الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعد:

تواتر أعداء الإسلام قديما وحديثا على نفث سموم الشبهات حول دين الإسلام وثوابته ، وما ذاك إلا حقدا وحسدا "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون " (الصف: 8) ومن ذلك دعواهم أن القران والإسلام دين خاص بالعرب وحدهم وذلك أن النبي محمد أرسل من العرب وبلغتهم وأنزل عليه القران الكريم بلغة العرب فدل ذلك على اختصاصه بهم فلا يجب على غيرهم من الأقوام اتباعه لأنهم لا يتحدثون العربية ولا يفهمونها فلا تقوم عليهم الحجة بهذا واستدلوا لذلك بآيات من القران الكريم كقوله تعالى : "إنّا أنزلناه قرءاناً عربياً" (يوسف: 3) وقوله " وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومه" (إبراهيم:4) وقوله : " لتُنذر قوماً ما أتهم من نذير من قبلك" (الجمعة:2).وقوله" وأنذر عشيرتك الأقربين" (الشعراء: 214).
وقد انبرى علماء الإسلام للرد على هذه الشبهة الواهية بردودٍ لم تدع بعدها لهم متنفس لنقضها كشيخ الإسلام ابن تيمية والقرافي والرازي وغيرهم ومما جاء من هذه الأجوبة والردود ما يلي :
1- يلزم من يُثبت ويُقرّ بنبوة محمد وصدقه أن يُثبت ويُقرّ بكل ماجاء به عليه الصلاة والسلام ، وقد أخبر عليه الصلاة والسلام في غير ما موضع أنه بعث للناس كافة و الله تعالى يقول في كتابه : "وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لايعلمون" (سبأ : 28).
2- كون القران أنزل باللسان العربي فليس في ذلك دلالة على اختصاص العرب به فالتوراة إنما نزلت باللسان العبري وحده وموسى لم يكن يتكلم إلا بالعبرية وكذلك المسيح لم يكن يتكلم بالتوراة والإنجيل وغيرهما إلا بالعبرية وكذلك سائر الكتب لا ينزلها الله إلا بلسان واحد بلسان الذي أنزلت عليه ولسان قومه الذين يخاطبهم أولا، ثم بعد ذلك تبلغ الكتب وكلام الأنبياء لسائر الأمم إما بأن يترجم لمن لا يعرف لسان ذلك الكتاب وإما بأن يتعلم الناس لسان ذلك الكتاب فيعرفون معانيه وإما بأن يبين للمرسل إليه معاني ما أرسل به الرسول - - إليه بلسانه وإن لم يعرف سائر ما أرسل به ، وإلا لكانت التوراة والإنجيل مختصة فقط بمن أنزلت إليهم أولا ولم يكن ليلزم غير اليهود والنصارى الأُوَل اتباع تلك الملة وذلك الكتاب.

3- أن رسل الله عندما يبعثون رسلهم إلى الأمم لتبليغ دعوتهم فإنهم إما أن يبعثوا من رسلهم من يحسن لغة القوم الذين أرسل إليهم وإما أن يكون لدى أولئك من يترجم رسالة رسول الله لهم وكل ذلك حتى تبلغ الحجة ويفهم الناس رسالة رسول الله إليهم وقد كان ذلك من المسيح ومثله محمد فلم تبق حجة لمن قال أنه لا يلزمه اتباع دين محمد لأنه لا يفهم لغة العرب ولا يحسنها.

4- أن اليهود والنصارى فيهم عرب كثير من زمن النبي - - وكل من يفهم اللسان العربي، فإنه يمكن فهمه للقرآن وإن كان أصل لسانه أعجميا بدليل احتجاجهم على دعواهم بآيات من القران فكيف يسوغ لهم مع هذا أن يقولوا كيف تقوم الحجة علينا بكتاب لم نفهمه؟
5- ليس فهم كل آية من القرآن فرضا على كل مسلم وإنما يجب على المسلم أن يعلم ما أمره الله به وما نهاه عنه بأي عبارة كانت وهذا ممكن لجميع الأمم ولهذا دخل في الإسلام جميع أصناف العجم ومن هؤلاء من يعلم اللسان العربي ومنهم من يعلم ما فرض الله عليه بالترجمة وأما جمل ما أمر به الرسول - - من الصلاة والزكاة وغيرها من سائر الفرائض فهذا مما يمكن أن يعرفه كل واحد بتعريف من يعرفه إما باللسان العربي وإما بلسان آخر لا يتوقف تعريف ذلك على لسان العرب.
6- وأما ما أوردوه من الآيات فاحتجاجهم بها في غير محله وبيان ذلك أن الآيات تتضمن امتنان الله تعالى على عباده بإنزال القران باللسان العربي لأنه أكمل الألسنة وأحسنها بيانا للمعاني وإنما خوطب به أولا العرب ليفهموه ثم من يعلم لغتهم يفهمه كما فهموه ثم من لم يعلم لغتهم ترجمه له من عرف لغتهم وكان إقامة الحجة به على العرب أولا والإنعام به عليهم أولا لمعرفتهم بمعانيه قبل أن يعرفه غيرهم لا أنه مختص بهم .
7- هناك فرق بين قوله تعالى: "وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومه" (إبراهيم، آية: 4) وبين أن يقال "وما أرسلنا من رسول إلا لقومه" فالقول الثاني هو المفيد لاختصاص الرسالة بهم لا الأول وأيضا فإن هناك كثير من الآيات الدالة على إرساله إلى الناس كافة تبطل هذا الفهم .
8- وأيضا فإن التحدي بالقرآن ، وقع لجميع الثقلين الإنس والجن ولم يكن للعرب خاصة ، قال تعالى : "قل لئِن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً" الأسراء: 88)
9- وقوله تعالى: "لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك" (القصص: 46) لا يفهم منه خصوصية رسالته بالعرب الذين لم يأتهم نذير قبله، ولا يعني ذلك عدم إرساله لأهل الكتاب الذين جاءتهم الرسل، بل النذارة عامة لقوم ما أنذروا بعدما ضلوا عن رسالة الرسول المتقدم فيدخل في ذلك اليهود والنصارى، لأن ذلك دليل على أن النبي مبعوث إلى الخلق كافة.
10- ولا يدل قوله تعالى: "وأنذر عشيرتك الأقربين" (الشعراء: 214) على خصوصية الرسالة بهم دون سواهم، بل تخصيصهم بالنذارة لكونهم أولى الناس بالدعوة لقرابتهم منه ، وأيضاً لعظم شركهم كتكذيبهم بالحشر الذي تجاوز كفر أهل الكتاب المكذبين بنبوته .

هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .