الواجهة الجديدة للأدب



عجيب أن ترى أديبا يمضي بشاعريته يحلل أنفاس الأدباء، وما تفيض به خلجاتها، ويهتز لكل نبرة تدغدغ المشاعر، ولكل خفقة قلب تسقي الذات بماء الحياة، ويتنسم من هذا وذاك فضلا عما أخذه من جمال أخاذ للوحة الفنية، جولات الوقائع في دنيا الناس بآلامها وآمالها، سواء في بيئته، أو في قطره أو في وطنه الكبير. وهنا منتهى أحاسيسه وحدود ما تكتشفه عبقريته من النص، وكأن الأحداث تدور في جزيرة خارج الكون، ولا تدور في رحيب كون الله الذي لا يعرف نظامه للعبثية معنى ولا مبنى.!!!

لكم ترى الغافل في صعود وهبوط، وذهاب ومجيء، وأخذ ورد، شغل وانشغال وهم دائب وفكر وجهد، قد تنبهر العيون مما أنتجت الأيدي، وما أسفر عنه الفكر، لما جعل التجديد شعاره، والانضباط مبدأه، والسعي وراء الرفاه الدنيوي همته، ولسلطان الهوى والمغريات سُلَّم أمره ونهيه.

فكر وجهد واجتهاد في حدود الدنيا، وستار الغفلة مضروب على باب الآخرة. هل الدنيا نهاية المطاف ؟ كيف يجول في عالم الدقة والانضباط في أرجاء هذا الكون الرحيب بعينين مغمضتين معصبتين عما وراء الحس الطبيعي؟ كيف يغتم لضيق خلجات الأنفاس ولا يهتم برحيب كون الله ؟ كيف يسخر حواس جسده الظاهرة وتعمى وتموت حواس روحه الباطنة ؟

كيف جمع هذا بين يقظة الحواس، وتنبه الذهن، وإحصاء خفقان القلب، وذبذبات الأذن، وخلجات الروح، وإيقاع الموسيقى، والهيام في درب الجمال، وبين الغفلة بالإغراق في الملاهي والملذات، وتخمير العقل عن الخوض في ما لا يدرك كنهه إلا بإرشاد مصادر الحق واليقين.؟

ولكم تنتاب المرء غيرة غير معهودة كلما تناول كتابا أو مجلة أدب ؛ لما لبسته الكتابة الأدبية العربية من مركب نقص لا تستكمله إلا بذكر رمز من رموز الأدب المعاصر من غربيين ومستشرقين مع ما توحيه الدلالات من نبذ للقديم- فضلا عما اتصفت به الكتابة الأدبية من أوصاف تميزت بها واستعارتها من خارج بيئتها ومصطلحات دينها، (فهذا رومانسي وذاك كلاسيكي والآخر وجودي وهلم جرا) فليس الأمر على ما تجري به سفنا تنتقي الحكمة وفصل الخطاب وتجلبها بعملة نادرة إلى بلادها، إنما الأمر انصب على التحيز والتحجر على درب فلان الغربي وفلانة المستشرقة، وفلان المُغَرَّب مما يُنتج سلخا لهويتنا وطردا لانتمائنا وإمعانا في الشرود عن الحقائق اليقينية ؛ إذ لا يخفى بأن المرء على دين خليله، والمرء مع من أحب.

تلك أهم الدواعي التي دعت لكتابة تنبذ جحر الضب، وتتسم بسيمياء الأدب الإسلامي ليس في الشكل وحسب، وإنما شكلا ومضمونا وممارسة، قلبا وقالبا واعتقادا ، جسدا وروحا وانتسابا ؛ إذ ليس الأمر منوط بمن يكتب إنما هو منوط بما يكتب أهو منضبط بضوابط السنن الإلهية أو يناقضها روحا أو دلالة أو مضمونا.

وتنفتح أمامنا سبيل ضوابط السنن الإلهية مقاسا وضابطا نفصل الكلم على وفقه لنندرج في فسيح كون الله في سجود قلب خضع لجلال مولاه خضوعا رفعه عن التبعية لغير نبيه، وحرره من براثين الذل والهوان للبشرية جمعاء.

استصغرت نفسي عن هذا التألق، ووددت لو كفاني غيري هذه المَهَمَّة، وأصابت الفراسة لما عرضت هذه الرغبة الملحة على الأستاذ د. حسن الأمراني ؛ إذ نبش الاقتراح كتابه " سيمياء الأدب الإسلامي " - وأخرجه من حيز المخطوط إلى حيز المطبوع – ، وهو وجه مشرق وبيان شاف ولوحة أعربت بوضوح عن أهم مميزات ومعالم وخصوصيات الأدب الإسلامي فضلا عن مراحل تطوره، وكان قفزة نوعية، وخطوة جريئة، يعلو محياها الصدق ؛ ووعد بجزئه الثاني : " العودة إلى النبع" - يسر الله خروجه-.

وفتح الفتاح العليم، وأورق البحث أوراقه، وانطلق القلم يهيم، ولاق مداده إلاقه، وذللت الرؤيا الحواجز، وهدمت عوائقها، وجادت يدا الكريم بالجوائز تثبيتا لحقائقها، وجمعتها جمع عاجز، - وسبحان من أذاقك دقائقها، ونسب إليك شقائقها،- عرضت أولى صفحاته على الأستاذ الأمراني، فأبدى إشارة إعجابه، وعلى إتمامه شجعني، سيرا على درب الوزاني، وتسلسلت أوراقه، كأوراق المحكمة، كل ورقة تلد ورقة، في مقالات أظنها رصينة مُحَكَّمة، وكل قول له جديد نبرة، وكل فقرة بعد أختها تترى، وبسبك الوزاني بدت لآلئه ناضرة، وطرزت جواهره يواقيت أخرى.

وهكذا نثرت كنانة القلم سهما ليكون النقد الأدبي شديد الخصوبة والنقاء، نابعا من كليته من منطلق التقاء البصيرة بالبصر، والروح بالجسد، الوعي بالضمير، الدنيوي بالأخروي، الجزء بالكل، الحلم بالواقع، والمرحلي بالثابت، ورقة المشاعر والإحساس بالجمال والإبداع ؛ ليسْبَح الكل في فضاء فسيح، ويسيح في أرض الله ويستخلص العبر والعظات، وينشرها هبة ربانية لعباده تثير وجدانهم، وتسوقهم - من غير أمر- لتسبيح الله. أتراه أصاب هدفه أم أخطأه ؟

إنها سلسلة مقالات جاءت لتخرج النقد الأدبي من التقليد الأعمى ؛ ولتمد أهله بالضوابط الربانية التي نسج الكون عليها بنيانه ؛ ليندرجوا مع ذرات هذا الكون، ويشاركونه في سيمفونيته ويسيرون على نور من ربهم وبصيرة إيمانهم، وتسري الروح في آدابهم وتتلألأ جواهرهم لتنتسب إلى السماء ونجومها، ومن هناك ترسل إشعاعاتها، مرتفعة بذلك عن الانزواء إلى جحر الضب وظلماته؛ فشتان بين بلبل يحلق في السماء، ويسكن الثريا، وبدفء عباراته وإشراقة طلعتها ينير الأرض، وبين ثعبان يمشي على بطنه يزحف أرضا، ولما كان الجان اسمه، كان الجون لونه، وكان الجحر المظلم مسكنه، فأنى للنور أن ينبعث من السواد ؟ وأي لون تشرق أصباغه في الليل البهيم ؟!.

فهل من تعاون وتآزر للمجمع اللغوي للنهوض بالمشروع ؟