معاني منتقاة حول حديث : " إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ "
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ الْبَدْرِيِّ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى : إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ " .
على هذا الحديث مدار الإسلام من حيث إن الفعل إما أن يستحيا منه ، وهو الحرام والمكروه وخلاف الأولى ، واجتنابها مشروع ؛ أو لا يستحيا منه ، وهو الواجب والمندوب والمباح ، وفعلها مشروع ؛ فدخل الحديث في جوامع الكلم التي خصَّ الله U به نبيه e .
والمعنى : إن مما بقي فأدركه الناس من كلام الأنبياء المتقدمين ، أن الحياء هو المانع من
اقتراف القبائح والاشتغال بمنهيات الشرع ومستهجنات العقل ، وذلك أمر قد عُلم صوابه وظهر فضله ، واتفقت الشرائع والعقول على حسنه ، وما هذه صفته لم يجر عليه النسخ والتبديل ؛ وهذا يدلُّ على أنَّ النبوات المتقدِّمة جاءت بهذا الكلام ، وأنَّه اشتهر بَيْنَ الناسِ حتى وصل إلى أوَّل هذه الأمة ؛ فهكذا توارثته الأجيال حتى انتهى إلى هذه الأمة فأدركوا بعض كلام النبوة الأولى ؛ وليس خفيًّا ما في ذلك من فضل الحياء ؛ فإن الله جعله ممدوحًا مأمورًا به في جميع الرسالات السماوية.
قال ابن رجب - : وقوله : " إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ" في معناه قولان : أحدهما : أنه ليس بمعنى الأمر أن يصنع ما شاء ، ولكنه على معنى الذم والنهي عنه ، وأهل هذه المقالة لهم طريقان : أحدهما : أنه أمر بمعنى التهديد والوعيد ، والمعنى : إذا لم يكن حياء فاعمل ما شئت فالله يجازيك عليه ، كقول تعالى : ] اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [ [ فصلت: 40 ] ؛ وقوله : ] فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ [ [ الزمر : 15 ] ، وكقول النبي e : " مَنْ بَاعَ الْخَمْرَ فَلْيُشَقِّصْ الْخَنَازِيرَ " ( [1] ) ، يعني : يقطعها إما لبيعها أو أكلها ، وأمثلته متعددة ؛ وهذا اختيار جماعة منهم أبو العباس بن ثعلبة . الطريق الثاني : أنه أمر ومعناه الخبر ، والمعنى أن من لم يستحي صنع ما شاء ، فإن المانع من فعل القبائح الحياء ، فمن لم يكن له حياء انهمك في كل فحشاء ومنكر ، وما يمتنع من مثله من له حياء ، على حد قوله e : " مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ " ( [2] ) ، وهذا اختيار أبي عبيد القاسم بن سلام ، وابن قتيبة ، ومحمد بن نصر المروزي وغيرهم .
والقول الثاني : أنه أمر بفعل ما شاء على ظاهر أمره ، والمعنى : إذا كان الذي يريد فعله مما لا يستحي من فعله ، لا من الله ولا من الناس ، لكونه من أفعال الطاعات أو من جميل الأخلاق والآداب المستحسنة ، فاصنع منه حينئذ ما شئت ، وهذا قول جماعة من الأئمة منهم : إسحاق المروزي الشافعي ، وحكي عن الإمام أحمد ؛ ومن هذا قول بعض السلف وقد سئل عن المروءة ؛ فقال : ألا تعمل في السر شيئًا تستحي منه في العلانية ( [3] ) .ا.هـ.
والحياء انقباض يجده الإنسان في نفسه يحمله على عدم ملابسة ما يعاب به ويستقبح منه ، ونقيضه التصلف في الأمور وعدم المبالاة بما يستقبح ويعاب ، وكلاهما جبلي ومكتسب ؛ لكن الناس ينقسمون في القدر الحاصل منهما على أقسام ؛ فمنهم من جبل على الكثير من الحياء ، ومنهم من جبل على القليل ؛ ومنهم من جبل على الكثير من التصلف ، ومنهم من جبل على القليل ؛ ثم إن أهل الكثير من النوعين على مراتب ، وأهل القليل كذلك ؛ فقد يكثر أهل أحد النوعين حتى يصير نقيضه كالمعدوم . ثم هذا الجبلي سبب في تحصيل المكتسب ، فمن أخذ نفسه بالحياء واستعمله فاز بالحظ الأوفر ، ومن تركه فعل ما شاء وحرم خيري الدنيا والآخرة ( [4] ) . قال ابن القيم - : والحياء من الحياة ، ومنه الحيا للمطر لكن هو مقصور ، وعلى حسب حياة القلب يكون فيه قوة خلق الحياء ، وقلة الحياء من موت القلب والروح ، فكلما كان القلب أحيى كان الحياء أتم ( [5] ) .
اللهم أحيي قلوبنا بالحياء .. آميييين .


[1] - أحمد: 4 / 253 ، وأبو داود ( 3489 ) عن المغيرة بن شعبة t .

[2] - حديث متواتر جاء عن جمع من الصحابة ، ومنه : ما رواه البخاري ( 108 ) ، ومسلم ( 2 ) عن أنس t .

[3] - جامع العلوم والحكم ص 188 - 190 ، مختصرًا وبتصريف بسيط ؛ وانظر فتح الباري : 5 / 523 .

[4] - انظر ( فيض القدير ) للمناوي : 1 / 43 .

[5] - انظر ( مدارج السالكين ) : 2 / 259 .