التحبير لذكريات العلامة الخضير
شنَّف العلامة عبد الكريم الخضير أسماع الملايين وأمتع بصائرهم حين نثر ذكرياته العلمية وتجاربه الحياتية في أُمسية جامعة ماتعة ، انتفع بها الصحيح والعليل ممن تشرئبُّ أعناقهم لموائد العلم والإيمان .

وقد اعتاض العلامة الخضير عن تدوين ذكرياته في كتاب ، فنثرها في مادة صوتية جرياً على عادة علمائنا النجدييِّن ممن يألفون الالتقاء بالطلاب والمحبِّين ، ليعالجوا تثاقل الكُسالى والخاملين ويكرموا المجدِّين والنَّابهين .

وتحقيقاً لقول الحبيب صلى الله عليه و سلم ":إِنّ من إِجلالِ الله إِكرَام ذِي الشيْبَةِ المُسلِمِ ،وَحاملِ القرآن غير الغَالِي فِيهِ وَالجَافِي عنه, وَإِكْرَام ذِي السلطان المقسط " أخرجه أبو داود باسناد صحيح ، فقد رقمتُ هذا التحبير اليسير لذكريات العلامة الخضير حفظاً لحقِّه ووفاءاً لعلمه وفضله .

وقد سبقني بعضُ طلاب العلم ففرَّغوا المادة الصوتية للذكريات في بضع ورقات ، بقصد التيسير لمن أراد الوقوف على دُرر الفوائد . وفي ظنِّي أن الاستماع أنفع من مطالعة المكتوب ، لا سِّيما إذا كان ذلك ممن يحكي تجاربه وألآمه وأمنياته بلسانه ، وكل مُيسَّر لما خُلق له .

ومن فضل الله أن هداني لرصد بعض الفوائد والنِّكات ، لتقريب تلك الذكريات ، مما لم أقف عليه عند من سبقني ، وقد ضمَّنتُها ضوابط أصولية وعلمية ، والله الهادي إلى الخيرات.

1- لن يُوفَّق الانسان للعلم – في الغالب - إذا أعرض عن القرآن حفظاً وتعلُّماً واستذكاراً :
وقد لمستُ النصح الدائم من العلامة الخضير في دروسه ومحاضراته بوجوب تعاهد مذاكرة القرآن وتلاوته ومراجعة أحكامه وتلمس بركته ووجوب تزكية النفس به . وقد لا يدري المسلم فلعله يبارك له في شطر عمره أو أكثره بسبب عنايته بكتاب الله والعمل به والاخلاص عند تلقِّيه .
وقد أُثر عن الامام ابن تيمية (ت: 728هـ) تعالى أنه كان يقول :" ندمتُ على تضييِّع أكثر أوقاتي في غير القرآن " . ويقصد بذلك الورع وغمط النفس مما قد يُتلبَّس بها في غير القرآن من شهوات ومقاصد .

2- الأولية مُتعلِّقة بالأولوية كما قرَّر ابن حجر( ت: 852هـ ) تعالى . فيحسن بالطالب أن يُقدِّم ما يستحق التقديم في العلم والعمل والآداب .
وقد استنبط العلماء من حديث جابر المرفوع في الصحيحين أن الرسول قال لأصحابه : " قد علمتم أنِّي أتقاكم لله ، ولولا هديي لحللتُ " ، أن رسول الله لا ينقل أصحابه إلا إلى الأكمل والأفضل .

3- تضمَّنت الذكريات الاشارة إلى أثر تربية البيت على النفس :
وقد ظهر ذلك جلياً في مسيرة الشيخ من طفولته إلى نشأته حتى اكتمل عوده ، فقد كان محلَّ عناية والده وأهله . وهذا دليل على برِّ الشيخ بوالده وأهله ، فلم يكن يتجاوز رأيهم وارادتهم ، وقد وفقه الله بسبب ذلك في بقية عمره .

4- في ثنايا الذكريات الاشارة إلى أهمية البيئة العلمية :
والظن أن العلامة الخضير لو نشأ في بيئة مختلفة لن يكون أوفر حظا من بيته التي نشأ فيها . والعلم عن الله تعالى . فقد وفقه الله لمربِّين وعقلاء اعتنوا به فهذَّبوا نفسه حتى استقام على الطريق السالك . وبيئة نجد من أقرب البيئات إلى ساحة العلم والتهذيب ، فقد تعارفوا على ذلك واستعذبوه ، والعادة مُحكَّمة كما قرر العلماء .

5- من تلذُّذ العلامة الخضير بالعلم تعاهد ملازمة الشيوخ وهو حديث عهد بِعُرس :
وهو بهذه النادرة يهمس في آذان الشباب ، أن العلم لا يُدرك بالراحة والأماني .وقد نبَّه الشيخ إلى أن التقنية الحديثة لا تكفي لتأصيل مسائل العلم في الفؤاد ، بل لا بد من الرجوع الى مصادر العلم وتحرير المسائل وطرد الشواغل .

6- الاشادة بتربية الشيوخ وحفظ حقوقهم من المسائل التي قررها العلامة في ذكرياته: وكأنه يتمثل قول الإمام أحمد(ت: 241هـ ): تعالى حين قال : "كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس" . ومن مقاصد ذلك أن الاقتصار على التصانيف لا يكفي في تقويم الأخلاق وتزكية النفس ، بل لا بد من ملازمة الأشياخ .

وقد رأينا ورأى غيرنا كثيراً من الطلاب الأذكياء في العلم ، لكن أخلاقهم بهيمية وشيطانية ،نسأل الله العافية . وليس هذا بعجيب ، فقد قيل :كل إناء بالذي فيه ينضحُ ! .

7- ظهر في ذكريات العلامة الخضير عُلوُّ همته وصلابة عزيمته :
والسبب في ذلك يعود الى استعداده الفطري وحزم الشيوخ معه ، فقد كان ينسخ المخطوطات ويكابد متاعب الحياة ويتلمس الفوائد في كل دروب حياته . وقد مكث أكثر من عقدين من الزمن يشرح تفسير القرطبي (ت: 671هـ ) تعالى .

8- تضمَّنت الذكريات أهمية التدوين العلمي والحرص على النسخ وتحرير الفوائد:
ومن مقاصد ذلك أن التعليقات والتهميشات التي يُحرِّرها الطالب تنير له الطريق وتُزكِّي نفسه وتربِّيه على أن العلماء لم يُحصِّلوا المراتب العالية إلا بعد قطع مفاوز عريضة وتضحيات عظيمة .
وعند الاصوليين قاعدة تقطيع الحديث يستدل بها على جواز نقل الحديث في مواضع للاحتجاج به دون بعضه .

9- يظهر للمتأمل في ذكريات العلامة الخضير أثر الورع والتواضع :
فلم يذكر الشيخ شيئاً من خصائص نفسه في عباداته ومعاملاته ، إلا النزر اليسير مما يوجب المكان والزمان التنبيه عليه .
ومن مناقب العلامة الخضير ثناؤه على أقرانه ممن سبقوا ومهروا في تحصيل العلم وتفوقوا في مسائله . وهذه من السنن المهجورة في زماننا .
وقد قال الامام الشافعي (ت: 204هـ) تعالى :
أُهين لهم نفسي فهم يُكرمونهـا و لن تُكرم النفس التي لا تهينهـا

10- من القواعد التي تقرَّرت في ثنايا الذكريات وجوب بذل العلم وتزكيته :
ومن مقاصده في هذا ، أن العلم لا يُطلب لذاته بل تعبُّدا وتقربا إلى الله .
وقد نبَّه على أن جمع الكتب والحرص على اقتناء طبعاتها تُفرِّق الذهن في أودية المعاطب . واسأل به خبيرا ! .

11- قديماً قيل آفة العلم النسيان ،واليوم آفته الحواسيب الالكترونية . فمعالم المسائل لا تدرك بالحواسيب وإنما تُدرك بالصبر على الطلب والكدِّ والجَلد . وقد قيل أيضا : مذاكرة العلم تسبيح ، والبحث عنه جهاد . فما أعظمها من منحة ! .

12- ختم الشيخ ذكرياته بوجوب الصدق مع الله في القول والعمل :
وقد كان الامام أحمد تعالى إذا ذكر عنده الصدق والاخلاص يقول بهذا سبق القوم .
ومن مقاصد الشيخ في ذلك أن العلم بحرٌ لا ساحل له ، فقد يدرك التقيُّ فيه بقليل جُهد ما لا يدركه المجتهد الفاسق . فليس العلم بكثرة الرواية . والنية الصالحة تُحوِّل العادة إلى عبادة .
هذه خُلاصة ستِ وأربعين سنة قضاها الشيخ في طلب العلم والصبر على عوائقه وهمومه ، وهي مدرسة يحسن بطلبة العلم أن ينهلوا من علومها ومواردها العذبة .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

أ/أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي
عضو هيئة التدريس بقوات الأمن الخاصة

(منقول)