كان لعثمان – – موقف عظيم في المصاحف، حمده عليه الصحابة ومن جاء بعدهم، قال حماد بن سلمة: "كان عثمان في المصاحف كأبي بكر في الردة".
فإنه –- لما رأى تفاقم الاختلاف بين الناس في القراءة، وخشي عاقبته، رأى جمع الناس على مصحف بما ثبت من القراءة عن النبي – -.
قال النووي: "خاف عثمان وقوع الاختلاف المؤدي إلى ترك شيء من القرآن أو الزيادة فيه، فنسخ من ذلك المجموع الذي عند حفصة الذي أجمعت عليه الصحابة مصاحف، وبعث بها إلى البلدان، وأمر بإتلاف ما خالفها، وكان فعله هذا باتفاق منه ومن علي بن أبي طالب وسائر الصحابة وغيرهم – -".
وقد اختلف في عدد المصاحف التي بعث بها عثمان إلى الأمصار؛ فقيل: إنها أربعة، وهو قول أكثر العلماء، وقيل: إنها خمسة، وقيل: ستة، وقيل: سبعة، وقيل: ثمانية.
أما كونها أربعة، فقيل: إنه أبقى مصحفاً بالمدينة، وأرسل إلى الشام، والبصرة، والكوفة.
وأما كونها خمسة، فالأربعة المتقدمة، والخامس أرسله إلى مكة.
وأما كونها ستة، فالخمسة المتقدمة، والسادس إلى البحرين.
وأما كونها سبعة، فالستة المتقدمة، والسابع إلى اليمن.
وأما كونها ثمانية، فالسبعة المتقدمة، والثامن مصحفه الخاص، الذي قُتل وهو يقرأ فيه.
قال الشيخ عبد الوهاب غزلان، صاحب البيان في مباحث من علوم القرآن، في الترجيح بين الأقوال: العقل والنقل يؤيدان من يزيد في عدد المصاحف لا من يقلل منها؛ أما العقل: فإن الغرض من الإرسال إلى الأمصار القضاء على فتنة الاختلاف في القراءة، ومنع معاودتها، وهذا لا يتحقق بالإرسال إلى بعض الأمصار دون بعض. وأما النقل: فقول أنس – -: لما نسخوا الصحف في المصاحف؛ أرسل عثمان إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، فكلمة كل أفق تدل بعمومها على أنه أرسل المصاحف إلى جميع الأمصار.
في حين أن المترجح والمشهور عند علماء القراءات: أنها ستة مصاحف؛ إذ قد كثر نقلهم عن هذه الستة: وهي: المكي، والشامي، والبصري، والكوفي، والمدني، والمصحف الخاص بعثمان المسمى بالإمام.
ويمكن توجيه هذا الاختلاف في عدد المصاحف على أنه باعتبار تعدد مرات الإرسال، فكان أول ما أرسل أربعة مصاحف، الذي هو قول أكثر العلماء، ثم زيد في عدد المصاحف بعد ذلك إلى بقية الأمصار.
ولا يتعلق بتعيين العدد كبير غرض، فغاية الأمر أن عثمان –- قد استنسخ عدداً من المصاحف يفي بحاجة الأمة، وجمع كلمتها، وإطفاء الفتنة.
ولما كان الاعتماد في نقل القرآن على المشافهة والتلقي من صدور الرجال، فقد أرسل عثمان – - مع كل مصحف من يرشد الناس إلى قراءته، بما يحتمله رسمه من القراءات مما صح وتواتر، وكان يتخير لكل قارئ المصحف الذي يوافق قراءته؛ فكان عبد الله بن السائب مع المصحف المكي، والمغيرة بن أبي شهاب مع المصحف الشامي، وأبو عبد الرحمن السلمي مع المصحف الكوفي، وعامر بن قيس مع المصحف البصري، وأمر زيد بن ثابت أن يقرئ الناس بالمدني.
رضي الله عن عثمان، فقد جمع الكلمة، ورأب الصدع، فوقعت هذه المصاحف في الأمصار موقع الغيث على الأرض المتعطشة، فأنبتت وأينعت.