حال الصلاح، وذلك مذكور في سفر العدد من التوراة في الاصحاحات (22ـ 23ـ 24)، فلا ينبغي الإلتفات إلى هذا القول لاضطرابه واختلاطه.
وقال الفخر الرازي:” وجائز أن يكون هذا الموصوف فرعون، فإنه تعالى أرسل إليه موسى وهارون، فأعرض وأبى، وكان عاديًا ضالاً متبعًا للشيطان“.. وقيل:” هو عام فيمن عرض عليه الهدى، فأعرض عنه“. وهو قول قتادة وعكرمة وأبي مسلم. وقيل غير ذلك.
ومناسبة هذه الآيات لما قبلها إشارة إلى العبرة من حال أحد الذين أخذ الله عليهم العهد بالتوحيد والامتثال لأمر الله، وأمده الله بعلم يعينه على الوفاء بما عاهد الله عليه في الفطرة، ثم لم ينفعه ذلك كله حين لم يقدر الله تعالى له الهدى المستمر.
ثانيًا- وقوله تعالى:{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. واتل من التلاوة، وهي القراءة. والنبأ هو الخبر المرويُّ. أو القصة المطلوب تلاوتها عليهم.
وشأن القصص المفتتحة بقوله تعالى:{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ } أن يقصد منها وعظ المشركين بصاحب القصة بقرينة قوله تعالى بعد ذلك:{ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }.
ويحصل من ذلك- أيضًا- تعليم مثل قوله تعالى:{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ }(يونس:71)، وقوله تعالى:{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ }(الشعراء:69)، وقوله تعالى:{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ }(المائدة:27)، وقوله تعالى:{ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ } (الكهف:27).
ونظائر ذلك كثير. فالضمير في{ عَلَيْهِمْ } عائد على حاضري محمد صلى الله عليه وسلم من الكفار وغيرهم من المشركين، الذين وجهت إليهم العبر والمواعظ من أول هذه السورة، وقصت عليهم قصص الأمم مع رسلهم.
ومناسبة فعل التلاوة لهم أنهم كانوا قومًا تغلب عليهم الأمية، فأراد الله تعالى أن يبلّغ إليهم من التعليم ما يُساوون به حال أهل الكتاب في التلاوة، فالضمير المجرور بـ(على) عائد إلى معلوم من السياق وهم المشركون، وغيرهم.
والمراد بقوله تعالى{ آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا }: علمناه حجج التوحيد، وفهمناه أدلته، حتى صار عالماً بها.. والإيتاء هنا مستعار للإطْلاَع وتيسير العلم.
وتأمل قوله تعالى:{ آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا }، فأخبر سبحانه أن ذلك؛ إنما حصل له بإيتاء الرب له، لا بتحصيله هو. وقال تعالى:{ آَتَيْنَاهُ }، ولم يقل:( أعطيناه )، لما في الإيتاء من سرعة الإعطاء، وسهولته؛ كما في قوله تعالى:{ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ }(البقرة:251)، وقوله تعالى:{ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً } (الكهف:84).
وقوله تعالى:{ فَانْسَلَخَ مِنْهَا }. الانسلاخ من الشيء عبارة عن البراءة منه، والانفصال والبعد عنه؛ كالانسلاخ من الثياب والجلد. ويقال لكل من نبذ شيئًا، وكفر به، وفارقه بالكلية: انسلخ منه.
وحقيقة الانسلاخ هي خروج جسد الحيوان من جلده، حينما يُسلخ عنه جلده. يقال: انسلخت الحية من جلدها، إذا خرجت منه، واستعير في الآية للانفصال المعنوي، وهو ترك التلبس بالشيء، أو عدم العمل به.
وقوله تعالى:{ انْسَلَخَ مِنْهَا } يدل على أنه كان فيها، ثم خرج منها. والتعبير عن ذلك بالانسلاخ، المنبىء عن اتصال المحيط بالمحاط خلقة، وعن عدم الملاقاة بينهما أبدًا، للإيذان بكمال مباينته للآيات بعد أن كان بينهما كمال الاتصال.
وقيل: معنى الانسلاخ عن الآيات: الإقلاع عن العمل بما تقتضيه؛ وذلك أن الآيات أعلمته بفساد دين الجاهلية ومع ذلك فقد انسلخ منها؛ كما ينسلخ الإنسان، أو الحيوان من جلده، فخرج بذلك من محبة الله إلى معصيته، ومن رحمة الله إلى سخطه، ونزع منه العلم، الذي كان يعلمه.
وفي الجامع الكبير(2/469) للسيوطي:” عن النبي صلى الله عليه وسلم: العلم علمان: علم في القلب؛ فذلك العلم النافع. وعلم على اللسان؛ فذلك حجة الله تعالى على ابن آدم“. فهذا مثل علم هذا الإنسان وأشباهه، نعوذ بالله منه، ونسأله التوفيق.
وتأمل كيف قال تعالى:{ فانسلخ منها }، ولم يقل:( فسلخناه )؛ بل أضاف الانسلاخ إليه، وعبَّر عن براءته منها بلفظة الانسلاخ، الدالة على تخليه عنها بالكلية، وهذا شأن الكافر. وأما المؤمن، ولو عصى الله تبارك وتعالى ما عصاه، فإنه لا ينسلخ من الإيمان بالكلية.
وقال تعالى:{ فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ }، ولم يقل:( فتَبِعَهُ )؛ فإن في{ أتْبَعَهُ } إعلامًا بأنه أدركه ولحقه؛ كما قال الله تعالى:{ فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ }(الشعراء:60). أي: لحقوهم ووصلوا إليهم. وكذلك قوله تعالى:{ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ }(الحجر:18)، وقوله تعالى:{ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ }(يونس:90).
وقرأ الحسن- فيما روى عنه هارون-:{ فَاتَّبَعَهُ }، بصلة الألف، وتشديد التاء، وكذلك طلحة بن مصرف بخلاف، وكذلك الخلاف عن الحسن، على معنى: لازمه. اتبعه بالإغواء؛ حتى أغواه.
وقوله تعالى:{ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ }. أي: كان من المتصفين بالغي؛ وهو الضلال، وهو أشد مبالغة في الاتصاف بالغواية من أن يقال: وغوى، أو كان غاويًا. وإنما كان قوله تعالى: { مِنَ الْغَاوِينَ } أشدَّ مبالغة من قولك: فلان كان غاويًا؛ لأنَّه يشهد له بكونه معدودًا في زمرتهم ومعروفة مساهمته لهم في الغواية.
والغي والغواية هي الضلال، كأنه خروج من الطريق للقصور عن حفظ المقصد، الذي يوصل إليه الطريق؛ ففيه نسيان المقصد والغاية. فالمتحير في أمره، وهو في الطريق غوي، والخارج عن الطريق، وهو ذاكر لمقصده ضال، وهو الأنسب لمورد الآية؛ فإن صاحب النبأ بعد ما انسلخ عن آيات الله وأتبعه الشيطان، غاب عنه سبيل الرشد، فلم يقوَ على إنجاء نفسه من ورطة الهلاك.
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم:” إن أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم، ومضلات الفتن“.. فإن الغي والضلال يجمع جميع سيئات بني آدم فإن الإنسان كما قال تعالى:{ وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا }(الأحزاب:72)، فبظلمه يكون غاويًا، وبجهله يكون ضالاً. وكثيرًا ما يجمع بين الأمرين، فيكون ضالاً في شيء، غاويًا في شيء آخر؛ إذ هو ظلوم جهول، ويعاقب على كل من الذنبين بالآخر؛ كما قال تعالى:{ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا }(البقرة:10)؛ وكما قال سبحانه:{ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ }(الصف:5).
وجاء ترتُّب أفعال الانسلاخ، والإتباع، والكون من الغاوين بفاء العطف على حسب ترتيبها في الحصول؛ فإنه لما عاند ولم يعمل بما هداه الله إليه، حصلت في نفسه ظلمة شيطانية مكنت الشيطان من استخدامه، وإدامة إضلاله، فكان الانسلاخ عن الآيات أثرًا من وسوسة الشيطان له. وإذا أطاع المرء الوسوسة، تمكن الشيطان من مقاده، فسخره وأدام إضلاله، وهو المعبر عنه بـ{ أَتْبَعَهُ }، فصار بذلك من زُمرة الضالين الراسخين في الغواية بعد أن كان من المهتدين.
وقال تعالى:{ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا }، فأخبر سبحانه أن الرفعة عنده ليست بمجرد العلم؛ وإنما هي باتباع الحق وإيثاره وقصد مرضاة الله تعالى: فان هذا الإنسان كان من أعلم أهل زمانه، ولم يرفعه الله بعلمه، فالرفعة بالعلم قدر زائد على مجرد تعلمه.
والرافع هو الله تعالى، يرفع عبده، إذا شاء، بما آتاه من العلم، وإن لم يرفعه الله، فهو موضوع لا يرفع أحد به رأسًا. وذلك منوط بمشيئة الله تعالى، والله سبحانه لا يشاء ذلك لمن أعرض عنه، وأقبل إلى غيره؛ لأن الإعراض عن الله سبحانه، وتكذيب آياته ظلم، وقد حق القول منه سبحانه أنه{ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }(البقرة:258).
ولذلك عقب تعالى على قوله:{ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } بقوله:{ وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ }، فأخبر عن السبب، الذي منعه أن يرفع بهذه الآيات.
وقوله:{ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ }. أي: سكن إليها، ونزل بطبعه إليها، فكانت نفسه أرضية سفلية، لا سماوية علوية، وبحسب ما يخلد العبد إلى الأرض، يهبط من السماء. وقوله:{ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } معناه: أنه أعرض عن التمسك بما آتاه الله من الآيات، وانقاد لما دعاه إليه الهوى.
والمعنى: لكنا لم نشأ ذلك؛ لأنه أخلد إلى الأرض، واتبع هواه، فبات في قلق دائم، وانشغل بالدنيا وأعراضها، وكان ذلك موردًا لإضلالنا، لا لهدايتنا كما قال تعالى:{ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ } (إبراهيم:27).
وأصل الإخلاد من الخلود، وهو الدوام والبقاء. يقال: فلان أخلد، ولاذ بالمكان، إذا أقام فيه مع الاطمئنان به، ظانًّا أنه مخلد فيه. ومنه قوله تعالى:{ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ } (الواقعة:17). أي: قد خلقوا للبقاء؛ لذلك لا يتغيرون، ولا يكبرون، وهم على سن واحد أبدًا.
والخلد هو دوام البقاء في دار لا يخرج منها؛ كالدار الآخرة، وسمِّيت بدار الخلد، لبقاء أهلها فيها. وقوله تعالى:{ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ }(الهُمَزَة :3). أي: يعمل عمل من لا يظن مع يساره أنه يموت.
وقوله تعالى:{ إِلَى الْأَرْضِ } يحتمل أن يراد بالأرض: شهواتها ولذاتها وما فيها من الملاذ، قاله السدي وغيره. ويحتمل أن يراد بها: العبارة عن الأسفل والأخسِّ؛ كما يقال فلان في الحضيض. ويتأيد ذلك من جهة المعنى المعقول؛ وذلك أن الأرض وما ارتكز فيها هي الدنيا، وكل ما عليها فان، من أخلد إليه فقد حرم حظ الآخرة الباقية.
وعلى ذلك يكون الإخلاد إلى الأرض كناية عن الميل إلى التمتع بنعيم الدنيا وشهواتها وملذاتها. ويكون الكلام تمثيلاً لحال المتلبس بالنقائص والكفر بعد الإيمان والتقوى، بحال من كان مرتفعًا عن الأرض، فنزل من اعتلاء إلى أسفل. فبذكر( الأرض )، عُلمَ أن الإخلاد هنا ركون إلى السفل. أي: تلبس بالنقائص والمفاسد.
فإن قيل: الاستدراك بـ{ لَكِنَّه } يقتضي أن يثبت بعدها نفي ما قبلها. أو ينفي ما أثبت؛ كما تقول: لو شئت لأعطيته؛ لكني لم أعطه، ولو شئت لما فعلت كذا؛ لكني فعلته. فالاستدراك يقتضي: ولو شئنا لرفعناه بها؛ ولكنا لم نشأ. أو فلم نرفعه. فكيف استدرك بقوله:{ وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ } بعد قوله:{ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا }؟
قيل: هذا من الكلام الملحوظ فيه المعنى، المعدول فيه عن مراعاة الألفاظ إلى المعاني؛ وذلك أن مضمون قوله:{ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } أنه لم يتعاط الأسباب، التي تقتضي رفعه بالآيات من إيثار الله ومرضاته على هواه؛ ولكنه آثر الدنيا، وأخلد إلى الأرض، واتبع هواه.
ثالثًا- قوله تعالى:{ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ } تصوير لحال ذلك الكافر الضال، بحال الكلب الموصوف باللّهث، دلَّ على ذلك لفظ المثل بعد كاف التشبيه. والتقدير: فمثله في أحواله السابقة كحال الكلب في لهثه.
وإيثار الجملة الاسمية على الفعلية، بأن يقال:( فصار مثله كمثل الكلب.. الخ }، للإيذان بدوام اتصافه لتلك الحالة الخسيسة، وكمال استقراره واستمراره عليها.
قال السدي وغيره: إن هذا الرجل عوقب في الدنيا بأنه يلهث؛ كما يلهث الكلب، فشبه به صورة وهيئة، وقال الجمهور: إنما شبه به في أنه كان ضالاً قبل أن يؤتى الآيات، ثم أوتيها، فكان أيضاً ضالاً، لم تنفعه؛ فهو كالكلب في أنه لا يفارق اللهث في حال حمل عليه، أو لم يحمل عليه.
وتحرير المعنى: أن الشيء، الذي تتصوره النفوس من حاله هو كالذي تتصور من حال الكلب. وبهذا التقدير يحسن دخول الكاف على مثل. واستعمال القرآن لفظ المثل بعد كاف التشبيه مألوف بأنه يراد به تشبيه الحالة بالحالة.
والكلب- مع ما عرف عنه من أمانة وإخلاص وذكاء- هو من أخبث الحيوانات، وأوضعها قدرًا، وأخسِّها نفسًا، وأشدها شرهًا وحرصًا. ومن شدة حرصه وشرهه أنه لا يمشي إلا وخطمه في الأرض، يتشمَّم، ويستروح حرصًا وشرهًا، ولا يزال يشم دبره دون سائر أجزائه، وإذا رميت إليه بحجر رجع إليه؛ ليعضه من فرط نهمته، وهو من أمهن الحيوانات، وأحملها للهوان، وأرضاها بالدنايا. والجيفُ القذرة المُرْوِحَة أحبُّ إليه من اللحم الطري، وإذا ظفر بميتة تكفي مائة كلب، لم يدع كلبًا واحدًا يتناول منها شيئًا إلا هرَّ عليه وقهره، لحرصه وبخله وشرهه. ومن أبرز صفاته الذميمة، التي لا تفارقه إنكاره الضيف، واللَّهَث على أيِّ حال.
وفي لسان العرب:” اللَّهَث واللَّهاث واللَّهَثان، بفتح اللام المشددة فيها، واللُّهَاث، بالضم: حرُّ العطش في الجوف. وقال الجوهري: اللَّهثان، بالتحريك: العطش، وبالتسكين: العطشان. وقال: الجوهري: لهث الكلب، بالفتح، يلهث لَهَثًا ولََُهاثًا، بالضم، إذا أخرج لسانه من التعب أو العطش؛ وكذلك الرجل إذا أعيا.. وفي التنزيل العزيز:{ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ }؛ لأنك إذا حملت على الكلب، نبح وولَّى هاربًا، وإن تركته شدَّ عليك ونبح، فيتعب نفسه مقبلاً عليك ومدبرًا عنك، فيعتريه عند ذلك ما يعتريه عند العطش من إخراج اللسان“.
وقال أبو محمد بن قتيبة:” كل شيء يلهث؛ فإنما يلهث من إعياء، أو عطش إلا الكلب، فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة وحال الصحة وحال المرض والعطش، فضربه الله مثلاً لمن كذب بآياته. وقال: إن وعظته فهو ضال، وإن تركته فهو ضال؛ كالكلب، إن طردته لهث، وإن تركته على حاله لهث“.
وفي تشبيه ذلك الضال في حال لهفه على الدنيا بالكلب في حال لهثه، سر بديع؛ وهو أن الذي حاله ما ذكره الله من انسلاخه من آياته، واتباعه هواه؛ إنما كان لشدة لهفه على الدنيا لانقطاع قلبه عن الله والدار الآخرة، فهو شديد اللهف عليها، ولهفُه نظير لهث الكلب الدائم في حال إزعاجه وتركه؛ فإنه في الكلاب طبع لا تقدر على نفض الهواء المتسخن، وجلب الهواء البارد بسهولة، لضعف قلبها وانقطاع فؤادها، بخلاف سائر الحيوانات، فإنها لا تحتاج إلى التنفس الشديد، ولا يلحقها الكرب والمضايقة إلا عند التعب والإعياء.
وفي الدر المنثور للسيوطي:” أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج، قال: الكلب منقطع الفؤاد، لا فؤاد له، مثل الذي يترك الهدى، لا فؤاد له؛ إنما فؤاده منقطع، كان ضالاًّ قبل وبعد“.
قال ابن قيِّم الجوزيَّة:” مراده بانقطاع فؤاده أنه ليس له فؤاد يحمله على الصبر، وترك اللهث؛ وهكذا الذي انسلخ من آيات الله، لم يبق معه فؤاد يحمله على الصبر عن الدنيا، وترك اللهف عليها. فهذا يلهف على الدنيا من قلة صبره عنها، وهذا يلهث من قلة صبره عن الماء، فالكلب من أقل الحيوانات صبرًا عن الماء، وإذا عطش أكل الثرى من العطش، وإن كان فيه صبر على الجوع. وعلى كل حال فهو من أشد الحيوانات لهثًا يلهث قائمًا وقاعدًا وماشيًا وواقفًا؛ وذلك لشدة حرصه، فحرارة الحرص في كبده توجب له دوام اللهث؛ فهكذا مشبهه، شدة الحرص وحرارة الشهوة في قلبه توجب له دوام اللهف، فإن حملت عليه الموعظة والنصيحة فهو يلهف، وإن تركته ولم تعظه فهو يلهف“.
وقال ابن عاشور:” وهذا التمثيل من مبتكرات القرآن؛ فإن اللهث حالة تؤذن بحرج الكلب من جراء عسر تنفسه عن اضطراب باطنه، وإن لم يكن لاضطراب باطنه، سبب آت من غيره“.
والجملتان الشرطيتان:{ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ } تفسير لما أبهم في المثل، وتفصيل لما أجمل فيه، وتوضيح للتمثيل ببيان وجه الشبه، على منهاج قوله تعالى:{ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }، إثر قوله تعالى:{ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ }. وقيل: هما في موضع الحال من الكلب، بناء على خروجهما من حقيقة الشرط، وتحولهما إلى معنى التسوية، حسب تحول الاستفهامين المتناقضين إليه في مثل قوله تعالى:{ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ }؛ كأنه قيل: لاهثًا في الحالتين.
وأيًّا ما كان، فالأظهر أنه تشبيه للهيئة المنتزعة مما اعتراه- بعد الانسلاخ- من سوء الحال، واضطرام القلب، ودوام القلق والاضطراب، وعدم الاستراحة بحال من الأحوال، بالهيئة المنتزعة مما ذكر من حال الكلب.
والخطاب في{ تَحْمِلْ عَلَيْهِ } و{ تَتْرُكْهُ } لمخاطب غير معيّن، فيشمل كل أحد ممن له حظ من الخطاب، فإنه أدخل في إشاعة فظاعة حاله. والمعنى: إن يحمل عليه حامل، أو يتركه تارك.. و{ تَحْمِلْ عَلَيْهِ } من الحملة, لا من الحمل، وهي المطاردة والهجوم.
وفي تاج العروس:” حمل عليه حملة منكرة “. وفي الصحاح:” حمل عليه في الحرب حملة. قال أبو زيد: يقال: حملت على بني فلان، إذا أرَّشْت بينهم“. أي: حملت بعضهم على بعض وحرَّشت. والتأريش والتحريش: الإفساد.
وقال مجاهد:” إن تحمل عليه، بدابتك أو رجلك يلهث، أو تتركه يلهث؛ وكذلك من يقرأ الكتاب، ولا يعمل بما فيه“. وقال غير مجاهد:” هذا شر تمثيل في أنه قد غلب عليه هواه؛ حتى صار لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، بكلب لاهث أبدًا، حمل عليه أو لم يحمل عليه، هو لا يملك ترك اللهثان“. وقيل:” السبب في أن الكلب يلهث دائمًا، أن جلده أملسَ، لا توجد فيه مسامات كافية“.
وقيل:” شبهت حال هذا الكافر الضال بحال الكلب اللاهث؛ لأن الكلب لا يطيعك في ترك اللهث على حال؛ وكذلك الكافر لا يجيبك إلى الإيمان في رفق، ولا عنف“.
وقد ورد هذا التشبيه على لسان الشاعر العباسي إسماعيل بن إبراهيم الحمْدَويِّ؛ إذ قال في هجاء أحدهم:
كالكلب إن تحمل عليـــ ــه الدهرَ، أو تتركه يلهث
والمقصود منه في الآية الكريمة بيان أن من أوتي الهدى، فانسلخ منه إلى الضلال والهوى والعمى، ومال إلى الدنيا، حتى تلاعب به الشيطان، كان منتهاه إلى الهلاك والردى، وخاب في الآخرة والأولى. فهذا هو حال العالم الذي يؤثر الدنيا علي الآخرة، والله تعالى ذكر قصته؛ ليحذر الناس عن مثل حالته.
رابعًا- قوله تعالى:{ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا } إشارة إلى قوله تعالى:{ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ }. أي: ذلك المثل السَّيِّء مثل القوم، الذين كذبوا بآياتنا.
قال ابن عباس: يريد أهل مكة، كانوا يتمنون هاديًا يهديهم، وداعياً يدعوهم إلى طاعة الله، ثم جاءهم من لا يشكون في صدقه وديانته فكذبوه، فحصل التمثيل بينهم، وبين الكلب، الذي إن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث؛ لأنهم لم يهتدوا لما تركوا، ولم يهتدوا لما جاءهم الرسول، فبقوا على الضلال في كل الأحوال، مثل هذا الكلب، الذي بقي على اللهث في كل الأحوال.
وقيل: هم اليهود؛ حيث أوتوا في التوراة ما أوتوا من نعوت النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر القرآن المعجزة وما فيه، فصدقوه، وبشروا الناس باقتراب مبعثه، { وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ }(البقرة:89)، وانسلخوا من حكم التوراة.
والظاهر أن المراد بقوله تعالى:{ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا } العموم، فيعم جميع المكذبين بآيات الله سبحانه، ويدخل اليهود، وأهل مكة في ذلك دخولاً أوليًّا.
وفُرِّع على ذلك الأمرُ بقوله:{ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }. والقصص مصدر سمي به المفعول، واللام للعهد، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها. أي: إذا تحقق أن المثل المذكور مثل هؤلاء المكذبين، فاقصصه عليهم حسبما أوحي إليك، لعلهم يتفكرون، فيقفون على جلية الحال، وينزجرون عما هم عليه من الكفر والضلال، ويعلمون أنك قد علمته من جهة الوحي، فيتعظون، ويؤمنون. فإن في القصص تفكُّرًا، وموعظة، وأن للأمثال واستحضار النظائر شانًا عظيمًا في اهتداء النفوس بها، وتقريب الأحوال الخفية إلى النفوس الذاهلة أو المتغافلة، لمَا في التمثيل بالقصة المخصوصة من تذكر مشاهدة الحالة بالحواس، بخلاف التذكير المجرد عن التمثيل بالشيء المحسوس.
وقوله تعالى:{ سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ } استئناف بياني؛ لأنه جعِل إنشاء ذمٍّ لهم، بأن كانوا في حالة شنيعة، وظلموا أنفسهم، بتكذيبهم بآيات الله تعالى. وفي ذلك إشارة إلى أن التكذيب منهم سجية وهيئة نفسانية خبيثة لازمة، فلا تزال آيات الله تعالى تتكرر على حواسهم، ويتكرر التكذيب بها منهم. وفيه- أيضًا- إعلام لهم بأنهم لا يضرون شيئًا في هذا التكذيب؛ بل ذلك ظلم منهم لأنفسهم.
و{ سَاء } بمعنى: قبُح، وتجري في الاستعمال مجرى( بئس ). والتقدير: ساء مثلاً مثل القوم؛ لأن الذي بعد ( بئس ) إنما يتفسر من نوعه؛ كما تقول: بئس رجلاًَ زيد. ولما انحذف مثلُ، أقيم القوم مقامه، وأصبح هو المخصوص بالذم. ورفعه في ذلك على الابتداء، والخبر فيما تقدم.
وقرأ الجحدري:{ سَاء مَثَلُ الْقَوْمُ }، برفع ( مثل ). وقال أبو عمرو الداني: قرأ الجحدري:( مِثْلُ ) بكسر الميم ورفع اللام، وقرأ الأعمش:( مَثَلُ ) بفتح الميم والثاء ورفع اللام. ورفعه على ذلك بـ( سَاء ). وعليه تكون( ساء ) للتعجب؛ لأن( سَاء ) لا تجري مجرى ( بئس )؛ إلا إذا كان ما بعدها منصوبًا.
وإعادة{ الْقَوْمُ } موصوفًا بالموصول مع كفاية الضمير، بأن يقال: ساء مثلا مثلهم، للإيذان بأن مدار السوء ما في حيز الصلة، ولربط قوله تعالى:{ وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ } به؛ فإنه إما معطوف على{ كَذَّبُواْ } داخل معه في حكم الصلة بمعنى: جمعوا بين تكذيب آيات الله بعد قيام الحجة عليها وعلمهم بها، وبين ظلمهم لأنفسهم خاصة. أو منقطع عنه بمعنى: وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم؛ فإن وباله لا يتخطاها.. وأيًّا ما كان، ففي{ يَظْلِمُونَ } لمح إلى أن تكذيبهم بالآيات متضمن للظلم، وأن ذلك أيضًا معتبر في القصر المستفاد من تقديم المفعول.
وقيل: الظلم- هنا- على حقيقته، فإنهم ظلموا أنفسهم بما أحلَّوْه بها من الكفر، الذي جعلهم مذمومين في الدنيا، ومعذبين في الآخرة. وتقديم المفعول للاختصاص. أي: ما ظلموا إلا أنفسهم، وشأن العاقل أن لا يؤذي نفسه. وفيه إزالة تبجحهم بأنهم لم يتبعوا محمدًا صلى الله عليه وسلم ظنًا منهم أن ذلك يغيظه ويغيظ المسلمين، وإنما يضُرون أنفسهم. وقوله:{ كَانُواْ يَظْلِمُونَ } أقوى في إفادة وصفهم بالظلم من أن يقال: وظلموا أنفسهم.
وعقَّب الله تعالى في ختام هذه الآيات على ما ذكر فيها من ذلك المثل الشاخص أمام العيون في ذلك المشهد المحسوس لذلك الخسيس، الذي آتاه الله تعالى آياته، فانسلخ منها، وما تلاه من وصف حال المشركين المكذبين، فقال سبحانه:
{ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ }
فقرَّر بذلك- على سبيل الحصر- أن من يهده الله فهو المهتدي حقًّا، ومن يضله الله فهو الخاسر حقًّا. وزيد في جانب الخاسرين الفصل باسم الإشارة { َأُولَئِكَ } لزيادة الاهتمام بتمييزهم بعنوان الخسران، تحذيرًا منه. وإفراد { الْمُهْتَدِي } رعاية للفظ { مَنْ } الشرطيه، وجمع { الْخَاسِرينَ } رعاية لمعناها، وإيذانًا بأن الحق واحد، وطرق الضلال متشعبة. وقد عُلم من مقابلة الهداية بالإضلال، ومقابلة المهتدي بالخاسر أن المهتدي بمشيئة الله سبحانه هو فائز رابح.
وفي الآية تصريح بأن الهدى والضلال من الله سبحانه وتعالى، خلافًا لما عليه المعتزلة. وقد أخبر الله تعالى أنه لا يهدي من عباده إلا من أراد الهدى لنفسه، وجاهد من أجله؛ كما قال سبحانه في آية أخرى:{ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}(العنكبوت:69) .
كذلك أخبر سبحانه أنه لا يضل إلا من أراد الضلال لنفسه، وأعرض عن دلائل الهدى وموحيات الإيمان, وأغلق قلبه وسمعه وبصره دونها؛ وذلك كما جاء في الآية التالية لهذه الآية الكريمة:
{ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}(الأعراف:179).
وكما قال سبحانه:{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً }(النساء:168-169).
{ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ }، ولا تجعلنا- من { الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً }.
محمد إسماعيل عتوك