عقيدة الدعاء
1. الدعاء عند الشدائد:
عند الشدائد وانقطاع الحيلة، يتكرر مشهد العودة إلى الله تعالى، وترتفع أكف الضراعة متجهة نحوه طالبة عونه وتسديدهُ، وتغفل عن غيره، ويلتهب الإخلاص له تعالى، واليقين بإجابته المضطر إذا دعاه، ويؤكد هذا آيات من القرآن الكر يم، كقوله تعالى:﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ [سورة الإسراء:67] وقوله تعالى:﴿ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ [سورة يونس:22]
مِن خِلاَلِ مَا تَقَدَّمَ نتساءلُ عن الدعاء الذي كان المنجي لهؤلاء القوم من كربهم، ما هو الأساس الاعتقادي له، وكيف يمكن توظيفه في الحياة اليومية للمسلم، لتحقيق مآربه، وذلك في غير موضع الشدائد الذي كان في الآيات المتقدمة؟
أو نسأل السؤال الكبير الآتي: ما مكانة الدُّعاء في عقيدة المسلم، وكيف تؤثر عقيدة الدعاء في حياته؟
2. فريضة الدعاء:
إن قضايا الأمة المعاصرة، والتي يجب أن تقع في قلب كل مسلم، كقضية الاحتلال الأجنبي للبلدان الإسلامية، وتقتيل المسلمين، والأذى الذي يلحقه بهم، وعلى رأس ذلك المساس بمقدسات المسلمين المسجد الأقصى مثلا، والبلدان الإسلامية كأنها تتساقط تباعا: أفغانستان، العراق... تجعل فرضا على المسلم التوجه لربه ضارعا ليخلص المسلمين مما هم فيه، لأنه هو سبيل النجاة.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى إن الضعف الذي يعيشه المسلمون، ضعف في شتى المجالات الحياتية: الاقتصاد، السياسة، الإعلام، العلم، التكنولوجيا، الزراعة... شكل قاعدة صلبة للمحتل الأجنبي لما سماه مالك بن نبي القابلية للاستعمار، ليعيث فسادا في البلاد الإسلامية، وهذه القابلية لا تزال جاثمة بقوة رغم استقلال الكثير من البلدان من الاحتلال الأجنبي، فهذا الضعف في شتى المجالات يفرض كذلك على المسلم التضرع لربه تعالى ليخرج المسلمين مما هم فيه.
فالنصوص الشرعية من كتاب وسنة، والمشهد المعيشي (الواقع) يتضافران ليؤكدا وجوب إقامة فريضة الدعاء على كل المسلمين، فقد ورد عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ rقَالَ: (( إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ )) ثُمَّ قَرَأَ ﴿ ﭟ ﭠ ﭡ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ [سورة غافر:60][1]
فكيف يمكن أن يعبد المسلم ربه دون أن يدعوه، وقد قال تعالى:﴿ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ [سورة الذاريات:56]
3. كيف يمكن أن يكون الدعاء المخرج من الأزمات؟
يقول تعالى:﴿ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ [سورة الأعراف:189-190]
وتتواتر آيات كثيرة في القرآن الكريم لتؤكِّد أن الله تعالى يجيب كُلَّ مَن دعاه مخلِصاً، فقوم سيدنا موسى كذلك طلبوا منه السقاية، فدعا الله تعالى فأجابه، وسيدنا يونس دعا الله فأجابه، والقوم في الفلك دعوا الله تعالى فأجابهم[2].
إذن يمكن أن نستخلص قاعدة قرآنية تؤكد أنه في خلال الشدائد ونزول الكروب وانقطاع الحيلة لا ملجأ إلا إلى الله تعالى، والله تعالى سيجيب كلَّ مَن دعاه مخلصا له الدين، وهذا هو اليقين الذي يجب أن يرسخ في قلب كل مؤمن، ولا تزعزعه الشدائد والمصائب مهما عظمت.
وفي مقابل إجابة الله تعالى من دعاه، يؤكد القرآن الكريم أن كل من يدعى من دون الله تعالى، فهو لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، فكيف يمكن أن ينفع من يدعوه ويعتقد فيه الألوهية أو النفع والضر.
ففي سورة الأنعام تفصيل لذلك في قوله تعالى:﴿ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ [سورة الأنعام:40-41]
وقد يعترض البعض فيقول إن المسلمين يدعون أثناء الشدائد فلا يستجاب لهم.
4. ما هو الدعاء الحقيقي؟
لقد تم الإجابة عن هذا السؤال في مؤلفات كثيرة منها القديم والحديث، فنجد في مجموع الفتاوى لابن تيمية تفصيل لذلك[3]، وكذلك كتب التفسير[4]، ونجد من الكتب المحدثة ما كتبه هيثم حيدر في كتابه: الاعتداء في الدعاء، ومن الرسائل الجامعية رسالة بعنوان: دعاء الأنبياء في القرآن الكريم، للباحثة: وداد طاهر محمد نصر، من جامعة النجاح الوطنية بنابلس فلسطين، وكلهم قدموا مقاربات للحصول على نظرة شاملة كلية عن أهمية الدعاء في حياة المسلم، وما هي الأدبيات التي يلزم على المسلم التقيد بها أثناء دعائه، وكل هذا مما يؤصل المسألة ويجعلها تحت بؤرة البحث، ولكن يبدو أن العمل في القضية لا يزال يحتاج إلى مزيد من البحث والاجتهاد، خاصة في المنهج المتبع في الدراسة، وكذلك المصادر المعتمدة لجمع المادة وخاصة الأخبار والأحاديث، فلا بد من اعتماد القرآن الكريم المصدر الأول فهو المهيمن على المعرفة الإسلامية كلها وباب العقيدة هو الأولى في اعتماد القرآن الكريم فيه مصدرا، أما في المنهج فنقترح أن تدرس المسألة دراسة مصطلحية من خلال ورود لفظة الدعاء ومشتقاتها في القرآن الكريم، وهذا بحسبنا سيكون كفيلا للحصول على نتائج يقينية تبين لنا كيفية الدعاء الحقيقي، ولا بد أن ذلك سيغير كثيرا من سلوكاتنا، وسيعيد المسلمين إلى ما كانوا عليه من قوة وتمكين، والله نسأل أن يوفقنا لتحقيق ذلك.
المصادر والمراجع:
· القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم.
· مجموع الفتاوى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، تح: عبد الرحمن بن محمد، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، 1416هـ/1995م.
· دعاء الأنبياء في القرآن الكريم، وداد طاهر محمد نصر، إشراف: خضر سوندك، تاريخ المناقشة: 10/08/2010، جامعة النجاح الوطنية نابلس فلسطين.
· جامع البيان في تأويل القرآن، أبو جعفر الطبري، تح: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط1، 1420 هـ - 2000م.
· مسند الإمام أحمد بن حنبل، أحمد بن حنبل، تح: شعيب الأرنؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة، ط2، 1420هـ ، 1999م.

[1] مسند أحمد، حديث (18352).

[2] ينظر الآية السابقة: سورة يونس:22.

[3] مجموع الفتاوى، ابن تيمية 1/131 وما بعدها.

[4] ينظر: جامع البيان، الطبري 12/486 وما بعدها.