تأصيل الحجاج في البيئة العربية:
إعداد الباحث
أيمن أبومصطفى
فيما يلي سيعرض الباحث لمشروعين حجاجيين محاولا الوصول إلى أن البلاغة العربية أصلت للإقناع وسعت إليه ، فالحجاج بالنسبة للبلاغة الغربية أمر جديد نشأ ردا على المذاهب البلاغية التي همشت المعنى أو اللفظ ودعت إلى ما يسمى الفن للفن ، فنظرية الحجاج عند الغربيين دعوة للاهتمام بالمعنى والابتعاد عن الزينة اللفظية ، أما بلاغتنا العربية فالإقناع أساس من أسسها بل لن أكون مبالغا إن قلت إن البلاغة عند البلاغيين العرب هي الإقناع، وسأثبت للقاريء ذلك خلال هذه الدراسة:
تدور مادة " بلغ " حول البيان والإيضاح والتوصيل والإقناع ,وفيما يلي عرض لتعريفها عبر تاريخها الطويل:
• الجاحظ (255) :
يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظَه، ولفظُه معناه فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبقَ من معناه إلى قلبك.
• الرماني ( 386 ):
توصيل المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ.
• العسكري (395):
كل ما تبلغُ به قلب السامع فتمكنه في نفسه كتمكّنه في نفسك مع صورة مقبولة ومعرض حسن.
• عبدالقاهر الجرجاني (474):
إنه خصوصية في كيفية النظم وطريقة مخصوصة في نسق الكلم بعضها على بعض.
• الرازي (606):
بلوغ الرجل بعبارته كنهَ ما في قلبه مع الاحتراز المخلّ والإطالة المملّة.
• السكاكي (626):
بلوغ المتكلم في تأدية المعاني حدًّا له اختصاص بتوفية خواص التراكيب حقّها وإيراد التشبيه والمجاز والكناية على وجهها
• القزويني (739):
بلاغة الكلام فهي مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته.
• العلوي (749) :
عبارة عن الوصول إلى المعاني البديعة بالألفاظ الحسنة.
يلاحظ من خلال العرض السابق أنّ تعريف البلاغة قبل عبد القاهر كان قائمًا على إبراز الغاية من البلاغة، وهي في توصيل الكلام إلى قلب المخاطب والتأثير فيه، وهو ما يسمى بالإبلاغية في العصر الحديث، وأمّا مفهوم البلاغة بعد عبد القاهر فقد اصطبغ بصبغة علمية ركزّت على خصائص هذا الكلام الذي يقنع ويؤثّر في الآخرين، وأصبح مفهوم البلاغة معنيًا بخواص التركيب، والمقام الذي يُؤدى فيه وهو ما يُعرف بمقتضى الحال، ولعلّ هذه النظرة العلمية التي بدأها عبد القاهر هي التي جعلت من البلاغة علمًا له قواعده وأصوله الواضحة، فالانتقال من البلاغة الذوقية إلى البلاغة النظرية، ومن الحديث عن الأهداف إلى الحديث عن الخصائص واضح أشدّ الوضوح في تطوّر مصطلح البلاغة بعد عبد القاهر، كما أنّ الاتجاه إلى التيسير كان منصبًا على الإيجاز في تعريف هذه المصطلحات واختصارها قدر الإمكان، مع مراعاة الدقّة في اختيار الألفاظ، فقد حرصوا على أن يكون المصطلح البلاغي جامعًا مانعًا، وأن يكون ضمن دائرة علم البلاغة لا يخرج عنه.
الجاحظ:
يتفق مفهوم البيان عند الجاحظ في البيان والتبيين مع الحجاج عند بيرلمان- مع بعض الإضافات الطفيفة – فمفهوم البيان عند الجاحظ مفهوم إجرائي يتلخص في وظيفتي (الفهم والإفهام)، ولا سيما الوظيفة الإقناعيَّة للإفهام. يقول: » مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائل والسامع إنّما هو الفهم والإفهام، فبأي شيء بلغت الأفهام وأوضحت عن المعنى فذلك هو البيان في ذلك الموضع« فقد جعل من أهمّ متمّمات الرّسالة الإقناعيَّة في الخطابة توفُّر الخطيب أو المرسل على مؤهلات وصفات مقنعة ومستميلة، وخلو أدائه من المعوّقات التي تحول دون ذلك.كما أنه اهتمّ إلى جانب الخطيب أو المرسل، بالمرسل إليه من خلال مكوّن: اللّغة، الذي اشترط له الصّواب والاعتدال، وبالتَّالي اعتبار أقدار المستمعين التي تحّدد أقدار المعاني المُرسلة، كما اهتم بالمقام أو أقدار الحالات المحيطة بالمتلقّين. ونلاحظ أنه قد يستخدم الأسلوب الغريب لإقناع المخاطب فعبد القاهر الجرجاني يشترط في جماليات النص الأدبي أن يميل إلى اللطافة ، وإلى تغليف المعنى بشيء من الغموض والخفاء كي يشحذ همة المتلقي ، ويدفعه إلى الغوص وراء مكنونه ، ففي ذلك فائدة في إمتاع المتلقي ، ودمجه في جوهر العمل الذي بين يديه ، يقول: " إن الشيء إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه ، ومعاناة الحنين نحوه كان نيله أحلى ، وبالميزة أولى ، فكان موقعه من النفس أجل وألطف " .
وكأنه في مقولته هذه يبحث عن الدور الإيجابي للمتلقي الذي تغيب في الدراسات السابقة عليه ، بحيث لا يكون موقفه من النص موقفا سلبيا استهلاكيا وإنما ينبغي عليه أن يشارك في إنتاج النص المقروء ، بالتعمق في دلالته ، والكشف عن علاقاته النحوية والبلاغية ، التي جعلت منه نصا أدبيا ممتعا ، وبتعمقه لهذه الجوانب يستطيع أن يتكشف مواطن جديدة ، قد لا تخطر على بال صاحبها عند الإنتاج ، بل إن استخدام الأساليب الإنشائية بصفة خاصة في العمل الأدبي إنما هو دعوة إلى هذه المشاركة ، ورغبة في مساهمته بملء الفراغ الدلالي الذي تركه المبدع من أجله ، تلك المساهمات التي يضفيها على النص للوصول إلى الناتج الحقيقي ، وإعطائه الشكل النهائي الذي يسعى إليه كل من المبدع والمتلقي معا .
ابن وهب:
إن محاولة ابن وهب في كتابه " البرهان في وجوه البيان " والذي نشر سنة 1941 م تحت عنوان " نقد النثر " ونسب خطأ إلى قدامة بين جعفر ، ثم نشر بعد ذلك منسوبا لصاحبه ابن وهب ، والتي " تعد في نظر كثير من المعاصرين من أهم المحاولات في التراث العربي في دراسة الحجاج ، فهو أقرب إلى مشروع نظرية ".فقد اهتم بانتاج المعرفة وتصنيفها وطرق تداولها ومستويات تقنيتها .على حين انشغل الجاحظ - كما سنرى- بالوظيفة التأثيرية للبيان ، دون اهتمام بالوظيفة الإخبارية أو الوظيفة الحجاجية - إذ كانت البلاغة العربية قد ارتبطت بالشعر والقرآن، والقول البليغ عموما. ومن ثمة كانت محاولة لتفسير الخطاب، ولم تهدف إلى إنتاجه ، على عكس البلاغة الغربية التي ارتبطت بالخطابة، وإنتاج الخطاب الاستشاري، والاحتفالي، والقضائي، ثم الشعري فيما بعد - فقد اهتم ابن وهب بالوظيفتين الإخبارية والحجاجية . وقد التقى ابن وهب في كثير من تصوراته حول نظرية الجدل مع النظريات الحجاجية المعاصرة ، والتي تعد جهود أرسطو العمدة لها ، وهذا ما يبرر ذلك التقارب الذي بين آراء ابن وهب والنظريات المعاصرة بحكم استقائها جميعا من مصدر واحد وهو المصدر اليوناني الأرسطي .
وما دمنا نرى اتفاقا بين نظرة العرب للبيان ، ونظرة بيرلمان للحجاج ،ففكان لزاما علينا أن نعرض لمفهوم البيان في البيئة العربية:
البيان الحجاجي
جاء في اللسان "البيان ما بُيِّن به الشيء من الدلالة وغيرها. وبان الشيء بياناً؛ اتّضح فهو بيِّن.. وأبنته أنا؛ أي أوضحته.. وقالوا بان الشيء واستبان وتبيَّن، وأبان وبيّن بمعنى واحد. ومنه قوله تعالى: (آياتٍ مبيِّناتِ( بكسر الياء وتشديدها بمعنى "مبيِّنات"، ومن قرأ "مبيَّنات" بفتح الياء فالمعنى أنّ الله بيّنها... والتبيين الإيضاح" . فالبيان هو الإيضاح عن المقصود، ولكنّه يتمّ ببلاغة ودقّة، وهذا ما نلاحظه في الحديث الشريف الذي رواه ابن عباس عن النبي ـ ( ـ أنّه "قال:(إنّ من البيان لسحراً، وإنّ من الشعر لحكماً)؛ "فالبيان إظهار المقصود بأبلغ لفظ، وهو من الفهم وذكاء القلب مع اللَّسن، وأصله الكشف والظهور . فالبيان إظهار المعنى بدقّة وذكاء، حتّى يقع في العقول، وتميل لـه النفوس.‏
وقد وردت لفظة "بيان" في القرآن الكريم في آيات كثيرة؛ منها قوله تعالى: (هَذَا بَيَانٌ للنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ للمُتَّقِين ؛ أي إيضاح وطريق هدى لكلِّ مُتَّق. وقول تعالى: ( فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتَّبِعْ قُرآنَهُ. ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) ؛ أي إظهار أحكامه ومقاصده ككل.‏

فالقرآن الكريم كلّه "بيان" لما يجب أن يكون عليه الإنسان في علاقاته مع خالقه والمحيط الذي يعيش فيه. وكانت اللغة السبيل إلى هذا البيان لذلك قال تعالى: (بِلِسَانٍ عَرَبي مُبِين) ، فمن سمات لغة القرآن الكريم والعقيدة الإسلامي ككلّ "البيان والإيضاح"، ولذلك قال الرماني: "القرآنْ كلّه في نهاية حسن البيان" .‏

وقد اهتم الدارسون بتوضيح هذا "البيان" الذي طُبِعت به لغتنا العربية، فنثروا الكثير من الأفكار التي توضح مفاهيمه وأنماطه وطرقه وغير ذلك، وولّد هذا الاهتمام علماً مخصوصاً هو "علم البيان". وكان أوّل مصنَّف يبحث في قضاياه كتاب "البيان والتبيين"، للجاحظ (ت 255 هـ) الذي لم يعط ـ على ما يبدو ـ لمفهوم آخر من الأهمية في هذا المصنّف ما أعطاه لمفهوم البيان .

والبيان لدى الجاحظ "اسم جامع لكلّ شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير حتى يفضي السامع إلى حقيقته... لأنّ مدار الأمر والغاية التي يجري إليها القائل والسامع إنّما هو الفهم والإفهام، فبأي شيء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الوضع" . فالبيان مرتبط بالدلالة الظاهرة عن المعنى الخفي؛ فكل دلالة واضحة على المعنى المقصود عنده "بيان"؛ لأنّ الغاية هي الفهم والإفهام.‏
وبذلك يبدو أن الفهم والإفهام هو مدار التسمية الإصطلاحية التراثية لعلوم ( البلاغة ) و ( البيان ) و ( النحو ) ، فالبلاغة كما يقول الرماني(386هـ) هي" إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ "، وهي عند العسكري ( 395 هـ) "سميت بلغة لأنها تنهي المعنى إلى قلب السامع " والبيان الممدوح عند الجاحظ ( 255هـ ) هو " الدلالة الظاهرة على المعنى الخفي " ، ويقول أبو عمرو بن العلاء ( 159 هـ ) :" إنما سمي النحوي نحويا لأنه يحرف الكلام إلى وجوه الإعراب " والإعراب هو الإظهار والإيضاح.

وهذا الهدف – الفهم والإفهام- هدف عام ، يتصل بالعلوم الدينية والقرآنية ، فالفهم والإفهام هو محور الدلالة التي تنهض بها علوم ( الفقه ) و( أصول الفقه) و( التفسير ) مثلما يشترك فيها (علم الكلام) ، وقد درس دكتور:محمد عابد الجابري هذه الصلة التي تؤلف علم البلاغة وعلم النحو وعلم الفقه وأصوله وعلم الكلام في نظام معرفي واحد يُعنى ببـ" قوانيين تفسير الخطاب " و" شروط انتاج الخطاب " حيث يقول: فهذه العلوم مترابطة متداخلة بصورة تجعل مها مظاهر أو فروعا لعلم واحد هو ( البيان ) ، وبالتالي فتاريخها تاريخ مشترك ونبضة الحياة فيها نبضة واحدة مشتركة ".

ويرى الجاحظ أنّ وجوه البيان ترتدّ إلى خمسة أمور هي "اللفظ والإشارة والعقد والخط والنصبة" ، وهي مقولات توضِّح أشكال البيان لدى الإنسان في هذا الكون.‏

وذكر الرماني أنّ البيان "هو الإحضار لما يُظْهَر به تميّزُ الشيء من غيره في الإدراك" ؛ فالبيان مرتبط بإظهار ما يمكن أن يتميّز به الشيء عن غيره. وأوضح أنّه على أربعة أقسام؛ كلام وحال وإشارة وعلامة، وربط الكلام المبين بالقول الواضح المفهم. كما ذكر أنَّ البيان في كلامه يكون عن طريق كيفيات معيّنة، فـ "لا يخلو من أن يكون باسم أو صفة أو تأليف من غير اسم بمعنى أو صفة... ودلالة الأسماء والصفات متناهية، فأمّا دلالة التأليف فليس لها نهاية، ولهذا صحّ التحدِّي فيها بالمعارضة لتظهر المعجزة" . فالقرآن الكريم كلام مبين، تحدَّى به الله البشر في بيانه التأليفي، ولذلك وُصِف بالبيان في أعلى مراتبه.‏

وقد بيَّن هذه القضية أكثر الرماني حينما قرّر أنّ "حسن البيان في الكلام على مراتب، فأعلاها مرتبة ما جمع أسباب الحسن في العبارة من تعديل النظم حتى يحسن في السمع، ويسهل على اللسان، وتتقبّله النفس تقبّل البَرَد، وحتّى يأتي على مقدار الحاجة فيما هو حقّه من المرتبة" .فأدنى تأمّل لهذا التوضيح يقودنا إلى التأكيد على أنّ حسن البيان في الكلام مرتهن بمجموعة من الأسس وهي:‏
1. الإجادة في تأليف العبارة والدقّة في نظم علاقات ألفاظها.‏
2. التأثير في المتلقِّي؛ أي ما طربت لـه الأذن وانساقت لـه الأسماع.‏
3. السهولة واليسر في المنطَق؛ أي ما نطقت به الألسنة نطقاً سهلاً واضحاً لا عيَّ فيه.‏
4. استمالة عقول الآخرين؛ أي ما كان لـه وقع الأنفس، فاشتاقت لـه وهامت به.‏
5. موافقته للحاجة المعبَّر عنها؛ أي ما جاء وافقاً للغاية التي لأجلها وُصف بهذه الصفة.‏
ويمكننا من خلال ما سبق أن نعرف البيان الحجاجي بأنه: الكشف والإيضاح عن المعنى المقصود بتوظيف الحجّة التي تتمكَّن من النفوس والعقول معاً. والهدف ها هنا ليس الفهم والإفهام فحسب؛ بل إنّ الأمر يتعلَّق بالتأثير والإقناع بالطرح المقدَّم؛ لأنّ مجال الحِجاج كما ذكرنا من قبل هو شبه الحقيقي أو المحتمل أو المشكوك فيه، فهو قائم على طروحات مقبولة، إلاّ أنّ البعض منها يبقى مبنياً على الاحتمال. ومنه يتجلَّى الفرق بين الحِجاج والبرهان باعتبار أنّ هذا الأخير مجاله البديهي لدى الناس؛ فهو ينطلق من اتِّساقات صحيحة وبديهيّة، أمّا الحِجاج فيرتبط بما هو متعدِّد الدلالة؛ أي الجدير بالظنِّ المعقول والمقبول.‏

فالحجاج البلاغي البياني يحاول إقناع المخاطب باستخدام الأدلة العقلية والبلاغية، وباستخدام الآليات اللغويّة التي قد يوظِّفها المخاطب في الكلام من أجل تحقيق الغاية من الحكم المبسوط فيه تصديقاً أو تكذيباً، إنكاراً أو إقراراً، أو غير ذلك. وقد التفت إلى ذلك عبد القاهر الجرجاني فقال:" روي عن ابن الأنباري أنه قال: ركب لكندي المتفلسف إلى أبي العباس وقال له: إني لأجد في كلام العرب حشواً: فقال أبو العباس: في أي موضع وجدت ذلك. فقال: أجد العرب يقولون: عبد الله قائم. ثم يقولون: إن عبد الله قائم ثم يقولون: إن عبد الله لقائم فالألفاظ متكررة والمعنى واحد. فقال أبو لعباس: بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ، فقولهم: عبد الله قائم إخبارعن قيامه، وقولهم: إن عبد الله قائم، جواب عن سؤال سائل. وقولهم: إن عبد الله لقائم، جواث عن إنكار منكر قيامه، فقد تكررت الألفاظ لتكرر المعاني. قال: فما أحار المتفلسف جواباً ". وقد وضَّح ذلك السكاكي أكثر في باب "الإسناد الخبري" حيث قال: "أما الاعتبار الراجع إلى الحكم في التركيب من حيث هو حكم من غير التعرض لكونه لغويّاً أو عقليّاً فإنّ ذلك وظيفة بيانيّة، فككون التركيب تارة غير مكرر ومجرّداً من لام الابتداء وإن المشبّهة والقسم ولامه ونوني التوكيد كنحو "عرفت عرفت"، و"لزيد عارف"، و"إنّ زيداً عارف"، و"إنّ زيداً لعارف" و"والله لقد عرفت أو لأعرفنّ" في الإثبات وفي النفي كون التركيب غير مكرر ومقصوراً على كلمة النفي مرّة، كنحو "ليس زيد منطلقاً"، وغير مقصور على كلمة النفي كنحو "ليس زيد بمنطلق"، و"ما إن يقوم زيد"، و"والله ما زيد قائماً"، فهذه ترجع إلى نفس الإسناد الخبري . "وقد أشار لغويُّونا إلى أنّ المخاطبين الذين يُلقى إليهم الخبر يصنّفون إلى ثلاث أصناف:‏
• . مخاطب خالي الذهن.‏
• . مخاطب شاكّ متردّد.‏
• مخاطب جاحد منكر .
والبيان الحِجاجي في إطار هذا التوضيح يرتبط بالصنفين الأخيرين، باعتبار أنّ الكلام معهما يستدعي توظيف تقنيات الحِجاج التي تدفع الشكّ أو الجحود أو التردّد لدى المتلقين.