[نص مقال لـ:سمير قدوري: "جهود علماء المالكية في محاورة أهل الكتاب" المذهب المالكي في سياقاته المعاصرة، أشغال الندوة الأكادمية الدولية المنعقدة أيام 21- 22-23- ربيع النبوي الموافق 14- 15- 16- فبراير 2012 بقصر المؤتمرات بفاس. إعداد وتنسيق حمزة الكتاني وعبد الله بنصر العلوي ومحمد العلمي، المجلد الأول، صفحات: 239- 278.]



جهود علماء المالكية في محاورة أهل الكتاب


بقلم سمير قدوري

منذ زمان وفي االنية أن أجمع شتات أخبار محاورات المالكية وما ألفوه في الجدل مع أهل الكتاب، ويثنيني عن ذلك الغرض أشغال وعوائق الدهر إلى أن دعاني الأخ الباحث فضيلة الدكتور محمد العلمي للمشاركة في هذه الندوة المباركة فقبلت دعوته وشكرته على حسن ظنه بي. فشمرت على ساعد الجد واحتفلت بالموضوع أيما احتفال فحشدت فيه كل صغيرة وكبيرة لها صلة بذلك وقفت عليها ونظمت جميع ذلك في عقد متسللة حلقاته تسسلا زمنيا حسب تراجم من له من علماء المالكية مناظرة أو تأليف في مجادلة أهل الكتاب منذ القرن الثالث للهجرة النبوية وإلى القرن الحادي عشر.


آثار المالكية في محاورة أهل الكتاب بالقلم واللسان

لقد استقصيت بقدر الوسع خبر جميع مناظرات المالكية مع اليهود والنصارى فسقت عدة منها بنصها واكتفيت ببيان موضع غيرها لمن شاء الاطلاع عليها لأن في اجتلاب سائرها طول ومشقة، كما أحصيت جميع ما بلغني خبره من مؤلفات المالكية في الجدل مع اليهود والنصارى وسجلت عنوانها وبينت هل هي موجودة أو مفقودة، فإن وجدت بينت هل هي مخطوطة أم مطبوعة.
وقد سلكت في التعريف بالأعلام مسلكا قريبا إذ اقتصرت في الترجمة لأحدهم على الإحالة على مصادر أو مراجع يسيرة العدد مشهورة يسهل الوصول إليها أجدها تكفي لرفع الجهالة عنه لأن في استقصاء مصادر ترجمة كل عالم عالم ضربا من التكلف والترف العلمي، ما دام غرضنا يحصل إن شاء الله بأيسر من ذلك، فتركنا ذلك التفصيل ليس جهلا منا بمضان التعريف بعلماء المالكية ولكن اقتصادا للجهد والوقت فقط.

[1] جهود الفقيه محمد بن سحنون (202هـ - 256هـ) في محاورة أهل الكتاب
أ- قصة مناظرته ليهودي صاحب حمام بمصر كانت له دراية بعلم الكلام:
كان رجل من أصحاب ابن سحنون قد حج فاجتمع مع يهودي صاحب حمام وناظره في أصول الدين فوجده قويا، ثم وصل القيروان فلما عزم ابن سحنون على الحج قال الرجل أحج معه حتى أجمع بينهما، فلما وصل معه لمصر قال له: حفظك الله إن أهل مصر إذا سمعوا بك يأتون إليك فهل لك أن تدخل الحمام؟ قال: أجل، فقصد به حمام ذلك الرجل اليهودي، فلما قرب خروج ابن سحنون خرج الرجل صاحبه قبله وأنشب مع اليهودي المناظرة، فلما خرج ابن سحنون وجد اليهودي أقوى من صاحبه، فأزاله وأخذ يناظره حتى كانت صلاة الظهر فصلاها محمد بن سحنون ثم رجع فلما طلع الفجر وانقطع اليهودي في الحجة، وخرج ابن سحنون وهو يمسح العرق عن وجهه وشاع بمصر ألا أن اليهودي قد أسلم على يدي محمد بن سحنون.
ب- ألف محمد بن سحنون كتابا في الرد على النصارى موسوم بـ: الحجة على النصارى.
[2] عُزَيز بن محمد بن عبد الرحمن الأندلسي (كان حيا في سن عالية سنة 303هـ)
هو فقيه من أهل مالقة يكنى أبا هريرة له تأليف موسوم بـ: الرد على أهل الكتاب من الكُتَّاب. لم يصلنا.
[3] عبد الله بن إسحاق بن التبان القيرواني (ت. 371هـ) وقصة مناظرته لنصراني
رُوِي أن نصرانيا وفد على عبد الله بن محمد الكاتب صاحب القيروان وكان النصراني رأسا في مذهبه، فبعث عبد الله الكاتب إلى أبي محمد عبد الله بن التبان ليناظره، فلما جلس معه مجلس المناظرة قال أبو محمد بن التبان لعبد الله الكاتب: إن اخترت أن أطيل معه أطلت وإلا أوجزت فقال له: أوجز، فقال أبو محمد لترجمانه قل له: أنتم تعتقدون ثلاثة؟ قال نعم. فقال له: أخبرني الواحد مفتقر إلى اثنين، أو مستغن عنهما؟ فضرب النصراني على وجهه وأطرق وعليه كآبة الانقطاع.
[4] مناظرات القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني (ت.403هـ) للروم
في عشر التسعين من المائة الرابعة وجه عضد الدولة في بعض سفراته، إلى ملك الروم الأعظم، القاضي أبا بكر ابن الطيب الباقلاني، واختصه بذلك، ليظهر رفعة الإسلام، ويغض من النصرانية.
قال القاضي: فخرجت. فدخلنا بلاد الروم، حتى وصلت إلى ملك الروم بالقسطنطينية، وأُخبر الملك بقدومنا. فأرسل إلينا من تلقانا، وقال: لا تدخلوا على الملك بعمائمكم، حتى تنزعوها. إلا أن تكون مناديل لطاف، وحتى تنزعوا أخفافكم. فقلت: لا أفعل، ولا أدخل، إلا بما أنا عليه من الزي، واللباس. فإن رضيتم، وإلا فخذوا الكتب تقرأونها، وأرسلوا بجوابها وأعود به. فأُخبر بذلك الملك، فقال: أريد معرفة سبب هذا وامتناعه عما مضى عليه رسمي مع الرسل. فسُئل القاضي عن ذلك. فقال: أنا رجل من علماء المسلمين، وما تحبونه منا ذلّ وصغار، والله تعالى قد رفعنا بالإسلام وأعزّنا بنبينا محمد . وأيضاً فإن من شأن الملوك، إذا بعثوا رسلهم إلى ملك آخر، رفع أقدارهم، لا إذلالهم. سيما إذا كان الرسول من أهل العلم. ووضع قدره انهدام جانبه، عند الله تعالى، وعند المسلمين. فعرّف الترجمان الملك بذلك، فقال : دعوه يدخل ومن معه كما يشاءون. وقد أخبرنا صاحبكم في كتبه: إنك لسان المسلمين والمناظر عنهم، وأنا أشتهي أن أعرف ذلك وأسمعه منك، كما ذكروه عنك. قلت: إذا أذن الملك، فقال: انزلوا حيث أعددت لكم، ويكون بعد هذا الاجتماع.
قال القاضي: فنهضنا إلى موضع أُعدّ لنا. فلما كان يوم الأحد، بعث الملك في طلبي، وقال: من شأن الرسول حضور مائدة الملك. فنحب أن تجيب إلى طعامنا ولا تنقض كل رسومنا. فقلت لرسوله: أنا من علماء المسلمين، ولست كالرسل من الجند وغيرهم، الذين لا يعرفون ما يجب عليهم في هذا الموطن. والملك يعلم أن العلماء لا يقدرون أن يدخلوا هذه الأشياء، وهم يعلمون، وأخشى أن يكون على مائدته من لحوم الخنازير، وما حرمه الله تعالى على رسوله، وعلى المسلمين? فذهب الترجمان، وعاد إليّ وقال: يقول لك الملك: ليس على مائدتي، ولا في طعامي شيء تكرهه. وقد استحسنت ما أتيت به، وما أنت عندنا كسائر الرسل، بل أعظم، وما كرهت من لحوم الخنزير، إنما هو خارج من حضرتي بيني وبينه حجاب. فنهضت على كل حال. وجلست وقدّم الطعام، ومددت يدي وأوهمت الأكل، ولم آكل منه شيئاً مع أني لم أرَ على مائدته ما يكره.

المجلس الأول من مجالس المناظرة
قال القاضي: فلما فرغ من الطعام، بخّر المجلس وعطّره، ثم قال: هذا الذي تدعونه في معجزات نبيّكم من انشقاق القمر، كيف هو عندكم ?
قلت: هو صحيح عندنا، وانشقّ القمر على عهد رسول الله ، حتى رأى الناس ذلك . وإنما رآه الحضور، ومن اتفق نظره إليه في تلك الحال.
فقال الملك: وكيف لم يره جميع الناس ?
قلت: لأن الناس لم يكونوا على أهبة ووعد لشقوقه وحضوره.
فقال: وهذا القمر بينكم وبينه نسبة وقرابة ? لأي شيء لم تعرفه الروم وغيرها من سائر الناس ، وإنما رأيتموه أنتم خاصة ?
قلت: فهذه المائدة بينكم وبينها نسبة ? وأنتم رأيتموها دون اليهود، والمجوس والبراهمة ، وأهل الإلحاد ، وخاصة يونان جيرانكم ، فإنهم كلهم منكرون لهذا الشأن ، وأنتم رأيتموها دون غيركم .
فتحيّر الملك وقال بكلامه: سبحان الله، وأمر بإحضار فلان القسيس ليكلمني. فلم أشعر إذ جاؤوا برجل كالذئب أشقر الشعر مسبله، فقعد، وحُكِيَتْ له المسألة فقال: الذي قاله المسلم لازم، هو الحق لا أعرف له جواباً إلا ما ذكره.
فقلت له: أتقول إن الكسوف إذا كان، يراه جميع أهل الأرض أم يراه أهل الإقليم الذي بمحاذاته ? قال : لا يراه إلا من كان في محاذاته .
قلت : فما أنكرت من انشقاق القمر ، إذا كان في ناحية لا يراه إلا أهل تلك الناحية ، ومن تأهب للنظر له ? فأما من أعرض عنه ، وكان في الأمكنة التي لا يرى القمر منها فلا يراه . فقال: هو كما قلت. ما يدفعك عنه دافع . وإنما الكلام في الرواة الذين نقلوه. وأما الطعن في غير هذا الوجه ، فليس بصحيح.
فقال الملك : وكيف يطعن في النقلة ? فقال النصراني : شبه هذا من الآيات، إذا صح، وجب أن ينقله الجم الغفير ، إلى الجم الغفير ، حتى يتصل بنا العلم الضروري به، ولو كان كذلك ، لوقع إلينا العلم الضروري به . فلما لم يقع لنا العلم الضروري به ، دلّ أن الخبر مفتعل باطل .
فالتفت الملك إليّ وقال: الجواب.
قلت : يلزمه في نزول المائدة ، ما يلزمني في انشقاق القمر ، ويقال له لو كان نزول المائدة صحيحاً ، لوجب أن ينقله العدد الكثير ، فلا يبقى يهودي ولا نصراني ولا ثنوي إلا ويعلم هذا بالضرورة . ولما لم يعلموا ذلك بالضرورة ، دلّ أن الخبر كذب. فبهت النصراني والملك ، ومن ضمه المجلس . وانفض المجلس على هذا.
المجلس الثاني من مجالس المناظرة
قال القاضي: ثم سألني الملك في مجلس ثانٍ، فقال : ما تقولون في المسيح عيسى بن مريم ?
قلت روح الله، وكلمته، وعبده، ونبيه، ورسوله. كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له: كن، فيكون. وتلوت عليه النص .
فقال: يا مسلم تقولون: المسيح عبد، فقلت: نعم، كذا نقول، وبه ندين. قال: ولا تقولون إنه ابن الله ? قلت: معاذ الله، إنكم لتقولون قولاً عظيماً . فإذا جعلتم المسيح ابن الله، فمن أبوه وأخوه وجده وعمه وخاله. وعددت عليه الأقارب.
فتحيّر وقال: يا مسلم ، العبد يخلق ، ويحيي ويميت ويبرئ الأكمه والأبرص ?
قلت: لا يقدر العبد على ذلك وإنما ذلك كله من فعل الله ّ .
قال: وكيف يكون المسيح عبداً لله وخلقاً من خلقه، وقد أتى بهذه الآيات، وفعل ذلك كله ? قلت : معاذ الله ما أحيى المسيح الموتى ولا أبرأ الأكمه والأبرص .
فتحيّر وقلّ صبره، وقال: يا مسلم، تنكر هذا مع اشتهاره في الخلق، وأخذ الناس له بالقبول?
فقلت: ما قال أحد من أهل الفقه والمعرفة، إن الأنبياء ، يفعلون المعجزات من ذاتهم. وإنما هو شيء يفعله الله تعالى على أيديهم، تصديقاً لهم، يجري مجرى الشهادة.
فقال: قد حضر عندي جماعة من أولاد نبيّكم، وأهل دينكم المشهورين فيكم، وقالوا، إن ذلك في كتابكم.
فقلت: أيها الملك، في كتابنا أن ذلك كله بإذن الله، وتلوت عليه منصوص القرآن في المسيح : ( بإذن الله ) وقلت : إنما فعل ذلك كله بإذن الله وحده لا شريك له ، لا من ذات المسيح . ولو كان المسيح يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص من ذاته، لجاز أن يقال : موسى ، فلق البحر ، وأخرج يده بيضاء من غير سوء من ذاته . وليست معجزات الأنبياء من ذاتهم وأفعالهم ، دون إرادة الخالق . فلما لم يجز هذا، لم يجز أن تسند المعجزات التي ظهرت على يد المسيح إليه.
فقال الملك: وسائر الأنبياء كلهم من آدم، إلى من بعده كانوا يتضرّعون للمسيح ، حتى يفعل ما يطلبون.
قلت: أوَ في لسان اليهود عظم، لا يقدرون أن يقولوا إن المسيح كان يتضرّع إلى موسى? وكل صاحب نبي يقول: إن المسيح كان يتضرع إلى نبيه، فلا فرق بين الموضعين في الدعوى.
المجلس الثالث من مجالس المناظرة
قال القاضي: ثم تكلمنا في مجلس ثالث فقلت له: أتحد اللاهوت بالناسوت?
قال: أراد أن ينجي الناس من الهلاك.
قلت له: درى بأنه يُقتل ويُصلب ويُفعل به كذا ولم يؤمن به اليهود ? فإن قلت إنه لا يدري ما أراد اليهود به، بطل أن يكون إلهاً. وإذا بطل أن يكون إلهاً، بطل أن يكون ابناً، وإن قلت قد درى ودخل في هذا الأمر على بصيرة، فليس بحكيم، لأن الحكمة تمنع من التعرض للبلاء. فبهت . وكان آخر مجلس كان لي معه.
وذكر ابن حيّان القرطبي المؤرخ عمن حدثه أن الطاغية ، وعد القاضي أبا بكر بالاجتماع معه في محفل من محافل النصرانية ليوم سمّاه. فحضر أبو بكر وقد احتفل المجلس، وبولغ في زينته، فأدناه الملك وألطف سؤاله، وأجلسه على كرسيه، دون سريره بقليل. والملك في أبهته وخاصته ، عليه التاج ، والذرية ورجال مملكته ، على مراتبهم . وجاء البطرك قيم ديانتهم ، وقد أوعد الملك إليه في التيقظ ، وقال له : إن فناخسرو ملك الفرس ، الذي سمعت بدهائه وبكرامته ، لا ينفذ إلا من يشبهه في نحلته وحيلته . فتحفظ منه . وأظهر دينك . فلعلك تتعلق منه بسقطة، أو تعثر منه على زلة تقضي بفضلنا عليه. فجاء البطرك قيم الديانة ، وولي النِّحلة. فسلم القاضي عليه أحفل سلام . وسأله أحفى سؤال، وقال له: كيف الأهل والولد? فعظم قوله هذا عليه ، وعلى جميعهم وتغيروا له ، وصلبوا على وجوههم ، وأنكروا قول أبي بكر عليه ، فقال : يا هؤلاء تستعظمون لهذا الإنسان اتخاذ الصاحبة والولد ، وتربئون به عن ذلك ، ولا تستعظمونه لربكم ، عزّ وجهه ، فتضيفون ذلك إليه ? سوءة لهذا الرأي ما أبين غلطه . فسقط في أيديهم ، ولم يردوا جواباً . وتداخلتهم له هيبة عظيمة ، وانكسروا ، ثم قال الملك للبطرك : ما ترى في أمر هذا الشيطان. قال : تقضي حاجته ، وتلاطف صاحبه ، وتبعث بالهدايا إليه ، وتخرج العراقي عن بلدك من يومك إن قدرت . وإلا لم آمن الفتنة منه على النصرانية. ففعل الملك ذلك وأحسن جواب عضد الدولة ، وهداياه ، وعجل تسريحه ، ومعه عدة من أسارى المسلمين والمصاحف. ووكل بالقاضي من جنده من يحفظه ، حتى وصل إلى مأمنه . قال غيره : وكان سير القاضي إلى ملك الروم ، سنة نيف وثمانين وثلاثمائة.

وللقاضي أبي بكر الباقلاني(ت.403هـ) كلام في نقض عقائد النصارى في كتاب التمهيد، له. وهو مطبوع.

[5] جواب أبي الوليد الباجي(ت.474هـ) على رسالة راهب إفرنسة.
والرسالتان نشرتا معا أربع مرات اعتمادا على مخطوطة وحيدة في الأسكوريال رقم 538.

[6] مناظرة محمد بن فرج مولى ابن الطلاع القرطبي(ت.497هـ) لنصراني من طليطلة
ورد نصراني قرطبة وطلب المناظرة، فاتفق أن اجتمع بابن الطلاع فقال له النصراني: ما تقول في عيسى؟ فقال له ابن الطلاع: لعلك تريد المبشر بمحمد؟ فانقطع النصراني.


[7] أبو الحجاج يوسف بن موسى الضرير السرقسطي(ت.520هـ) نزيل مراكش ومناظرته لبعض أحبار اليهود.
قال أبو الحجاج الضرير: "حضرني يوما بعض أحبار اليهود فتكلم في التعديل والتجوير وجاء بتخليط كثير وكان مما أحاله وأنكره أن يكون الله تعالى يأمر بما لا يريد كونه. فقلت له: أليس قد أمر الخليل أن يذبح ابنه؟ فقال: بلى. فقلت: فهل أراد ذبحه؟ فقال: لا. فانقطع لوقته وأمسك لحينه."
[8] جهود الفقيه أبي بكر الفهري الطرطوشي (ت.520هـ) في الجدل مع اليهود

قال القاضي أبو بكر ابن العربي في رحلته الصغرى: "وكنا نفاوض الكرامية، والمعتزلة، والمشبهة، واليهود. وكان لليهود بها(يعني بيت المقدس) حبر منهم يقال له التستري، لقنا فيهم، (...) وقد حضرنا يوما مجلسا عظيما فيه الطوائف، وتكلم التستري الحبر اليهودي على دينه، فقال: اتفقنا على أن موسى نبي مؤيد بالمعجزات، معلم بالكلمات، فمن ادعى أن غيره نبي، فعليه الدليل. وأراد [اليهودي] من طريق الجدل أن يرد الدليل في جهتنا حتى يطرد له المرام، وتمتد أطناب الكلام.
فقال له الفهري: إن أردت به موسى الذي أيد بالمعجزات وعلم الكلمات، وبشر بمحمد، فقد اتفقنا عليه معكم، وآمنا به وصدقناه، وإن أردت به موسى آخر، فلا نعلم من هو؟
فاستحسن ذلك الحاضرون، وأطنبوا بالثناء عليه، وكانت نكتة جدلية عقلية قوية، فبهت الخصم، وانقضى الحكم."
ولأبي بكر الطرطوشي أيضا كتاب: السعود في الرد على اليهود . لم يصلنا.

[9] جهود أبي عبد الله محمد بن علي المازري في الرد على النصارى:

ذكر المازري في باب الإمامة من شرح التلقين أنه صنف كتابا سماه (قطع لسان النابح في المترجم بالواضح)، حيث قال : وهو كتاب نقضنا فيه كتابا ألفه بعض حذاق نصارى المشرق قصد فيه إلى جمع المطاعن التي تشبت بها الملحدون وقذفها الطاعنون على ديننا وأضافوها إلى العقل والنقل فاكتفينا بذكرها هناك عن ذكرها هاهنا لاشتغال أهل الأصول عن الخوض فيها دون اهل الفروع.

وذكر ذلك المازري نفسه في كتاب المعلم قائلا عن كتابه: "هو كتاب نقضنا فيه كلام رجل وصف نفسه بأنه من علماء المسلمين ثم ارتد وأخذ يلفق قوادح في الإسلام فنقضنا أقواله في هذا الكتاب".
ومن قوادحه أنه أخذ حديث أنس بن مالك حيث قال: جمع القرآن على عهد النبي أربعة كلهم من الأنصار: معاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبو زيد أحد عمومة أنس. (أخرجه مسلم في صحيحه في باب فضائل أب بن كعب وجماعة من الأنصار رضي الله تعالى عنهم في كتاب فضائل الصحابة).
وحين شرح المازري هذا الحديث أشبع الكلام فيه واستهله بجواب سلم فيه أنه لم يحفظ القرآن في عهد رسول الله إلا الأربعة المذكورين.
فقال: "هذا الحديث مما ذكره بعض الملاحدة في مطاعنها وحاولت بذلك القدح في الثقة بنقل القرآن ولا مستروح لهم في ذلك لأنا لو سلمنا أن الأمر كما ظنه وأنه لم يكمل القرآن سوى أربعة فإنه قد جمع أجزاءه مئون لا يحصون وما من شرط كونه متواترا أن يحفظ الكل الكل بل الشيء الكثير إذا روي كل جزء منه خلق كثير علم ضرورة وحصل متواترا ولو إن قفا نبك روى كل بيت مائة رجل مثلا ولم يحفظ كل مائة سوى البيت الذي روته لكانت متواترة فهذا الجواب عن قدحهم."

[10] جهود القاضي عبد الملك بن مسرة بن عزيز اليحصبي القرطبي(ت.552هـ)
ذكر ابن خير في فهرسته أن لأبي مروان عبد الملك بن مسرة قاضي الجماعة بقرطبة رسالة ميزان الصدق المفرق بين أهل الباطل وأهل الحق، ألفها حوابا على كتاب أساقفة النصارى إليه مع قصيدة له نظمها في معنى هذه الرسالة . ولم يصلنا من ذلك شيء.

[11] جهود عبد الله بن سهل الغرناطي(كان حيا سنة 553هـ) في مناظرة النصارى
أبو محمد عبد الله بن سهل عني بعلم القرآن والنحو والحديث عناية تامة ثم شهر بعد ذلك بالمنطق والعلوم الرياضية وسائر العلوم القديمة وعظم بسببها وأجمع المسلمون واليهود والنصارى أن ليس في زمانه مثله. وكانت النصارى تقصده من طليطلة تتعلم منه أيام كان ببياسة، وله مع قسيسهم مجالس في التناظر حاز فيها قصب السبق.

[12] جهود أبي جعفر أحمد بن عبد الصمد الخزرجي القرطبي(ت582هـ) في الرد على النصارى ومناظرة اليهود
ألف الفقيه الخزرجي المذكور رسالة شهيرة في الرد على قسيس قوطي من طليطلة سماها مقامع هامات الصلبان ورواتع روضات الإيمان، وقد طبعت ثلاث طبعات وعليها دراسات كثيرة. لكن يهمنا الآن سوق نص مناظرة أحمد بن عبد الصمد الخزرجي لأحد علماء اليهود وردت في ثنايا الرسالة.
قال الخزرجي: "في المصحف الخامس من التوراة الذي بأيديكم إلى اليوم قال الله لموسى بن عمران: "إني أقيم لبني إسرائيل من إخوتهم نبيا مثلك، أجعل كلامي على فيه، فمن عصاه انتقمت منه."
فإن قلت: أن ذلك هو يوشع بن نون. قيل لك: قال الله في آخر التوراة، أنه لا يخلف من بني إسرائيل نبيا مثل موسى . فلا محالة أن الذي بشرت به التوراة لا يكون من بني إسرائيل، لكن من إخوة بني إسرائيل، ولا محالة أنهم العرب و الروم، فأما الروم فلم يكن منهم نبي سوى أيوب، وكان قبل موسى بزمان، فلا يجوز أن يكون هو الذي بشرت به التوراة، فلم يبق إلا العرب، فهو إذن محمد . وقد قال الله في التوراة، حين ذكر إسماعيل جد العرب، أنه يضع فسطاطه في وسط بلاد إخوته. فكنى عن بني إسرائيل بإخوة إسماعيل، كما كنى عن العرب بإخوة بني إسرائيل في قوله:" سأقيم لبني إسرائيل من إخوتهم مثلك".
وقد ناظرني يوما أحد أحبار اليهود، وأهل الذكاء منهم في هذا فقال:" هذا كله صحيح لا أجد اعتراضا عليه، غير أنه قال: سأقيم لبني إسرائيل، ولم يكن محمد[نبيا] إلا للعرب".

فقلت له: ما على الأرض أحد يجهل أن محمدا قال: "بعثت إلى الأبيض والأسود، والعبد والحر، و الذكر و الأنثى". وهذا كتابه ينطق أنه مبعوث إلى الخلق كافة، فلو أمكنك أن تقول:"إنه ادعى أنه مبعوث إلى العرب خاصة، لكانت لك حجة".
فقال: "لا يمكنني ولا غيري دفع ذلك، وبذلك أخبرنا أسلافنا من اليهود عنه أنه قال: بعثت إلى الخلق كافة. إلا فرقة من فرق اليهود يقال لها العيسوية تقول بنبوته ومعجزاته، وتنكر أنه بعث إلى غير العرب، ولسنا على شيء مما هم عليه. ثم عطف على يهودي إلى جنبه وقال له: نحن قد جرى نشؤنا على اليهودية، وبالله ما أدري كيف نتخلص من هذا العربي؟ إلا أنه أقل ما يجب علينا أن نأخذ به أنفسنا النهي عن ذكره بسوء" .

[13] قصيدة الفقيه أبي الأصبغ عيسى بن موسى ابن عمر بن زروال الشعباني ثم الغرناطي( توفي قبل سنة 575هـ) في الرد على نقفور فوقاس عظيم الروم
لم تصلنا ولكن وصلنا قصيدة نقفور فوقاس ورد الفقيه الشافعي أبي بكر القفال الشاشي عليها ورد الإمام ابن حزم أيضا في طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي، وفي البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي.



[14] جهود أبي الطاهر إسماعيل بن مكي بن إسماعيل بن عيسى ابن عوف (ت 581هـ) في الرد على النصارى.
كان ابن عوف إمام عصره وفريد دهره في الفقه على مذهب مالك بيتهم بثغر الإسكندرية بيت كبير شهير بالعلم، وكان ابن عوف هذا ربيب الإمام أبي بكر الطرطوشي، قيل إن خالته كانت تحت الطرطوشي وعليه تفقه وبه انتفع في علوم شتى. قال ابن هلال: رأيت له مجلدا في الرد على المتنصر، وهذا المتنصر رجل يدعي العلم وليس من أهله صنف كتابا سماه الفاضح، واعتقد أنه نقد الشريعة المحمدية، وادعى فيها تناقضا في الأحكام. وكان جاهلا مصحفا فمما صحف قوله : "تمرة طيبة وماء طهور" بقوله "خمرة طيبة" وقال: انظر كيف يقول خمرة طيبة وهو يحرم شرب الخمر؟ وصنف الإمام المازري ردا سماه : قطع لسان النابح."

[15] الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام تأليف أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصاري القرطبي (ت. 656هـ).

طبع هذا الكتاب وحقق مرات متكررة جزئيا وكليا منسوبا لغير مؤلفه، إذ لم ينجح جل محققيه في الوقوف على هوية القرطبي مؤلفه، بل نسبوا الكتاب إلى القرطبي المفسر، تقليدا منهم لإسماعيل باشا البغدادي ، و لكارل بروكلمان . وقد روج الدكتور القصبي محمود زلط لهذا الرأي في دراسة له حول القرطبي المفسر فقال ما نصه: "ومنها- يعني كتب القرطبي المفسر- الإعلام بما في دين النصارى من المفاسد و الأوهام وإظهار محاسن دين الإسلام، ولقد أشار البغدادي إلى هذا الكتاب في هدية العارفين، وحدد بروكلمان مكان هذا الكتاب فذكر في كتابه تاريخ الأدب العربي أنه يوجد منه نسختان خطيتان بمكتبة كوبريلي بتركيا تحت رقم 794 ورقم 814" .
أولا تحقيق البابين الأول و الثاني من كتاب الإعلام وترجمتهما للسان الفرنسي، على يد الباحث بول دوفيلارPAUL DEVILLARD، وكان عمله ذاك بمثابة رسالة للدكتوراه نوقشت في شهر يناير عام 1970م بجامعة إكس من بروفنس AIX EN PROVENCE بفرنسا، واعتمد على مخطوطة واحدة هي نسخة كوبريلي رقم 794. وسنناقشه لاحقا فيما قاله بشأن هوية المؤلف و تاريخ تأليف الكتاب.
ثانيا تحقيق نفس البابين من الكتاب من طرف الباحث علي بوعمامة، اعتمادا على مخطوطتين هما نسختا خزانة كوبريلي رقم 794، ورقم 814، ونال بذلك درجة الدكتوراه من جامعة ستراسبورغ Strasbourg من فرنسا سنة 1976م، و قد نسب الكتاب خطأ إلى القرطبي المفسر.
ثالثا تم تحقيق الكتاب كاملا اعتمادا على مخطوطة كوبريلي رقم 794، على يد الدكتور أحمد حجازي السقا، وهو تحقيق سقيم لأن المحقق يتجاسر على تحريف النص كلما عن له ذلك، و قد طبع الكتاب لأول مرة بالقاهرة سنة 1980م، و لم يجزم السقا بنسبة الكتاب إلى القرطبي المفسر، لكنه تراجع في كتبه الأخرى فنسبه له. وقد شحن أول الكتاب وآخره بكلام ممل لا طائل ورائه دأب على تكريره في جميع تآليفه وتحقيقاته، وكان يجب عليه بدل ذلك القيام بتحقيق البحث في نسبة الكتاب لمؤلفه ووضع الكتاب في سياقه التاريخي و الأدبي. ومع ذلك فلهذه النشرة الفضل الكبير في تداول القارئ العربي للكتاب وخروجه من حيز النسيان، وإن كان المحقق قد قصر في خدمة النص، وتخريج منقولات المؤلف عن المصادر الإسلامية وغيرها.
رابعا تحقيق، القسم الثاني من الباب الثالث من الكتاب على يد الباحث التونسي عبد الله الخلائفي، في نطاق شهادة الكفاءة في البحث تحت إشراف الدكتور عبد المجيد الشرفي (تونس) عام 1981م، واعتمد الباحث على ثلاث نسخ من الإعلام ، ولم يفلح الخلائفي كسابقيه في التعرف على هوية القرطبي مؤلف الإعلام بل حوم بين قول دوفيلار و أقوال البغدادي و كارل بروكلمان المذكورة فيما سبق.
خامسا حقق الكتاب كاملا على يد الباحث فايز سعيد صالح عزام في نطاق الدكتوراه لسنة 1405هـ- 1985م بجامعة أم القرى، وقد نسب الإعلام غلطا للقرطبي المفسر، واعتمد في تحقيقه على نسخة مخطوطة واحدة فقط .
وهكذا تعاقبت على الكتاب التحقيقات تلو التحقيقات دون أن يفلح أحد ممن ذكرنا في التعرف على هوية المؤلف. ثم شاء الله أن يتمكن كاتب هذه السطور في ربيع سنة 1999م من التعرف على هوية المؤلف وإقامة البرهان على أنه هو أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصاري القرطبي صاحب كتاب المفهم، ونشرت مقالين حول هذا الاكتشاف، أحدهما باللغة العربية ونشرته جريدة العَلَم (بالمغرب) ، والثاني باللغة الأسبانية ونشر سنة 2000م بمجلة القنطرة (بمدريد).
وبعد ذلك بيسير قام أحمد آيت بلعيد بدراسة وتحقيق المبحث الخاص بإثبات نبوة محمد من كتاب الإعلام، وترجمة ذلك للسان الأسباني، ونال بعمله ذاك درجة الدكتوراه من جامعة كمبلوتينسي (Complutense) بمدريد، سنة 2002م، وقد نوهت اللجنة التي ناقشت الأطروحة بعمل الباحث. ثم طبع القسم العربي من تحقيقه بدار الكتب العلمية، بيروت، عام 2004م، وأرفقه بدراسة مقتضبة عن القرطبي كتابه، وبدل في خدمة النص جهدا كبيرا يستحق عليه التقدير والتنويه، فقابل النص المطبوع (سنة 1980م) بما يماثله في مخطوط الخزانة الحسنية، وخرج الأيات القرآنية ومنقولات المؤلف من كتب السنة والسيرة، وخرج نصوص الكتاب المقدس، وشرح بعض الغريب، وعرف بالأعلام الواردة أسماؤهم في النص.

إثبات صحة نسبة كتاب الإعلام لأبي العباس القرطبي

لنبدأ بتصفح ما قاله الدكتور بول دوفيلار بشأن الكتاب ومؤلفه، فقد حاول هذا الباحث دفع نسبة الكتاب للقرطبي المفسر، لكنه أتى بأوهام كثيرة. بيان ذلك أنه انطلق في بحثه من الفقرة التي وصفت بها نسخة كوبريلي 794 في فهرس المخطوطات المصورة بمعهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية، وهذا نصها:" رقم 29. الإعلام بما في دين النصارى من الفساد و الأوهام، وإظهار محاسن دين الإسلام(...) تأليف القرطبي(؟)، وهو رد على كتاب ألفه أحد النصارى سماه " تثليث الوحدانية" بعث به من طليطلة إلى مدينة قرطبة. فرغ منه سنة 684 بالكرك المحروس، نسخة كتبت سنة 879هـ، بخط نسخ جيد واضح[ كوبريلي 794 مكرر(يعني ثاني مجموع)، 107 ورقة، مقاس 18/ 26سم]" .
لقد اغتر دوفيلار بقول المفهرس "بأن الكتاب فرغ منه بالكرك المحروس سنة 684هـ"، فقال كيف يصح نسبة كتاب فرغ من تأليفه سنة 684هـ، للقرطبي المفسر المتوفى سنة 671هـ. و هذا الاستدلال من الدكتور دوفيلار، كان سيكون صائبا لو سلمنا صحة ما ذكره المفهرس، لكن الأمر غير مسلم عندي، فالتاريخ المذكور لا يوجد بآخر كتاب الإعلام، وإنما هو تاريخ فراغ علاء الدين الباجي الشافعي(ت.714هـ)، من تأليف كتاب الأسئلة على التوراة، وهو كتاب مخطوط يقع في آخر المجموع (كوبريلي رقم 794).
إذ نقرأ في آخر كتاب علاء الدين الباجي ما نصه: "قال المصنف : نجز ما يسره الله تعالى على خاطري من الأسئلة على التوراة في العشر الأواخر من شهر ربيع الأول سنة أربع وثمانين و ستمائة، بالكرك المحروس. والصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبد الله وعلى سائر النبيين، وآل كل أجمعين..." .
فلما ظن دوفيلار أنه تمكن من استبعاد فرض كون الإعلام من تأليف القرطبي المفسر، شرع في البحث عن هوية المؤلف الذي لم يرد اسمه في مخطوط كوبريلي وإنما جاء على غلافها أنه الإمام القرطبي. فلما أعيت دوفيلار المطالب، رجع إلى كتاب الأدب الدفاعي والجدلي لمورتس شتاينشنيدرMORITZ STEINSCHNEIDER، فوجده يخصص فقرة لكتاب الأموال الذي ألفه أبو جعفر أحمد بن نصر الروادي(كذا)، المخطوط بالأسكوريال (تحت عدد 1165) والمؤرخ عام 677هـ، قال موريتز :هو كتاب يضم معلومات عن أحكام أهل الذمة"، كما اعتقد أن الكتاب ألف فعلا سنة 677هـ ، فاكتفى دوفيلار بهذه الفقرة وقال، يترجح لدي أن أحمد بن نصر الروادي(كذا) هو مؤلف كتاب الإعلام.
وفي ما ذهب إليه دوفيلار أغلاط كثيرة، بعضها فوق بعض، فمؤلف كتاب الأموال هو أبو جعفر أحمد ابن نصر الداودي، (وليس الروادي)، وهو فقيه مالكي من شمال إفريقية وليس هو من قرطبة، التي لم يدخلها قط، وقد ترجم له القاضي عياض في ترتيب المدارك فقال:"أحمد بن نصر الداودي الأسدي، أبو جعفر. من أئمة المالكية بالمغرب. كان بطرابلس، وبها أصل كتابه في شرح الموطأ، ثم انتقل إلى تلمسان. وكان فقيها فاضلا متقنا مؤلفا مجيدا، له حظ من اللسان و الحديث و النظر، ألف كتاب النامي في شرح الموطأ، والواعي في الفقه، والنصيحة في شرح البخاري، وله كتاب الأموال. توفي بتلمسان سنة 402هـ" .
ويوجد بآخر مخطوطة كتاب الأموال بالأسكوريال، ما نصه:" كان الفراغ من نسخه، نفع الله به، يوم السبت الثالث والعشرين لشهر صفر عام سبعة وسبعين وستمائة، ابتدأ بالنسخ لنفسه، وأكمل له محمد بن محمد بن عبد الرحمن المغيلي"، فهذا دليل على أن تلك النسخة كتبها محمد بن عبد الرحمن المغيلي سنة 677هـ، ثم إن لكتاب الأموال نسخة ثانية بالخزانة العامة بالرباط في مجموع(رقمه 98ق) مؤرخ سنة 540هـ . فلا يعقل أن يكون الداودي المتوفى عام 402هـ، قد ألف كتاب الإعلام المصنف في القرن السابع الهجري، بدليل قول القرطبي مؤلفه فيه: "وهذا دين محمد رسولنا قائم منذ ستمائة سنة ونيف" .
نأتي الآن للكلام على من نسب الإعلام للقرطبي المفسر، فنقول :لقد سكتت نسخ كتاب الإعلام الثلاثة، المعروفة لدينا، عن ذكر اسم المؤلف، واكتفت بنسبته إلى بلده الأصلي قرطبة، فتجد على غلافها: "كتاب الإعلام... للإمام القرطبي(؟)"، وهذا السكوت هو الذي أوهم إسماعيل باشا البغدادي و كارل بروكلمان من بعده، وجميع من قلدهما، بأن الأمر يتعلق بمحمد بن أحمد بن فرح القرطبي(ت. 671هـ) مفسر القرآن، في حين أن اسم المؤلف حفظ بصورة عجيبة بآخر نسخة الإعلام المحفوظة بالخزانة الحسنية بالقصر الملكي بالرباط ، وهي نسخة كتبت بجزيرة جربة بتونس عام 1142هـ، وأول من اكتشفها هو محمد إبراهيم الكتاني ، وأشار إليها في مقال له . جاء بخاتمة تلك النسخة، ما نصه:( وكان الفراغ منه أواخر يوم الخميس، أواخر شهر جمادى الأولى سنة 1142هـ، بجزيرة جربة. وأما الفراغ من نسخ أصله [فكان] ضحوة سادس يوم من شعبان سنة 726هـ بدمشق المحروسة. ووجدت على الأصل المنتسخ منه ما صورته: "قرأته على الإمام العالم الزاهد مصنفه، ، بتاريخ مفتتح عام 628هـ، وكتب الحقير العبد الفقير إلى الله أحمد بن يوسف السلاسي". ووجدت على الأصل أيضا: "بلغت المقابلة بالمُبَيَّضَة و الحمد لله وحده، وذلك على يد الفقير إلى مولاه، الغني به، أحمد بن عمر في العشر الأول لمحرم سنة 617هـ").
حينما قرأت هذا الكلام كان أول شيء تبادر إلى ذهني، أن أحمد بن عمر المذكور في النص ربما هو اسم المؤلف الذي انتسخ لنفسه نسخة من كتابه قام بمقابلتها بالمبيضة ثم سجل على تلك النسخة اسمه وتاريخ فراغه من المقابلة بالمبيضة، والنسخة المذكورة هي التي قرأها أحمد بن يوسف السلاسي على المؤلف وسجل اسمه بآخرها توثيقا لقرائته على الشيخ.
بعد هذا الفرض لزمني البحث عن عالم قرطبي اسمه أحمد ابن عمر، عاش خلال القرن السابع الهجري، وله كتاب في الرد على النصارى يسمى الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام.
أثناء البحث عن العالم القرطبي الذي تتحقق فيه شروط افتراضي، وقع نظري وأنا بمنزل أستاذي مصطفى ناجي على كتاب تلخيص صحيح مسلم لأبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصاري القرطبي(ت.656هـ)، فشد انتباهي تطابق اسمه و بلده الأصلي و عصره، مع الأوصاف التي اشترطت ، فقمت أولا بعقد مقارنة بين أسلوب أبي العباس القرطبي في خطبة كتابه تلخيص صحيح مسلم، وبين أسلوب خطبة كتاب الإعلام، فلاحظت تشابها غريبا بينهما، وعزمت على البحث في كتب التراجم التي ذكر فيها أبو العباس القرطبي لعلي أجد فيها ما يثبت أنه صنف كتابا في الرد على النصارى يسمى الإعلام، لكنني مع الأسف، لم أظفر في تلك المصادر- على كثرثها- بشيء مما أملته، فشرعت بعد ذلك في البحث في كتب أبي العباس نفسه لعلي أعثر على بغيتي هنالك. و بعد تصفح مخطوطات كتابه المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم، بالخزانة العامة بالرباط، جاءت النتائج مذهلة، إذ كان أول شيء وقفت عليه هو جملة من آخر المخطوطة رقم (ق 253) وفيها قول أبي العباس القرطبي: "وقد بينا ذلك في كتابنا في الرد على النصارى" فثابرت على البحث في باقي مخطوطات المفهم ووجدت سبعة مواضع أخرى ذكر فيها عنوان الكتاب بصيغ مختلفة، وعثرت على النصوص نفسها في كتاب المفهم المطبوع ، منها قول أبي العباس القرطبي: "وقد أسبغنا القول في هذا في كتاب الإعلام"، و قوله: "كما نقلنا ذلك في كتابنا المسمى بـكتاب الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإثبات نبوة نبينا محمد ".
ثم خرجت جميع النصوص التي ذكر فيها الإعلام في المفهم، وذلك وقابلتها بما يماثلها من كتاب الإعلام المطبوع ، وعينتها في جدول ألحقته بآخر مقالي بمجلة القنطرة .
زمان ومكان تأليف كتاب الإعلام
في نص كتاب الإعلام ثلاث مواضع دالة على تاريخ تأليف الكتاب لكن بصورة تقريبية فقط، ونحن نستعرض تلك المواضع، ونضيف لها قرائن أخرى خارجية تساعد على تحديد تاريخ التأليف بدقة كبيرة.
أ- قال القرطبي : "وهذا دين محمد رسولنا قائم منذ ستمائة سنة ونيف" .
ب- قال القرطبي: "وهذا دين الإسلام الذي جاء به محمد له ستمائة سنة ونيف من الأعوام" .
هذان الموضعان فتحا الباب لكل الاحتمالات الممكنة بشأن قيمة النيف الذي زاد عن الستمائة سنة، فمن قائل "أن المراد به الخمسين. فيكون الكتاب ألف حوالي 650هـ"، ومن قائل "المراد بالنيف أقل من العشرين، و أن تاريخ التأليف لا يتجاوز 620هـ".
والحق أن القرطبي قد أعطى دليلا يستبعد به الفرض الأول.
ج- قال القرطبي: "أما بعد فقد وقفت وفقك الله على كتاب كتب به بعض المنتحلين لدينا الملة النصرانية سماه كتاب تثليث الوحدانية، بعث به من طليطلة أعادها الله، إلى مدينة قرطبة حرسها الله" . في هذا النص دليل على أن القرطبي ألف الإعلام قبل سقوط قرطبة (سنة 633هـ) ولو كان ألفه بعد سقوطها لوجب أن يقول "قرطبة أعادها الله".
وقد وقفت في كتاب المفهم للقرطبي على نصين استعمل فيهما لفظة النيف بعد المئات، وقد قصد به عددا بين الثلاثة عشر والسبعة عشر، إذ قال بشأن عدد المسلمين الذين شهدوا معركة بدر:
"...لأن النبي كان يوم بدر في ثلاثمائة من أصحابه ونيف، وقيل ثلاثة عشر وقيل سبعة عشر" . يعني أن علماء السير والمغازي اختلفوا في عدتهم على قولين، أولهما أن عدتهم 313 رجلا، والثاني أن عدتهم 317رجلا. والشاهد عندنا هنا أن استعمال القرطبي للنيف يؤيد مذهب من جنح إلى جعل كتاب الإعلام قد صنف قبل عام 620هـ.
ثم تفيدنا نسخة الخزانة الحسنية أن أحمد بن عمر القرطبي كان قد بيض كتابه الإعلام قبل العاشر من محرم سنة 617هـ، وهذا دليل على أن الكتاب ألف قبل سنة 617هـ، بزمن. والراجح عندي أنه ألف الإعلام بقرطبة في تاريخ يقع حوالي 614هـ- 616هـ. لأننا بينا في ترجمته أنه كان بغرناطة عام 614هـ، وأنه بعد هذا التاريخ سمع بعض كتب شيخه القاضي أبي عبد الله ابن المناصف بقرطبة، ولأن القرطبي حين تحدث عن سبب تأليفه للإعلام قال بأن خبر كتاب النصراني نُمِيَ إليه . أي أنه لم يبلغه الخبر في حينه، والسبب في ذلك راجع إلى سفرته حينئذ لغرناطة، فلما عاد لقرطبة أخبره جماعة من أصدقائه بقصة كتاب النصراني وتحديه لعلماء قرطبة، وأنهم أعرضوا عن جوابه، فعاود النصراني مراسلتهم وأفحش في القول وتبجح أمام قومه بأن علماء قرطبة عاجزون عن جوابه. وطلب أصحاب القرطبي منه الرد على النصراني، فامثتل أمرهم، وألف كتابه الإعلام.
ثم حمل كتابه الإعلام معه إلى المشرق عام 618هـ، فلقي استحسانا لدى من تصدى للرد على النصارى.
فأحمد بن إدريس القرافي (ت.684هـ) على رأس قائمة المجادلين الذين استعانوا بالكتاب كثيرا في تأليف الأجوبة الفاخرة.
ثم يليه ابن قيم الجوزية (ت.751هـ) صاحب هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، وهو ربما ينقل عن الإعلام بواسطة كتاب القرافي.
ثم استفاد من الكتاب الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه إظهار الحق وذكره بالاسم.
وكتاب الإعلام خاتمة الردود القرطبية على النصارى لأنه كتب بالأندلس قبل سقوط قرطبة بنحو ستة عشر عاما.

[16] جهود شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي(ت 684هـ)
له كتاب الأجوبة الفاخرة في الرد على أهل الأسئلة الفاجرة في الرد على اليهود والنصارى، طبع عدة مرات. ولا زال بحاجة مع هذا لتحقيق ودراسة جيدين لائقين بقيمة الكتاب. ولعل الله يعين على الاحتساب في عمل ذلك إن شاء الله تعالى.

[17] الحسين بن عتيق ابن رشيق المرسي (ت.696هـ) .
له مناظرة في مسألة الإعجاز في فصاحة القرآن مع راهب من مراكش جاء وجماعة من القسس والرهبان لمرسية من جهة ملك الروم، وصلتنا في كتاب المعيار للونشريسي (طبع ورزارة الأوقاف، ج 11، 155- 158) نقلا عن كتاب الرسائل والوسائل لابن رشيق، وقد أعاد نشرها محمد بنشريفة في كتابه ابن رشيق المرسي حياته وآثاره، صفحات 121- 126، فلتراجع هناك.

[18] جهود محمد بن خليل السكوني الإشبيلي(القرن السابع الهجري) في جواب يهودي
قال السكوني: "وصل ونحن بإشبيلية يهودي من طليطلة فلسفي وذكر أنه ما أتى به من طليطلة مسيرة عشرة أيام أو أكثر من ذلك إلا مسألة عجز الناس عن الجواب فيها فاتفق الاجتماع وحضر الأعيان والأشياخ والكتاب ومن يدعي العلم فقال اليهودي: أتقولون إن الباري تعالى قديم؟ قلنا: نعم. قال: وسمعه قديم؟ قلنا: نعم. قال: فبماذا تعلق سمعه قديم؟ قلنا: نعم. قال: فبماذا تعلق سمعه تعالى في الأزل قبل خلق الخلق وأصواتهم وكلامهم؟ قلت له: تعلق سمعه القديم بكلامه القديم. فبادر اليهودي وقَبَّل يدي فقلت له: وأزيدك أختها وهي أن رؤية البارئ تعالى قديمة أيضا تعلقت في الأزل قبل خلق الخلق بوجوده الأزلي."

[19] جهود محمد بن محمد الكناني الأندلسي (ت. قبل 708هـ) في مناظرة النصارى
أبو عبد الله محمد بن محمد بن لب الكناني من أهل مالقة، يعرف بابن لب كان ذاكرا للعلوم القديمة معتنيا بها عاكفا عليها متقدما في علمها على أهل وقته من الرياضيات والطبيعيات والإلاهيات ذاكرا لمذاهب القدماء حافظا جدا ذاكرا لمذاهب المتكلمين من الأشعرية وغيرهم، فكان معتمده على حفظه في إيراد مناظرته، وكان ذاكرا مع ذلك لأصول الفقه وفروعه، عجبا في ذلك، إذا وردت مسألة أورد ما للناس فيها من المذاهب. قعد آخر عمره بجامع مالقة يتكلم على الموطأ. وكان له أرب في التطواف خصوصا بأرض النصارى يتكلم مع الأساقفة في الدين فيظهر عليهم.

[20] جهود محمد القيسي التونسي(ت.717هـ) في مجادلة النصارى
أسر محمد القيسي التونسي حين كان في شواطئ بلده تونس في غارة للنصارى وحمل لبلادهم ونقل للاردة بأسبانيا حيث قضى سنين في سجنهم تجرب فيه القسس المناظرة مع المسلمين ويوجعونه سبا وضربا حين يفحمهم. ألف كتابه مفتاح الدين والمجادلة بين النصارى والمسلمين من قول الأنبياء والمرسلين والعلماء الراشدين الذين قرأوا الأناجيل بعد فقدانه للبصر فأملاه إملاء والكتاب لا زال مخطوطا .

[21] جهود الفقيه إبراهيم ابن عبد الرفيع التونسي(ت733هـ) في الرد على النصارى.
أبو إسحاق إبراهيم ابن عبد الرفيع قاضي الجماعة بتونس من بيوتات التونسيين، كانت له معرفة بالوثائق والأحكام وله تصانيف منها "الرد على المتنصر".

[22] أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن صفوان المالقي (ت.762هـ)
له أبيات نظمها في الرد على شعر منسوب ليهودي في مسألة القدر.

[23] أبو جعفر أحمد بن علي بن محمد ابن خاتمة الأنصاري المالقي(ت.770هـ)
له أبيات نظمها في الرد على ذلك الشعر المنسوب ليهودي في مسألة القدر.

[24] الفقيه أبو سعيد فرج بن قاسم بن أحمد ابن لب الغرناطي(ت.782هـ)
له أيضا أبيات نظمها في الرد على الشعر المنسوب ليهودي، وجوابه وجواب اللذين من قبله نشره محققا: عبد الله محمد الزيات في مقال: "نصوص أندلسية في الجدل الديني"، مجلة كلية الدعوة الإسلامية (ليبيا)، عدد 19، سنة 2002م، ص 213- 240. فلتراجع هناك. لكن الأبيات في الحقيقة ثمانية لا ستة وردت من المشرق حيث نظمها معتزلي كتم اسمه ولعله الذي يعرف بابن البققي، وقتل بتهمة الزندقة في ولاية تقي الدين ابن دقيق العيد، جعلها على لسان ذمي، ولعلماء المشرق في الرد على شعره خمس قصائد ناظموها هم: علاء الدين الباجي(ت.717)، ونجم الدين الطوفي (ت. 716هـ)، وأحمد بن عبد الحليم بن تيمية (ت.728هـ) وعلاء الدين القنوي (ت. 729هـ)، وشافع بن علي الكناني (ت. 730هـ)، وابن اللبان (ت.749هـ).



[25] محمد بن علي بن عبد الله اللخمي الشقوري الطبيب:
طبيب من أصحاب لسان الدين ابن الخطيب، ولد عام 727هـ، وكان حيا عام 776هـ، وله كتاب: قمع اليهودي عن تعدي الحدود.

[26] مناظرة أبي إسحاق الشاطبي (ت. 790هـ) ويهودي
قال إبراهيم بن موسى الشاطبي: "وقع يوما بيني وبين بعض من يتعاطى النظر في العلم من اليهود كلام في بعض المسائل إلى أن انجر الكلام إلى عيسى ، فأخذ ينكر خلقه من غير أب ويقول: "وهل يكون شيء من غير مادة؟ فقلت له بديهة: "فيلزمك إذا أن يكون العالم مخلوقا من مادة وأنتم معشر اليهود لا تقولون بذلك، فأحد الأمرين لازم إما صحة خلق عيسى من غير أب وإما بطلان خلق العالم من غير مادة. فبهث."

[27] الرد على اليهود لأحد المدجنين بمدينة وشقة الأندلسية ألفه عام 762هـ.
قال مؤلفه الذي لم يعرف اسمه في مقدمته: "فإني لما رأيت تغير الزمان، وفساد أهله، وارتفاع العلم لِعَدْمِ حَمَلَتِه، لا سيما في أرض الشِّرْك التي نحن فيها، عن أهل ملتنا منقطعين، ومن العلم عاريين، ورأيت في بعض الأيام أنه إذا حضر طوائف من اليهود، في المحافل والأوطان، يطلقون ألسنتهم بالكذب، والبهتان، ويطعنون على نبينا محمد ، وينكرون شرعه ونبوته، ويزعمون أن الله سبحانه لم ينزل على أحد من الأمم شرعا ولا كتابا إلا عليهم، ويزعمون أن هاجر أم إسماعيل لم تكن زوجا لإبراهيم ، وإنما كانت سُرِيَتَه. فهم يكذبون التوراة بقولهم ذلك ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون.
وليس العجب من قولهم هذا فقد قالوا على الله أكبر من ذلك إذ تكلموا في الله وفي موسى بالسوء. فأرسل الله عليهم حيات لدغتهم، وقُتِلَتْ منهم خلقٌ كثيرٌ. وكذبوا أيضا نبيهم موسى وأخاه هارون لما أرادا أن يحملاهم إلى أرض كنعان، وأرادوا الهروب من عندهما. ((وقال بعضهم لبعض: نولوا رؤوسنا ونهربوا ونرجعوا إلى مصر. فسمع الله طغيانهم وأراد أن يهلكهم لولا أن موسى تضرع إلى الله سبحانه ودعاه حتى شفعه الله فيهم وتجاوز عنهم لكرامة موسى)). وسأبين ذلك في موضعه من هذا الكتاب.
والرب سبحانه قد نعتهم بذلك بقوله :﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ وبقوله :﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ وقد شهد عليهم قوله تعالى على لسان أَشْعِيَا النبي حيث يقول: ((كَفِّيكُم مصبوغة بالدم وأُصْـبُعَيْكُمْ مَمْلُوءة بالذنوب شَفَتَيْكُم تكلمت بالباطل وألسنتكم قد انسدت بالكذب. يا أولاد السوء يا زرع كاذب)). وسأذكر طرفا من ذلك إذا انتهينا إلى موضعه.
فلما رأيت ذلك سألت الله بتضرع وخضوع أن يؤيدني عليهم ويهديني إلى سبيل الرشاد. فاطلعت على التوراة والزبور وكتب الأنبياء ، واستخرجت منها فصولا وشواهد في الرد عليهم، وذكر كيف وبخهم الله ولعنهم وسماهم كفارا بتحريفهم الكلم عن مواضعه ونقضهم العهد والميثاق الذي أخذ الله منهم، وذكر الزوائد المنصوصة في التوراة. وألفت منها كتابا وسميته بكتاب تأييد الملة. ولم يكن القصد إلى ذكر ذلك من هذه الكتب لعدم وجوده في القرآن العزيز لقوله :﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ إذ من حُكْم الشريعة أن كل قول لا يصح عن الله تعالى أو عن نبي أو أصل مَرْوِيٍّ فهو كذب.
فلا يحل لمسلم أن يجادلهم إلا بما يعلمون، وأن لا يقبل منهم إلا ما يعلم مما نكتبه أسفل هذا، ولا ينبغي لأحد أن يجادلهم بالقرآن وقد نهانا الله عن ذلك: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [وقال تعالى:﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ فالتي هي أحسن ما يعلمونه من التوراة ولا يكذبونه ولا يسبونه] فإنه أجدلهم وأشنأ لهم وأصْوَنُ لكتاب الله الذي لا يمسه إلا المطهرون. فكيف يجادل به أهل الكفر والرجس المكذبون مع زعمهم أنهم لا يعرفونه، ولو عرفوه لكانوا مسلمين. ولكن نذكر معان وآيات مما ذكره في القرآن العزيز، كقصة فرعون حين أمر بذبح أولاد بني إسرائيل واستحيا منهم البنات بسبب ولادة موسى. وكيف أتاه موسى وهارون بالرسالة من عند الله وأظهر على أيديهما الآيات والمعجزات، وذلك قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آَيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ ﴾ وكيف غلبا السحرة وكيف غرق فرعون وجنوده في البحر وأنجى موسى ومن معه أجمعين .
ثم بعد ذلك كيف أمرهم الله أن يدخلوا الأرض المقدسة وعصوا موسى، وماتوا أجمعين الذين كانوا منهم فوق العشرين سنة حاشى يوشع بن نون وكالب بن يُوفَنَّا. والباقون منهم يعني من كان دون العشرين سنة بقوا في الجبل أربعين سنة، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ َافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. فعصوا الله فسماهم الله قوما فاسقين. ثم سألوا موسى أن يسمعهم كلام ربه ويريهم الله جهرة فأخذتهم الصاعقة، وكيف كلم الله موسى وأعطاه الألواح، وكيف كفروا بنوا إسرائيل بالله، وصنعوا عجلا مسبوكا وعبدوه من دون الله. و ذلك قوله تعالى: ﴿ وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ﴾ . ﴿ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى ﴾ وكسر موسى الألواح، ثم بعد ذلك كيف امتحنوا الله في مواضع كثيرة حتى سخط الله عليهم، ولعنهم وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت. وما كان من قصة قارون حين بغى على موسى وهارون وأراد أن يرتفع عليهما ويعزلهما عن الإمامة حتى خسف الله به الأرض وبقومه. واسم قارون بالعبرانية قورح . وكيف بغى بنو إسرائيل على موسى في البرية وعصوا ربهم. ثم سألوا موسى أن يدعو ربه أن يخرج لهم مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسا وبصلها. وكيف قتلوا الأنبياء ونقضوا عهد ربهم وكفروا به. وأمثال هذا في القرآن كثير. ولو ذهبنا إلى ذكر ذلك لخرجنا به عن حد الاختصار، ولطال الكتاب. ولكنه لم يكن القصد إلى ذكر ذلك من شواهد القرآن. ولكن ذكرنا ذلك ليعلم من اطلع على كتابنا هذا أنه لم نعرض عنه عجزا ولا تقصيرا، ولكن لتكون الحجة عليهم أبلغ، ورتبته على خمسة فصول.
الفصل الأول في ذكر إسماعيل وبنيه وكيف نص الله بذكره في التوراة وبارك عليه وعلى ذريته وما وعده من الخير إلى يوم القيامة. وفيه سبعة أبواب.
الفصل الثاني في الرد عليهم في جحدهم الشرائع والنسخ وقولهم: ما أنزل الله كتابا ولا شرعا على من سواهم من الأمم وفيه خمسة أبواب.
الفصل الثالث في فضل محمد وذكره في التوراة وكتب الأنبياء . وفيه خمسة أبواب.
الفصل الرابع في ذكر معجزات نبينا محمد ، والطعن على نبوة موسى، وعلى كثير من أنبياء بني إسرائيل، وعلى التوراة وعلى ملتهم. ولم يكن غرضنا في ذلك سب الأنبياء، ولا ذكر مساوئهم، بل لهم الطهارة والنزاهة من جميع النقائص والآثام، فلا ينبغي أن يظن أنما ذكرنا طعن على الأنبياء، ولكن نذكر تشريفا ورفعة لنبينا محمد ، وليعلم الخصم منهم أن لنا عليهم حجة أبلغ من حجتهم، وطعن أكبر من طعنهم، فلا ينبغي أن يتكلم بذلك عاقل إلا أن تعرض منازعة. ولو عرضت جميع هذه المعاني التي نشرحها ما كانوا ينكرونها فنذكرها لضرورة التفهيم.
الفصل الخامس في ذكر كفرهم وطغيانهم ونقضهم العهد والميثاق الذي أخذ الله منهم وكيف أهلكهم الله ودمرهم وجعلهم في الغالوث الدائم إلى يوم القيامة. ويعني بالغالوث العبودية والذلة التي هم فيها."
سطر المؤلف تاريخ فراغه من كتابه فقال في آخره ما نصه: "وكان الفراغ من تأليفه بمدينة وشقة، يوم الخميس، من ربيع الأول، موافقا لشهر ينير ماض منه ستة وعشرون يوما، عام اثنين وستين وسبع مائة، نفعنا الله به آمين."
لقد حقق الكتاب كاملا وترجم للسان الانجليز سنة 1969 كرسالة دكتوراة في أمريكا.


[28] السيف المحدود في الرد على اليهود للمهتدي عبد الحق الإسلامي السبتي.
ألفه عبد الحق الإسلامي بسبتة سنة 796هـ بعد اعتناقه الإسلام بعدما نشأ في اليهودية. طبع قديما بفاس طبعة حجرية ثم طبع ثلاث طبعات واحدة في بيروت والثانية في دمشق والثالثة في مدريد.

[29] جهود المهتدي عبد الله الترجمان الميورقي نزيل تونس(823هـ).
كان قسيسا إسبانيا من ميورقة ألف بعد إسلامه في تونس كتاب تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب طبع مرتين. الأولى بعناية المستعرب الإسباني ميكل دي إبالثا، مع ترجمة للأسبانية، ومرة ثانية بتحقيق باحث عربي ونشرته دار البشائر في بيروت.

[30] جهود محمد الأنصاري الأندلسي(ق. 9هـ) في مجادلة النصارى.
في سنة 1968 نشر العلامة المغربي محمد المنوني (ت.1999م) مقالا مفيدا في مجلة البحث العلمي العدد 13 السنة الخامسة صص:23- 32. عنوانه: "مناقشات أصول الديانات في المغرب الوسيط والحديث".
ذكر فيه جملة من المؤلفين المغاربة كان لهم باع وبلاء حسن في مناظرة اليهود والنصارى، وذكر من بينهم عالما لا يعرف عنه شيء ذو بال، له رسالة وحيدة فريدة موسومة بـ:" رسالة السائل والمجيب و روضة نزهة الأريب" كان غرضه من تأليفها ذكر طرف مما وقع له من محاورات ساخنة مع أساقفة النصارى بمدن قشتالة، حينما كان -على ما يبدو- أسيرا عندهم أو هاربا من بطش بعض الحكام.
ورسالته ممتعة جدا كتبها بأسلوب أدبي رفيع يكاد يحاكي(حسب رأي الدكتور إحسان عباس ) رسالة الزوابع والتوابع لابن شهيد القرطبي(ت.426هـ)، وقد كان المؤلف ذكيا إذ عرف بنفسه عن طريق مقامة فيها حكاية عن لقاء له عجيب مع محاور ذكي من مؤمني الجن الذي طفق يسأل المؤلف في شتى فنون العلم من نحو وصرف وفقه وبلاغة وشعر وفي كل ذلك يجيب المؤلف أجوبة محكمة نثر فيها جملة من إطلاعه الواسع، وكأنه يقول لقارئ رسالته أنا رجل عربي تعلمت كل هذه العلوم وأتقنتها، ولكن كان من قدر الله علي أن صرت إلى بلاد الروم فمكثت في بلادهم -مرغما- سنين تعلمت فيها لسانهم ودرست كتب دينهم، وأن الروم لما رأوا مني هذا حشروا إلى خفافا وثقالا لمناظرتي، وكنت بحمد الله أرد على أسئلتهم وأفحمهم، مما اضطرهم لاحترام النبي ، وكانوا يقضون حوائجي وكنت أساعد من هناك من المسلمين في قضاء حوائجهم. وقد علم المؤلف إعراض مسلمي زمانه عن العناية بجدل النصارى لذلك لم يفاتح خطابهم في رسالته بمجريات مناظراته للقوم ولكن قدم لذلك ب34 بابا تشبه المقامة، ليأتي في الأخير إلى غرضه من كل الرسالة فينثر في الباب 35 من رسالته مجريات ستة مجالس من مناظراته للأساقفة فيقول: "إنما دعاني لتأليف هذه الرسالة ما يأتي من الفصول الجدلية إن شاء الله، وذلك أني لما رميت بسهم الاضطرار عن قوس من الأقدار إلى بلاد النصارى وطال المقام بين أظهرهم، اطلعت على عنادهم، وفهمت لغتهم وكتابهم، واجتهدت في البحث عن أصول ديانتهم، والقواعد التي هي أس شريعتهم، رأيت من ركاكة نصوصهم، وتضاد منصوصهم ما تمجه العقول ويخالفه صريح المعقول، فلما رأت أساقفتهم أني قد رأيت أحكامهم وفهمت أقلامهم، حشروا إلي خفافا وثقالا وسارعوا إلى مناظرتي ركبانا ورجالا، فدارت بيني وبينهم مجادلات ومحاورات، في مجالس عدة، جلها بقصر ملكهم، وهو ألفنش المعروف بابن الأصفر، ومنها بمنزلي، ومنها بدار رئيس كتبة الملك، وصاحب سره، وهو أعلم من بوطنه، وكان هذا اللعين يهوديا فتنصر وبلغ من الملك مبلغا عظيما، حتى استبد بتدبير ملكه. وها أنا أذكر إن شاء الله بعضا من تلك المجالس على جهة الاختصار والتقريب، لأن ذكرها بأسرها يستدعي طولا.
والقصد بذكر ما أذكر إعلام من لم يمتحن من المسلمين بأباطيلهم وتساويلهم، فإنه إن اضطر أحد إلى مناظرتهم يوما وهو غير عارف بأصولهم، ربما أفحموه وألبسوا له الحق بالباطل، فإن من شأنهم مكابرة العقول، وخلط المنقول بالمعقول.
ولتعلم عافاك الله أن ما في الملل، ولا في جميع الآراء والنحل، أسخف عقولا، ولا أجهل من الروم، ولا ينبغي لمن اضطر إلى مباحثتهم يوما أن يناظرهم إلا بنصوص إنجيلهم، وما بأيديهم من صحف الأنبياء، لأنهم لا يقبلون غير ذلك، ولا يحتاج الماهر فيما ذكر أكثر من تكذيبهم والرد عليهم، ويصون دينه ونبيه، لأنهم –أبادهم الله- مهما ذكرت لهم النبي نفروا وزادوا طغيانا ومعاندة، وسددوا ضروبا من الأهاويس والفرية، لا يقولها إلا أمثالهم من منتقصي الأنبياء ، إذ لا ينكر عليهم ولا على اليهود ذلك، إذ قد صدر منهم من الشتائم في الأنبياء- أعني في بعضهم- ما يكون كافيا في خلودهم في النار".
قال محمد المنوني :" وقد تعددت هذه المجادلات وتناولت:

1- مكانة الدين المسيحي.
2- ومسألة الحلول والاتحاد والتجسد.
3- والسيد المسيح.
4- والشعائر الإسلامية.
5- والدين الإسلامي.
6- وبعض شؤون الآخرة.
7- والفرق بين الروح والنفس.
وباستثناء المجلس الأول فإن المؤلف يحدد البلدان التي عقدت بها المجالس التالية فيذكر أن الثاني كان بمدينة سَلَمَنْقَة، والثالث والسادس كانا بمدينة مَجْرِيط، والرابع ببلد الوليد، والخامس بمدينة شقوبية. وقد كان المجادلون له: أساقفة ورهبان ووعاظ، وشمامسة". انتهى كلام المنوني .
قال محمد الأنصاري في الباب 35 من رسالة السائل والمجيب

المجلس الثالث بمدينة مجريط أعادها الله للإسلام. كان هذا المجلس في شارع قصر الملك، ونحن ننتظر خروجه.

اجتمع إلي [فيه] جماعة من الأساقفة والشمامسة، فقالوا: "إنا سائلوك عن شيء وطالبون جوابك عليه، وهو أنَّـا نعلم أنك تتعاطى شيئاً من علوم شريعتك، وقد اطَّـلعت أيضاً على شريعتنا، وينبغي أن يكون قد ظهر لك الحق، فلم لا تدخل في دين المسيح والعهد الصريح؟ وأنت تعلم فضل المسيح ودينكم يُـثَـبِّته ويقره، وأنتم تقولون إنه "رسول الله وكلمته، ألقاها إلى مريم وروح منه" ، وهذا الكلام يؤذن باتفاقكم معنا إذ قال فيه: "وروح منه"، ونحن نقول: "باسم الآب والإبن وروح القدس"، ثم نقول إلهاً واحداً، فما جوابك عن هذا؟".

قلت: "عَيِّنوا واحداً منكم للكلام عنكم كي أجيبه".

فأشاروا إلى واحد منهم، فقال: "تكلم!"

قلت: أما قولكم إني قد اطَّلعت على الحق، فلعمري إنه لكذلك، ولقد ظهر لي من اضطراب أحوالكم ما لم يكن في علمي، ولا أن واحداً من ولد آدم يقول بمثل قولكم، وسأبين لك ذلك إن شاء الله بعد أن أبين لك ما ذكرت من نص كتابنا.

اعلم أن كل ما وَرَدَ من إضافة [روح] المسيح إلى الله إنما هي إضافة تشريف وتكريم، كما يقال في المسجد بيت الله، ولا شك أن البيوت كلها لله، وإنما خُصَّص المسجد بإضافته إلى الله لشرفه بين البقاع، وأنتم تتعاطون هذا الكلام صباحاً ومساءً، فإضافتكم جل الأمور إلى الله لا إضافة حقيقية، كما زلت بكم القدم في اعتقادها، إذ هو غير الحلول، وربنا يتعالى عن ذلك، فهذا معنى ما ذكرت من نص كتابنا.
وأما ما قُلتَ أنه يظهر لي من حق دينكم، فقد اتضح لي من ذلك ما لا أحتاج معه إلى شاهد غيره على بطلانه وتناقضه، وذلك من الإنجيل الذي بين أيديكم، وهو أنكم تقولون من جهة أنه الله ، ومن جهة أخرى أنه ابن الله.
وهذه القولة الشنعاء لا تستند إلى أصل في دينكم، ولا نُصَّ عليها في كتاب من الكتب التي بين أيديكم بوجه ولا بحال ، بل المنصوص الذي في إنجيلكم على لسان المسيح هو خلاف ما تعتقدون من كل وجه، إذ فيه تكذيبكم على كل حال.
فأول ذلك من رواية يحيى ، أن المسيح لما رأى تكذيب اليهود إياه وإذايتهم له، قال لأصحابه: "اخرجوا بنا إلى بلاد جلجال لعلهم يقبلون مني ما جئت به، لأنه لم يُـقبَل قط نبي بأرضه" . فقد صرَّح ونصَّ أنه نبي غير مقبول منه، فهلاَّ قال: "لم يُقبَل قط إله" كما قال: "لم يٌـقبَل نبي".
وفي فصل آخر منه، لما ذهب إلى مدينة سام ووجد العجوز تبكي على قبر ابنها وقد اشتدّ حزنها [عليه] ، فدعا الله وأحياه لها حتى كلَّمه هو وكلَّمته العجوز، فقالت العجوز وجميع من حضر "إن النبي لنبي كريم" ، فهلاَّ قالوا: "إله" أو هلاَّ ردَّ عليهم فيما قالوه، بل لو علِم بنو إسرائيل منه دعوى الإلهية لقتلوه لحينه، وزادوا في التشنيع عليه، إذ كانوا أحرص الناس على استنقاصه والنَّيـْل منه بقصد تكذيبه، وكانوا يحفظون عليه كل ما يَلفظ، ولو لَفظ بشيء مما تزعمون لكان ذلك قُرة أعينهم، لأنهم كانوا يلتمسون مثـل [ذلك] ليغروا به جهالهم، ولو سمعوا ذلك منه لابتهجوا بذكره تشنيعاً عليه، ولسطَّروه إلى آخر الدهر. ولم يُحفَظ قط عنهم أنهم أنكروا عليه إلا دعوى النبوءة، وهم قومه ورهطه ومباشروه.
وفي فصل من الإنجيل أيضاً أن بني إسرائيل اجتمعوا إليه يطلبون منه معجزة قائلين : "حتى متى يطول دعواك، أظهِر لنا معجزة تدل على صدقك وإلا أرِحنا من نفسك". فقال: "إن القبيلة الفاجرة تطلب مني معجزة، ولست بمعطيها لهم أبداً".
وفي فصل منه أيضاً: "لما جاءت أم السَبْدَيْ بولديها إلى المسيح، فقالت: "أيها المعلم الصالح! جئتك بابني هذين كي تجعل أحدهما عن يمينك والآخر عن يسارك فقال لها: لا تقولي أيها المعلم الصالح! فإنما الصالح الله، وليس جعل ابنيك يميناً ويساراً إلي، إنما ذلك إلى الله ربي ومولاي".
أما أنه معشر المكابرين، قد أقر بأن السعادة والشقاوة بيد الله، وأن له ربا ومولى، وكذلك المرأة المذكورة لم تقل: "يا رب!" وإنما قالت: "أيها المعلم الصالح.
وفي فصل آخر من الإنجيل أيضاً، يقول المسيح فيه للحواريين: "معشر الحواريين! لا تسلكوا في سائر الأجناس، واقتصروا على الغنم الرابضة من بيت إسرائيل، فإنما بعثت لبني إسرائيل خاصة".
فهذا إقرار المسيح في غير ما نصٍّ من الإنجيل كثيرة، تركتُ ذكرها خوف الإطالة، فأتوني بنص واحد أنه قال إنه إله، وأنَّى لكم بما لم يُحفَظ عنه قط، وحاشا لجلاله من ذلك.
ومن الدلائل المكذِّبة لكم وأنتم لا تشعرون، ما اتفق عليه علماؤكم من قصة الصَّـلب [أن المسيح] قال عندما أراد اليهود صلبه: "إلهي! إن نفسي قد جزعت من الموت "
وأن أمه مريم قالت هذا بزعمكم ونقلكم، وهو: "يا رب! إن كان يمكن أن يذوق الموت غير ابني في هذا المقام، فخلِّصه لي " . فإن كان ذلك، فلِم لَم تقل: "يا رب! خلص ولدك أو خلص نفسك"؟
ومن أعجب التخاليط والأغاليط قولكم في الحلول والاتحاد أنه قَصد أن تصلبه اليهود ليخلصهم من النار، ثم أنتم متـفقون معشر المُهَوَّسِين أنه هرب واختفى حين طلبه بنو إسرائيل ليقتلوه ، وأنهم طلبوه ودلهم عليه يهوذا الإشْكَرِيُوتُ بثلاثين درهماً كما في زعمكم .
أنظر إلى هذا التناقض الصريح، إذ لو كان [قصد] بالإلتحام قتل اليهود إياه- كما تزعمون- لم يفر ولم يخف عند وقوع ذلك حتى يُخفي نفسه، أو يدل عليه غيره، والفرار من الموت والاختفاء [من شِيَم] البشر الضعفاء، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
فيا ليت شعري! بأي تأويل وخيم تأولون هذه النصوص الصريحة. نعم، لقد انقطع تأويلكم "وضل عنكم ما كنتم تزعمون" .
فلما [بَلَغْتُ] إلى هذا الحد، رأيت الأسقف كأنه أُلْقِمَ حَجَراً، وكَثُرَ لَغَطُ أصحابه قائلين: "ما قلتَ صحيح، إنه لم يُنَص على ذلك في الإنجيل، ولكن أساقفتنا فهموه من تأويلات وقرائن أحوال".
قلت لهم : "إن مَن يترك نص نَبِيِّهِ في أصل الاعتقاد الذي هو ركن الدين، ويعدل عنه إلى الضلال المبين بتأويلات لا تقوم على ساق من فسادها لأسخف وأجهل من أن يُخاطَب، أو أن يكون من زمرة العقلاء".
ثم راموا ضروباً من الأجوبة كلها حائدة عن الجواب، فقلت لهم: "إنكم لم تجيبوا، ولن تجيبوا، فما لي وللخوض معكم في غير شيء".
ثم انفصلت منهم [وقد امتلئوا] غيظاً وحِنْقاً، وشرعوا في إعابة دين الإسلام، وقد أردت الانصراف، فقلت: "اخسئوا صاغرين، فإن من يقول في معبوده من الشتائم- ظانّاً أنه يعظمه- ما قلتم من باب الأولى والأحرى يعيب دين غيره ، ثم سِـرْتُ وتركتهم.

[31] أحمد بن قاسم الحجري الأندلسي المدعو أفوقاي(1047هـ)
هو من المورسكيين الذين فروا من غرناطة وجاء للمغرب فعينه السلطان سفيرا له إلى أوروبا حيث زار فرنسا وهولندا وله كتاب ناصر الدين على القوم الكافرين والكتاب مطبوع بالمغرب بعناية محمد رزوق ومطبوع أيضا بأسبانيا ومترجم للأنجليزية وفيه مناظرات كثيرة للمؤلف مع نصارى ويهود أثناء رحلاته .

[32] كتاب النور الباهر في نصرة الدين الطاهر ليوسف بن عبد الله الإسلامي
مؤلفه حبر يهودي من مدينة تارودانت حين اعتنق الإسلام سنة 1020هـ وساعده في تحرير عربيته وتهذيبه الفقيه عبد الرحمن التمنارتي قاضي تارودانت سنة 1023هـ . والكتاب لا زال مخطوطا في نسختين مغربيتين إحداهما يحتفظ بها مركز جمعة الماجد بدبي، وهي بخط موسى بن العربي الرسموكي قاضي تارودانت وقد وقفت على صورتها، والثانية بلغني أنها عند بعض الخواص بنواحي سوس.

خلاصة عامة
من جميع ما عرضناه عليكم يظهر أن عِدة المالكية الذين حاوروا أهل الكتاب في الفترة المذكورة اثنان وثلاثون بلغ عدد مناظراتهم اثنان وثلاثون مناظرة أو تزيد، ست منها في مناظرة اليهود وسائرها في مناظرة النصارى، وأن عدد تآليفهم في الجدل مع أهل الكتاب خمس وعشرون تأليفا ثمان منها في مجادلة اليهود وسائرها في مجادلة النصارى. فلهذه الأرقام دلالتها في نفي التهمة عن المالكية بأنهم مقصرون في فن الجدل ناكصون عن المناظرة لعدم تحققم بفنونها وأساليبها أو لتقليدهم لإمامهم مالك في النهي عن الجدل، فالحق أنهم ليس كما قد يظن من لم يقف على آثارهم في ذلك الشأن ولكن لهم منزعا لطيفا يمكن إجماله في أن المالكية قد راعوا مقاصد إمامهم التي نافرت ضربا من الجدل وهو المذموم عقلا وشرعا، وخاضت غمار المناظرة وقارعت الحجة بالحجة إذا استبان لها أن في خوضها مصلحة شرعية راجحة كإحقاق الحق وإزهاق الباطل وكبح جماح بعض الخصوم الذين قد يحملهم التعنت والغرور على الاستهانة بالحرمات فيتعين حينئذ منازلته ليعلم أن الناقد بصير وبأساليب الجدل خبير.