((شبهات المستشرقين عن المكي والمدني))[1]
إن موضوع إثارة الشبهات حول القرآن الكريم والطعن فيه والنيل منه ليست وليدة عصرنا الحاضر ، بل هي ناشئة منذ نزول القرآن الكريم على نبينا محمد - r - .
وقد ذكر لنا القرآن الكثير مما افتراه المشركون من افتراءات مع الرد عليها .
واستمرت هذه الأباطيل والشبهات المثارة من قِبل المستشرقين في عصرنا الحاضر ، ومن ذلك ما أثاروه حول موضوع (المكي والمدني في القرآن الكريم) ، ذلك أنهم عمدوا إلى خصائص كل من المكي والمدني ، وخلصوا منها إلى أمور هي في حقيقتها مطاعن وشبهات للنيل من القرآن ، أعرض هنا بعضا منها مع الرد عليها . فمن هذه الشبهات :
1-قالوا : أن هناك فرقا في الأسلوب بين القسم المكي والمدني ، فالمكي يمتاز بالشدة والقسوة في الخطاب ، بخلاف المدني ،وهذا يدل على تأثر محمد بالمحيط الذي كان يعيشه ، إذ هو في مكة مطبوع على الغلظة والجهل ، وقد زال هذا الطابع لما انتقل إلى المدينة لخلطته بأهل الكتاب ، وما هم فيه من حضارة وثقافة.
الرد : هذا القول يرده استقراء سور القرآن ، فالملاحظ أن القرآن بقسميه المكي والمدني قد نوَّع بين مسلك الشدة والوعيد ومسلك اللين والعفو حسب مايقتضيه المقام ، وهذا من ضرورات الخطاب المعتدل حتى يتقبله الناس ، فضلاً عن كلام رب العالمين .
فنجد في سورة آل عمران – وهي مدنية – آيات فيها شدة : )ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ.....([2] ، ونجد في بعض السور المكية آيات العفو والصفح ، كما في سورة الحجر المكية : )ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ........... ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ([3] .
2-قالوا : إن قصر السور والآيات في القسم المكي ، وطولها في المدني يدل أيضا على التأئر بالبيئة المحيطة ، فلما كان في مكة أميا بين الأميين جاءت سور المكي وآياته قصيرة ، ولما وجد في المدينة بين مثقفين مستنيرين كان الطول .
الرد : إذا أريد بقولهم العموم فهذا لا يُسلم به ؛ فالقسم المكي يحوي بعض السور الطوال كسورتي الأعراف والأنعام مثلا ، كما أن في المدني بعض السور وهي من المفصل كالتحريم والنصر .
أما إذا قصدوا الأكثر الغالب فهذا يُسلم به لهم ، ولكن هذا لا يدل – كما زعموا – على التأثر بالمحيط ، بل هو دليل على البلاغة والإعجاز ، فمعروف عند البلغاء أن الإيجاز علامة على الفصاحة والبيان ، فجاء أغلب المكي موجزاً ليناسب ما كان عليه المكيين– مع أميتهم – من ذكاء وفصاحة .
3-قالوا : أن القسم المكي خالٍ من التشريعات والأحكام ، بخلاف القسم المدني الذي كان مشحون بها ، وهذا أيضا عائد إلى التأثر بالبيئة .
الرد : إذا تأملنا في سور القرآن نجد أن القسم المكي قد عرض لبعض الأحكام ، ولكن بطريقة إجمالية ، كما في الأنعام المكية في آيات الوصايا العشر[4] .
كما أن مناقشة أمور العقائد هي في القسم المكي أوضح وأظهر .
أما من حيث الكثرة ، فلا شك أن الأحكام في القسم المدني أكثر مقارنة بالمكي ، ولكن ليس لما زعموا ، إنما هو من باب تقديم الأولى فالأولى ، حيث بدأ بإصلاح العقائد وتطهير القلوب في مكة ، ثم لما تشربت القلوب الإيمان جاءهم بتفصيل الأحكام والتشريعات ، وهو تدرج حكيم .
4-قالوا : أن القرآن المكي خلا من البراهين والحجج بخلاف القسم المدني ، وهذه حجة أخرى على تأثر القرآن بالوسط الذي كان يعيشه محمد .
الرد : هذه الشبهة يردها أدنى تأمل للقرآن ، فالقسم المكي مليء بالأدلة والمناقشات لما كان ينكره المشركون من أمور العقيدة ، ففي إثبات الألوهية مثلا يقول تعالى في سورة الأنبياء المكية )ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ( [5]، كما نلاحظ أن سورة يس – مكية – بأكملها تناقش قضية البعث ) ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮧ .......( [6] ، ولننظر كيف دافع القرآن عن النبي r وأثبت نبوته في سورة الفرقان المكية )ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ .......( [7] ، وغيرها من الامثلة .
كانت تلك بعض الشبهات التي أوردها بعض المستشرقين حول القرآن ، وكلها تهدف إلى النيل من القرآن وتشكيك الناس في إيمانهم بإنه من عند الله ، ولكن )ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ( [8] .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
[1] استفدت في كتابة المقال من كتاب مناهل العرفان للزرقاني ، وكتاب “قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية نقد مطاعن ورد شبهات” لمؤلفه الدكتور فضل حسن عباس ، وهو كتاب استفدت منه كثيرا ، حيث عرض لشبهات واسعة كلها تتعلق بالقرآن مع الرد عليها.
[2] سورة آل عمران (90 ، 91 )
[3] سورة الحجر (87 ، 88).
[4] سورة الأنعام (151 ، 152 ، 153 ) .
[5] سورة الأنبياء (22) .
[6] سورة يس (78 – 83 ) .
[7] سورة الفرقان (5-11) .
[8] سورة الصف (8) .

طاهرة بنت صالح قمام
الرقم الأكاديمي : (12114)