(كيف تعامل المفسرون مع المجمل في القرآن )
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ... وبعد
فإنه من الضرورة بمكان التسلح بسلاح العلم والتزود منه لأنه طريق النجاة والفلاح إذا قارنه العمل وخير علم يتعلمه المؤمن العلم بكتاب الله وما يتعلق به وسأتطرق في هذا المقال لموضوع من مواضيع علوم القرآن وهو موضوع الإجمال في القرآن وكيف تعامل المفسرون فأبدأ مستعينة بالله .
تعريف المجمل :
المجمَل في عُرْفِ الفقهاء: ما أفاد شيئًا من جملة أشياء, هو متعيِّنٌ في نفسه، واللفظ لا يعينه([1]) وقيل هو المشتمل على جملة أشياء كثيرة غير ملخّصة([2])وقد عرف الآمدي المجمل بتعريف رأي أنه الحق، فقال: "المجمل هو ما له دلالة على أحد أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه"([3])
ينقسم المجمَل إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما كان اللفظ فيه محتمِلًا لمعانٍ كثيرة, ولم يكن حمله على بعضها أَوْلَى من الباقي.
الثاني: ما يُحْكَمُ عليه بالإجمال -حال كونه مستعملًا في بعض موضوعه- فهو: كالعام المخصوص بصفة مجمَلة، أو استثناء مجمَل، أو بدليل منفصَل مجهول.
الثالث: "ما يُحْكَمُ عليه بالإجمال، حال كونه مستعمَلًا لا في موضوعه، ولا في بعض موضوعه، فهو ضربان:
أحدهما: الأسماء الشرعية.
والآخر: غيرها. ([4])
وقد لاحظت في كلام المفسرين ما يدل على اهتمامهم بهذا وبينوا أن القرآن مجمل ومفصل فما يأتي مجمل يفصل في آية أخرى أو تبينه السنة فمن ذلك قوله تعالى: "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" ، فلم يبين عدد الركعات لكل وقت، ولا كيفية الأداء فصلى - - على المنبر وهم ينظرون، ثم قال لهم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ([5]).وفي قوله تعالى" خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها"يقول ابن عطيه في تفسيره: صَدَقَةً مجمل يحتاج إلى تفسير، وهذا يقتضي أن الإمام يتولى أخذ الصدقات وينظر فيها، ومِنْ في هذه الآية للتبعيض، هذا أقوى وجوهها ([6]) وقال ابن كثير في قوله:وامسحوا برءوسكم اختلفوا في هذه "الباء" هل هي للإلصاق، وهو الأظهر أو للتبعيض؟ وفيه نظر، على قولين. ومن الأصوليين من قال: هذا مجمل فليرجع في بيانه إلى السنة([7])
ويقول ابن جري الطبري في ذلك "أنّ من تأويل القرآن ما لا يُدرك علمُه إلا ببيان الرسول . وذلك تفصيل جُمَلِ ما في آيه من أمر الله ، وسائر معاني شرائع دينه، الذي هو مجمَلٌ في ظاهر التنزيل، وبالعباد إلى تفسيره الحاجة - لا يدرَك علمُ تأويله إلا ببيان من عند الله على لسان رسوله ، وما أشبه ذلك مما تحويه آيُ القرآن، فلا يعلم أحدٌ من خلق الله تأويل ذلك إلا ببيان الرّسول ، ولا يعلمه رسول الله إلا بتعليم الله إيَّاه ذلك بوحْيه إليه، إما مع جبريل، أو مع من شاء من رُسله إليه. فذلك هو الآيُ التي كان رسول الله يفسِّرها لأصحابه بتعليم جبريل إياه، وهنَّ لا شك آيٌ ذوات عَددٍ. فقال له جل ذكره: وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [سورة النحل: 44]
ومن آي القرآن ما قد ذكرنا أن الله جل ثناؤه استأثرَ بعلم تأويله، فلم يُطلعْ على علمه مَلَكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلا ولكنهم يؤمنون بأنه من عنده، وأنه لا يعلم تأويله إلا الله.([8])


الرقم الأكاديمي
12120

([1])دراسات في علوم القرآن (1/232)، محمد بكر إسماعيل

([2])المفردات في غريب القرآن (1/203)، أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

([3])دراسات في علوم القرآن (1/ 233)

([4])دراسات في علوم القرآن (1/235)

([5]) أضواء البيان (8/38)

([6]) تفسير ابن عطية(3/78)

([7]) تفسير ابن كثير(3/49)

([8]) تفسير الطبري (1/87-88)