هذا إشكال عرضه الإمام فخر الدين الرازي (9/ 117) في تفسير قوله تعالى ( وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) حيث قال :
فيه مسألتان:
المسألة الأولى: المعتزلة تمسكوا به في نفي الشفاعة للفساق ؛ وذلك لأن الشفاعة نوع نصرة ، ونفي الجنس يقتضي نفي النوع.

والجواب من وجوه :
الأول : أن القرآن دل على أن الظالم بالاطلاق هو الكافر قال تعالى (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ( البقرة 254 ) ومما يؤكد هذا أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم خصصوا أنفسهم بنفي الشفعاء والأنصار حيث قالوا (فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ )
وثانيها : أن الشفيع لا يمكنه أن يشفع إلا باذن الله قال تعالى (مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ )( البقرة 255 ) واذا كان كذلك لم يكن الشفيع قادرا على النصرة إلا بعد الاذن واذا حصل الاذن لم يكن في شفاعته فائدة في الحقيقة وعند ذلك يظهر أن العفو إنما حصل من الله تعالى وتلك الشفاعة ما كان لها تأثير في نفس الأمر وليس الحكم إلا لله ..كما قال (أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ) وقال( وَالاْمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ) ( الأنفطار 19 ) لا يقال فعلى هذا التقدير لا يبقى لتخصيص الظالمين بهذا الحكم فائدة لأنا نقول بل فيه فائدة لأنه وعد المؤمنين المتقين في الدنيا بالفوز بالثواب والنجاة من العقاب فلهم يوم القيامة هذه الحجة اما الفساق فليس لهم ذلك فصح تخصيصهم بنفي الأنصار على الاطلاق
الثالث : أن هذه الآية عامة وواردة بثبوت الشفاعة خاصة والخاص مقدم على العام والله أعلم " انتهى كلام الإمام .

قلت : وفي هذه الأجوبة نظر لا يخفى ، وخاصة الجواب الثاني فقد أسقط معنى الشفاعة أو كاد . والذي يحل الإشكال أن نفرق بين النصرة المنفية والشفاعة المثبتة ،
فالنصرة تتضمن معنى المغالبة والقهر للخصم ، ومن ذا الذي يغالب ربه ؟ قال تعالى وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا [الكهف: 43] ،فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ [القصص: 81]، لئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ [الحشر: 12]
وأما الشفاعة فدعاء ورجاء قد يقبل وقد لا يقبلوَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: 23] فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: 48]، فلا منافاة بين الآيتين .
والدليل على تغاير النصرة والشفاعة آيات من القرآن عطفت فيها النصرة على الشفاعة ، والأصل في العطف أنه للمغايرة ، قال تعالى وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) [البقرة: 48] ، وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [البقرة: 123] والله أعلم .