ثانيا- نقد الروايات من جهة الإسناد.
لابد أولا من نقد الروايات المرفوعة وبيان بطلانها؛ لأنها أشد خطرا من الموقوفة؛ لنسبتها إلى النبي e، فنقول وبالله التوفيق:
* أما الرواية المرفوعة الواردة عن أنس t
فأخرجها الطبري، قال: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن لهيعة، عن أبي صخر، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، سمعه يقول: سمعت رسول الله يقول: ....
والثعلبي، قال: أخبرني عقيل بن محمد بن أحمد الفقيه: أن المعافي بن زكريا القاضي ببغداد أحمد بن زكريا أخبره عن محمد بن جرير قال: حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرني ابن وهب قال: أخبرني ابن لهيعة، عن أبي صخر، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، سمعه يقول: سمعت رسول الله e يقول: ....
والبغوي، قال: أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنا أبو إسحاق الثعلبي قال: ومما يصدق ما ذكرنا عن المتقدمين ما أخبرني عقيل بن محمد بن أحمد الفقيه، أن المعافى بن زكريا القاضي ببغداد أخبره عن محمد بن جرير الطبري، قال: حدثني يونس بن عبد الأعلى الصيرفي، أنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن أبي صخر، عن يزيد الرقاشي، عن أنس ابن مالك t، سمعه يقول: سمعت رسول الله e يقول: ....
قلت: هذه الأسانيد ضعيفة؛لأن بها ابن لهيعة والرقاشي، متفق على ضعفهما، وأبو صخر مختلف فيه.
أما ابن لهيعة:
فقال فيه يحيى بن سعيد: قال لي بشر بن السري: لو رأيت ابن لهيعة لم تحمل عنه حرفا، وكان يحيى بن سعيد لا يراه شيئا. ([1]) وقال يحيى بن معين: أنكر أهل مصر احتراق كتب ابن لهيعة، والسماع منه، وأخذ القديم والحديث، هو ضعيف قبل أن تحترق كتبه وبعد احتراقها. وقال ابن معين أيضا: ابن لهيعة ليس بشيء([2])وقال عمرو بن علي: من كتب عنه قبل احتراقها بمثل ابن المبارك والمقري أصح ممن كتب بعد احتراقها، وهو ضعيف الحديث. وقال أبو زرعة: سماع الأوائل والأواخر منه سواء إلا ابن المبارك وابن وهب كانا يتبعان أصوله، وليس ممن يحتج به. وقال أبو زرعة أيضا وأبو حاتم: أمره مضطرب يكتب حديثه للاعتبار.وقال الجوزجاني: لا نور على حديثه ولا ينبغي أن يحتج به.([3])وقال النسائي: ضعيف. ([4])وقال ابن مهدي: لا أحمل عنه قليلا ولا كثيرا. ([5])وقال السعدي: لا ينبغي أن يحتج بروايته ولا يعتد بها. وقال ابن وهب: كان ابن لهيعة صادقا. وقال مسلم: تركه وكيع ويحيى القطان وابن مهدي. ([6]) وقال أبو حاتم ابن حبان: سبرت أخبار ابن لهيعة فرأيته يدلس عن أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي ما دفع إليه قرأه، سواء كان من حديثه أو لم يكن من حديثه، فوجب التنكب عن رواية المتقدمين عنه قبل احتراق كتبه؛ لما فيها من الأخبار المدلسة عن المتروكين، ووجب ترك الإحتجاج برواية المتأخرين بعد احتراق كتبه؛ لما فيها مما ليس من حديثه.([7])
وأما أبو صخر:
فهو حميد بن زياد، ابن أَبي المخارق المدني، أبو صخر الخراط، ويُقال: حميد بن صخر. وقد اختـلف فيه أهـل الجرح والتعديل ما بين موثق ومضعف، فقال أحمد ويحيى: ليس به بأس. ([8]) وقال يحيى أيضا: ضعيف الحديث، وكذا قال النسائي. وقال ابن عدي: هو عندي صالح الحديث، إنما أُنكر عليه حديثان، ثم إن ابن عدي ذكر حميد بن صخر في موضع آخر فضعفه([9])، وكذا فرق بينهما ابن حبان([10])، وبيَّن البغوي في كتاب الصحابة أن حاتم بن إسماعيل وَهِمَ في قوله: حميد بن صخر، وإنما هو حميد بن زياد، أبو صخر، وهو مدني صالح الحديث. وقال الدارقطني: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن حجر: صدوق يهم. ([11])
وأما يزيد الرقاشي:
فقال فيه ابن سعد: كان ضعيفا قدريا. ([12]) وقال عمرو بن علي: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه، وقال: كان رجلا صالحا، وقد روى عنه الناس، وليس بالقوي في الحديث. وقال البخاري: تكلم فيه شعبة. ([13])وقال شعبة: لأن أقطع الطريق أحب إلى من أن أروى عن يزيد.وقال شعبة أيضا: لأن ازني أحب إلى من أن أحدث عن يزيد الرقاشي. ([14])وقال أحمد: لا يكتب حديث يزيد. قلت: فلم تُرِكَ حديثه؟ لهوى كان فيه؟ قال: لا، ولكن كان منكر الحديث([15])، وكان شعبة يحمل عليه، وكان قاصا. وقال ابن معين: رجل صالح وليس حديثه بشيء. وقال أيضا: ضعيف([16])، وكذا قال ابن المديني([17]) والدارقطني([18]) والبرقاني. وقال أبو داود: رجل صالح، سمعت يحيى يقول: رجل صدق. وقال يعقوب بن سفيان: فيه ضعف. وقال أبو حاتم: كان واعظا بكاء كثير الرواية عن أنس بما فيه نظر، وفي حديثه ضعف. ([19]) وقال مسلم([20]) والنسائي([21]) والحاكم أبو أحمد: متروك الحديث. وقال النسائي أيضا: ليس بثقة. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة عن أنس وغيره وأرجو أنه لا بأس به لرواية الثقات عنه.([22]) وقال الساجي: كان يهم ولا يحفظ . وقال ابن حبان: كان من خيار عباد الله، من البكائين بالليل، لكنه غفل عن حفظ الحديث؛ شغلا بالعبادة، حتى كان يَقْلب كلام الحسن فيجعله عن أنس عن النبي e، فلا تحل الرواية عنه إلا على جهة التعجب ([23]). ([24])
ومما تقدم يعلم أن ابن لهيعة والرقاشي متفق على ضعفهما، وأما أبو صخر فمختلف فيه. وهذا يدل دلالة واضحة على ضعف هذا السند، وبالتالي بطلان هذه الرواية المرفوعة.
* وأما الرواية المرفوعة الواردة عن الأحنف بن قيس t
فأخرجها ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم بإسنادهما إلى حماد بن سلمة، قال: ثنا علي بن زيد، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن النبي e .
قلت: هذا إسناد ضعيف؛ لعلتين:
الأولى: أن فيه علي بن زيد، واهي الحديث ضعيف لا يحتج بحديثه. فقد ضَعَّفه ابن عيينة. وقال حماد بن زيد: كان يقلب الأحاديث. وذكر شعبة أنه اختلط. وقال أحمد ويحيى: ليس بشيء. وقال يحيى مرة: ضعيف في كل شيء. .وقال أيضا: ليس بذاك القوي([25]). وقال البخاري: منكر الحديث.([26])وقال الرازي: لا يحتج به. وقال الدارقطني: لا يزال عندي فيه لين. وقال السعدي: واهي الحديث ضعيف لا يحتج بحديثه. وقال أبو زرعة: ليس بقوي، يهم ويخطئ، فكثر ذلك، فاستحق الترك.([27])
والعلة الثانية: أن الحديث مرسل([28]) عن الأحنف بن قيس([29])؛ لأنه أدرك زمان النبي e ولم يره، فهو من التابعين، ومن ثم فروايته عن النبي e بدون واسطة مرسلة.
قال ابن كثير: وهذا مرسل، وفيه نكارة، فإن الصحيح أن إسماعيل هو الذبيح، ولكن علي بن زيد بن جدعان له مناكير وغرائب كثيرة، والله أعلم. وأقرب ما في هذا أن الأحنف بن قيس - - حكاه عن بعض بني إسرائيل ككعب ووهب ونحوهما، والله أعلم.([30])
* وأما الرواية المرفوعة الواردة عن ابن مسعود t
فلم أجدها إلا عند السيوطي في الدر المنثور([31])، وقد عزاهاإلى ابن مردويه عن ابن مسعود t، ولم أقف لها على إسناد.
ولكني وقفت على كلام نفيس لابن كثير يدل على بطلان جميع ما روى مرفوعا في هذا الشأن، وذلك حيث يقول: ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه، ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديث لا يصح سنده؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس t، ويزيد وإن كان من الصالحين لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة.([32])
هذا بالنسبة للروايات المرفوعة.
ويأتي نقد الروايات الموقوفة إن شاء الله تعالى.

([1]) ضعفاء العقيلي 2/293، الجرح والتعديل 5/146

([2]) من كلام أبي زكريا في الرجال 1/97

([3])ميزان الاعتدال في نقد الرجال 4/168

([4]) الضعفاء والمتروكين للنسائي 1/64

([5]) تهذيب التهذيب 5/328

([6]) الكنى والأسماء 1/519

([7]) المجروحين 2/11 – 14، الكامل في ضعفاء الرجال 4/144 – 153، الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي 2/136، 137، تهذيب الكمال 15/487 – 503، ميزان الاعتدال 4/166 – 174، تهذيب التهذيب 5/327 – 331

([8]) تاريخ ابن معين (رواية عثمان الدارمي)1/95

([9]) الكامل في ضعفاء الرجال 2/269، ميزان الاعتدال 2/386

([10]) الثقات 6/188، 189

([11]) تهذيب الكمال 7/366 – 372، الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي 1/238، المغني في الضعفاء للذهبي 1/194، تقريب التهذيب 1/181

([12]) الطبقات الكبرى 7/245

([13]) التاريخ الكبير للإمام البخاري 8/320

([14]) ضعفاء العقيلي 4/373، الكامل في ضعفاء الرجال 7/257، الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي 3/206

([15]) الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي 3/207

([16]) تاريخ ابن معين (رواية الدوري) 4 ص 105، من كلام أبي زكريا في الرجال ص 62، الكامل في ضعفاء الرجال 7/257

([17]) سؤالات ابن أبي شيبة لعلي بن المديني 1/48

([18]) الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي 3/207

([19]) الجرح والتعديل 9/251

([20]) الكنى والأسماء للإمام مسلم 1/571

([21]) الضعفاء والمتروكين للنسائي 1/110، الكامل في ضعفاء الرجال 7/257

([22]) الكامل في ضعفاء الرجال 7/257

([23]) المجروحين 3/98

([24]) تهذيب الكمال 32/64 - 77، ميزان الاعتدال 7/232، 233، الكاشف 2/380، تهذيب التهذيب 11/271، 272، تقريب التهذيب 1/599

([25]) تاريخ ابن معين (رواية عثمان الدارمي) 1/141، تاريخ ابن معين (رواية الدوري)3/294

([26]) الضعفاء الصغير 1/67

([27]) الجرح والتعديل 6/186، ضعفاء العقيلي 3/229، 230، الكامل في ضعفاء الرجال 5/195 – 200، الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي 2/193، المغني في الضعفاء 2/447، ميزان الاعتدال 5/156

([28]) الحديث المرسل: هو ما سقط من آخره مَنْ بعد التابعي، أي الحديث الذي حذف منه الصحابي، ورفعه التابعي إلى المصطفى e، سمي به لأن التابعي أرسله، ولم يقيده بتسمية من أرسله عنه. فهو الحديث الذي يرويه المحدث بأسانيد متصلة إلى التابعي، فيقول التابعي: قال رسول الله e . (اليواقيت والدرر 1/498، توجيه النظر إلى أصول الأثر 1/400)
والمرسل حديث ضعيف لا يحتج به عند جماهير المحدثين والشافعي وكثير من الفقهاء وأصحاب الأصول؛ للجهل بحال المحذوف؛ لأنه يحتمل أن يكون غير صحابي، وإذا كان كذلك فيحتمل أن يكون ضعيفا.(تدريب الراوي 1/199، 200)

([29]) الأحنف بن قيس بن معاوية بن حصين التميمي السعدي، أبو بحر البصري، واسمه الضحاك، وقيل: صخر، والأحنف لقب. أدرك زمان النبي e ولم يره. وهو ثقة. مات سنة سبع وستين، وقيل: اثنتين وسبعين. (تهذيب الكمال2/283، تهذيب التهذيب1/167، تقريب التهذيب1/96)

([30]) تفسير ابن كثير 2/489

([31]) الدر المنثور 7/163

([32]) تفسير ابن كثير 4/32