بسم الله الرحمن الرحيم
خطاب العامة و خطاب الخاصة في القرآن
الحمد لله الذي نهج لنا سبيل الرشاد, و نور قلوبنا بالكتاب, الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه, فهو الكلام الجزل الفصل الذي ليس بالهزل، اجتمع ايجازه بإعجازه، فأعيت بلاغته العقول، و ظهرت فصاحته على كل مقول، " قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ".
أما بعد:
فإن الناظر في أسلوب خطاب القرآن و تنوعه، يظهر له مدى بلاغته في مخاطبة الناس و إصابته القصد على اختلاف أصنافهم و أجناسهم.
فخطابه سبحانه يكون للعامة و الخاصة على حد سواء شامل لا إهمال فيه و لا نقص، و كل على حسبه. فلو أنك خاطبت العامة باللمحة و الإشارة التي تخاطب بها الأذكياء لجئتهم من ذلك بما لا تطيقه عقولهم، و لو أنك خاطبت الأذكياء بالواضح المكشوف الذي تخاطب به الأغبياء لنزلت بهم إلى مستوى لا يرضونه لأنفسهم في الخطاب.
و القرآن ميسر للناس جميعا خاصتهم و عامتهم، فيراه الخاصة أوفى كلام بلطائف التعبير، و يراه العامة أحسن كلام و أقربه إلى عقولهم.
و لقد خاطب الله سبحانه عامة الناس كما خاطب المؤمنين، و الأنبياء، و الكافرين، و المنافقين. و لهذا الأسلوب فوائد و لطائف بديعة تسمو بهذا القرآن في بيانه.
فمن خطاب الله تعالى لعامة الناس، قوله :﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾- لقمان: 33، و قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾- الحج: 01، و قوله : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾- يونس: 104، و قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً)- النساء:01.
و المراد بالناس في هذه الآيات جنسهم لا كل فرد بعينه، فيندرج فيها المؤمن و الكافر و المنافق. و هذا يغلب في خطاب الله لأهل مكة، إذ كان الكفر هو الغالب و الإيمان قليل، فيشمل لفظ الناس المؤمن و الكافر، و هذا من بدائع القرآن و لطائفه.
و أما خطاب الخاصة فيتنوع بتنوع المخاطَب، كخطاب الله لنبي من أنبيائه، نحو قوله سبحانه: (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ) – هود: 48، و قوله: (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ ) – الصافات: 104، و قوله : (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ) – آل عمران: 55,
و ذكر الله لأسمائهم هنا لشرفهم عنده. كما قد يخص المؤمنين بخطاب كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) – المائدة: 51، و هذا يكثر في القرآن المدني، و من مميزاته رفع لشأن المؤمنين على غيرهم أو سن تشريع جديد لهم,
و قد يُخَص الكفار بالذكر كقوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ )، و قوله: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ) – القصص: 76، و قوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ) – البقرة: 47. فيخاطب الله سبحانه كافرا باسمه هنا لتماديه في الطغيان و الكفر أكثر من غيره، فحق له أن يذكر و يذَكّر حجة عليه يوم الحساب.
ومن هنا نجد دقة الأسلوب الخطابي القرآني و شموله، و الذي لا يمكن أن نلمس مثله في أي خطاب بشري ناقص. و بذلك كان مرشدا للعقول الحائرة و القلوب الغافلة.
الاسم: طيب بلبركاني
الرقم الأكاديمي: 11119
المصادر: البرهان للزركشي
النبأ العظيم لمحمد عبد الله دراز
مقال الخطاب القرآني و تنوعه لعاطف عبد المعز الفيومي