حيثيات الكلام عن القواعد الكبرى للسنن الإلهية


القراءة الفاحصة للقواعد الكلية للسنن الإلهية القرآنية ليست ضربا من الاجتهاد ، وإن كان الاجتهاد أس منطلقها ، وإنما هي جمع ودراسة لما تمخض عنه كتاب ربنا من قواعد أساس في بيان مراد الله من التشريع.

والمتفحص لدرب هذا العلم يؤتى حدسا مرهفا وروحانية قوية لضوابط جاءت بها النصوص القرآنية من جهة وأخرى تمخضت عنها القراءة المتدبرة لأبعاد التي ترمي إليها النصوص ، وإن شئت القول على درب سلفنا من الفقهاء فهناك دلالات النص التشريعي من جهة، وهناك روح النص التشريعي من جهة ثانية ، على فرق بين روح النص المستخلص من دلالات بين السطور وأخرى منصوص عليها نصا.

وروح النص لم يأت بدوره من اجتهاد وإنما تمخض بناء على عدة نصوص تشريعية تضافرت لتقرر قواعد مكملة ومبينة لسبيل الله ومراده من تشريعه.

وبهذا نكون أمام تشريع مكتمل البنية الأساس، فقط وفقط من النصوص الربانية المصدر، سواء في تصورنا الأفقي لدلالات نص جزئي أو لدلالات العمودية الجامعة لمجموع من النصوص للموضوع الواحد.

وربانية المصدر هي ما يجعلها تشكل وحدها مجموعة متكاملة لمنظومة تشريع لم يلمسها الفقهاء السابقون، باختلاف توجهاتهم وتوجساتهم حتى أن من مر عليها لأول وهلة أخذه الذهول لما يكتنزه الكتاب من جواهر تشريعية لم يلتفت إليها الفقهاء من ذي قبل، وكانت بيانا لأساس انحراف المنحرفين، وزيغ الزائغين عن نهج رب العالمين.

وإنه لمن الجدير بالإشارة إليه ونحن في مستهل الكلام عن هذه الجواهر الغاليات ونفاستها، فالقواعد الكلية لمراد الله من التشريع جاءت بناء على إرادة ربانية منصوص عليها من تشريعه فعلى سبيل المثال:

يريد الله ان يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا [28] النساء

يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم [26] النساء

ويريد الله ان يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين [7] الأنفال


والمتمعن في الآية الآخيرة يقتبس بأن النصوص التشريعية تفي بوحدها بإحقاق الحق وبقطع دابر الكافرين؛ وهكذا حينما نلمس كل سنة على حدة ندرك المغزى بوضوح مما لم يبق معه أدنى شك يخامر المشكك، هذا من جهة.

ومن جهة ثانية حينما ننظر بعمق في جملة من نصوص السنن الإلهية نستخلص قواعد مكملة بل هي أساس نهج التشريع الرباني، وأكاد أقول ما التفت إليها الملتفتون ولا وقف عندها الواقفون : فمثلا نستخلص من النص الأخير بأن إرادة الله اقتضت إحقاق الحق وإزهاق الباطل فضلا عن قطع دابر الكافرين.

ولما نستفسر عن الفكر الإقصائي أله ما ينفيه من التشريع الإسلامي لكون الله رب الجميع وكتابه القرآن جاء مهيمنا على الكتب السابقة، وهو أسمى تشريع عرفته البشرية ؟

ففي دراسة هذا التساؤل نجد الجواب متكاملا من جانبين:

جانب النصوص الدالة على مراد الله من تشريعه ببيان شاف:

ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين [5]ونمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون[6] القصص

فهذا النص يبعد الفكر الإقصائي ويتوعد على من نهج سبيله بالإقصاء نظرا لسعي صاحبه لإقصاء من استضعفه،

وهنا نجد أنفسنا أمام قاعدة:

هل ينظرون الا ان تاتيهم الملائكة او ياتي امر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا انفسهم يظلمون [33] النحل

كما نجد أنفسنا أمام نهي عن سلوك درب الفكر الاقصائي، وذلك لما سيترتب على سالكه من جزاء يقصي من اعتمد الفكر الإقصائي.

فضلا عن كوننا نجد أنفسنا أمام قاعدة كبرى تفيد بأن الجزاء من الله يكون من جنس العمل إلا فيما لا يليق بجلال الله مثل قوله تعالى:

وان يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فامكن منهم والله عليم حكيم [71] الأنفال

ولو كان استخلاصنا لهذه القاعدة الكبرى من مجرد نص واحد لقلنا بأن القرآن كله حق واعتماد جزئية من إحدى الآيات كفيل بأن لا تجد له مخالفا ومعنى مغايرا يناقضه في الآيات الأخر؛ وهذا أمر أجمع عليه الفقهاء الأصوليون؛ كما هو معلوم بأن هذا الاستنتاج ما هو إلا جمع للدرر التي انتثرت من جواهر التشريع مصداقا لقوله تعالى:

ويرى الذين اوتوا العلم الذي انزل اليك من ربك هو الحق ويهدي الى صراط العزيز الحميد [6] سبأ


وهذا الذي شهد به العلماء هو ما جاءت به السنن وما أقره نهج التاريخ، فالتاريخ لا يعيد نفسه بنفس الأشخاص ونفس الظروف والملابسات، وإنما إن جردنا الأحداث من أسماء الأشخاص ورعينا الأفعال في تكاملها وجدنا نفس النتيجة لنفس من سلك الدرب:

سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا [62] الأحزاب.

ومن جانب آخر ننظر أيضا في مجموعة من النصوص لنجدها تؤكد ما ذهبنا إليه من استنتاج :

في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب اليم بما كانوا يكذبون [10] البقرة

يا ايها النبي قل لمن في ايديكم من الاسرى ان يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما اخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم [70] الأنفال.

فلما زاغوا ازاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين [5] الصف

فاذكروني اذكركم واشكروا لي ولا تكفرون[152] البقرة

ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين[30] الأنفال

وهكذا فما استخلصناه من نص واحد وهو كون الجزاء من جنس العمل ـ طبعا إلا فيما لا يليق بجلال الله ـ هي قاعدة أسست على مجموع من النصوص الدالة على نفس المغزى والمقصد.

فهل يحملنا هذا الجمال البحثي ضمن جواهر القرآن لنغوص بحره ، ونستلذ لذته ، ونستخلص كماله ، وشافي بيانه ، بأن لا أحد يستطيع وضع نظرة شمولية متكاملة لا يدرك كنه جوهرها حتى من بلغ الرسالة عن رب العزة، ولا من جاء من بعده من المفسرين ليقفوا وفقات حيرة في نصوص أشكل فهمها لديهم مما جعلهم يعطون للآية الواحدة أكثر من ستة وثلاثين وجها وحتى لا يكون الكلام ضربا من الخرص، فاقرأ ما جاء به الطبري مثلا في تفسير قوله تعالى :

ٍلولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما اخذتم عذاب عظيم [14] النور

وما الكتاب الذي سبق إلا عهد الله ووعده للمؤمنين:

واذ يعدكم الله احدى الطائفتين انها لكم وتودون ان غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله ان يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين [7] الأنفال.

لولا العهد الرباني بأن إحدى الطائفتين هي لكم - ويلاحظ هنا لام الملك، - والمرء غير محاسب على تصرفه في ملكه بالمن والفداء، قلت لولا هذا العهد الذي جعله الله مخرج رحمة لرسوله والصحب الكرام لمسهم عذاب عظيم، والله جعل رسوله آمانا للكافرين، فكيف بالمؤمنين؟ وهكذا جعل وعده يسبق وعيده ليكون مخرجا لرسوله وللمؤمنين.

والله جل شأنه وعظمت إرادته سبقت رحمته غضبه وسبق وعده وعيده. فهو رؤوف رحيم إذا توعد، ولا يخلف الميعاد إذا وعد، ومن أوفى بعهده من الله؟.

فلو انتبه الرسول لمراد الله من خلال النص ما وسعه غير اتباعه، وإذا أراد الله أمرا فلا مرد له.

خصوصية البحث في مجال السنن الإلهية

ألفت البشرية في أبحاثها الارتباط بدراسة منهجية عقلانية واضحة المعالم ، بينة التعاليم ، تتشربها العقول لسلاستها، وتتقبلها النفوس لبنائها المتزن بين مختلف فقراتها في تتابع وتنسيق واضحين لا يتركان لبسا ولا غبشا إلا أتيا فيه بمدخل وتمهيد ، وبيان شاف يجنح لوضوح التصور وتكامل الرؤية بتصميم محكم تنساب أفكاره في تدرج كأنه يدخلك قصرا ويفسح لك مختلف أجنحته ، في تكامل وانسجام ؛ لحاجة كل مرفق لباقي أجنحة القصر.

والدراسات المنهجية ليست محل نقد، وقد تبنتها مختلف الجامعات على اختلاف أرجاء المعمور، وكل ما أود الإشارة إأليه في هذه العجالة هذه الخاصية : إنما هو طابعها الرباني ، وهذا ما لم تدرك له الدراسات المنهجية مغزى، ولا تعرف لعناصره ارتباطا الذي ألفته في مختلف أجنحة أبحاثها.

والربانية نسبة للرب، وهو ترابط وثيق في استمداد وإمداد بين عبد ورب لتنكشف لنا ألغاز تفاعل مكونات هذا الوجود في وحدة تصور لا تجنح في مجال الخيال ودروب التصورات، وإنما تنبثق عن رؤية متكاملة ترابطت جل عناصرها في وحدة موضوعية متناثرة الدرر في كتاب ربنا لا يسع الباحث إلا جمع لآلئها وطرزها في لوحة في لوحة مبهجة باهرة ، برؤية جذابة وتكامل في الوحدة الموضوعية.

وإذا كان الباحث في الأبحاث المنهجية في حاجة إلى دارس متخصص في المجال ليشرف على باحث مبتدئ في خطواته الأولى لتتماسك رؤاه وتتحد فصول منهجيته في تحسين أدائه، فإن الباحث في المجال الرباني لا غنى له عن مرشد خبير بالمجال الرباني ليسدد ويقوم ويرشد إلى إدراك صغار العلوم قبل كبارها، فضلا عن دفع الباحث للعكوف على باب رب بديع السموات والأرض ليلهم العبد ويسدد الخطى ويثبت الأقدام وهو بكل شيء عليم، بل كل العلوم منه استمدت.

والكلام عن السنن الله وقواعدها الكلية والكبرى هو جولة في رحاب أفعال الله ومن هنا لا بد لداخل المجال من رهافة الحس ومن يقظة بالغة الأهمية بعد الضراعة لله بأن يحفظنا في أدبنا نحوه خشية التقول عليه ، والذي يعتبر جرم من أعظم الذنوب إطلاقا.

فالأدب مع الله من أهم مميزات السير في هذا الركب، فما على المرء إلا التبتل إلى الله في ذلة وانكسار سائلا الله أن يرزقه الإيمان به حق الإيمان، وتبجيله حق تبجيله، وتعزيره حق تعزيره، وتوقيره حق توقيره، وتقديره حق قدره، وتسبيحه حق تسبيحه. وهو الكريم لا يخيب من رجاه