يعتبر الزمن من أحد أهم أركان القصة حيث تنقسم الأزمنة في القصة إلى ثلاثة أنواع هي :-
زمن القص ( الحدث)
وهو الزمن الذي يستهلكه الحدث لوقوعه فهو أكثر مطاطية وحركة.
زمن السرد ( الحكاية )
وهو زمن كتابة القصة أو زمن الخطاب أو زمن نقل القصة ..
الزمن النفسي
وهو الإحساس الذاتي والشعور بمرور الزمن من عدمه وهو زمن متعلق بالإنسان نفسه يطبق في القصة على أبطالها ويتم التعبير عن هذا الزمن من داخل الشخصية ( على لسانها) او من خارج الشخصيات على لسان السارد ( الخطاب) . وتتوالد تقنيات معينة من تداخل هذه الأزمنة مع بعضها البعض .. وتتم خلخلة الترتيب التقليدي للزمن بالتقنيات المفصليات الزمنية كالاسترجاع وهو تقديم الماضي على الحاضر والاستشراف وهو تقديم المستقبل على الحاضر والتتابع وهو الأسلوب التقليدي للزمن كل ذلك للوصول إلى فعالية الأحداث وإبراز الأهم منها بعيداً عن رتابة الزمن .
و بإسقاط كل هذا على القصة القرآنية إذا اعتبرنا زمن نزول الآيات هو زمن السرد يكون لدى القصة القرآنية أربعة أنواع للزمن هي :-
زمان السرد يكون متأخراً عن زمن القص ( الاسترجاع )
وهذا في اغلب القصص القرآنية إذ يقص الله على نبيه أخبار الرسل السابقين بألفاظ متعددة..مع التركيز على لفظة (وَمَا كُنتَ) في ختام كل سرد للقصة في إشارة إلى أن هذا الاسترجاع مقصود وتذكير بفضل هذا الاسترجاع في القصة القرآنية بالذات لأنه لا علم للنبي ولا لكفار قريش بهذه التفاصيل ولا بالقصص تلك ويجمع هذا الأمر كله قول الله تعالى نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ يوسف3
2) زمن السرد سابق لزمن القص ( الاستشراف) ويظهر هذا جلياً في حوادث الآخرة ونهاية الظالمين وشرح لأحوال المؤمنين والكافرين – على السواء – في الجنة والنار والحوارات التي تدور بينهم بحيث يصير حاجز السرد(الخطاب) هو حاجز الأحداث فيصبح المتلقي متفاعلاً يحيا واقع الأحداث ونلاحظ هنا تغليب فعل المضارع في عرض هذه الوضعية من الأحداث وتلعب الأحداث دوراً رئيساً في عرض المشهد الأكثر توتراً في القصة، وتقنية الاستشراف لها خصوصيتها في القرآن الكريم وذلك بسببين :-
1/ صاحب الخطاب (الله ) فهو عالم الغيب والشهادة وله الحق في الاستشراف.
2/ إن القصة في القرآن هي وسيلة من وسائل الدعوة والوعظ ويبلغ أعلى درجات الوعظ بمشاهدة المتلقي لمصائر الظالمين فكانت تقنية الاستباق .
الزمن النفسي ( سبق تعريفه)
ظهر واضحاً في قصص القرآن الكريم على أسلوبين :-
1/ على لسان شخصيات القصة فيتحدثون عن زمنهم النفسي ( الذي لاشك ينفصل عن الزمن الواقعي الخارجي) كقوله تعالى وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ الْعَذَابِ غافر49
رغم قصر اليوم لكنه سيكون ذا فائدة لديهم – كما يظنون – لأنه لديهم كبير جداً (نفسياً) لوجود العذاب ..
2/ الخطاب السردي هو المتحدث عن زمن الشخوص النفسي لأن المتحدث هو الله الذي يعلم السر وأخفى فيعلم زمن الأشخاص النفسي وتقلبهم فيه كقوله تعالى إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً الإنسان27 وقوله تعالى (ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم) يونس45.
وغيرها من الآيات.
الزمن التتابعي: هذا الزمن بعيد عن زمن السرد والقص لكنه زمن تمر فيه القصة بتتابع منطقي تقليدي دون تخلخل من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل وقد وجد له قدم في القصص القرآنية ليخدم سرد القصة بسلاسة في انسيابية متتابعة ونلاحظ ذلك في قصة سيدنا موسى مع العبد الصالح في سورة الكهف وتركزت الأحداث على الحوارات والحركة دون تدخل من السارد ( الخطاب) لتصل في الأخير إلى نهاية وعظية مطلوبة .
هناك العديد من التقنيات التي استخدمها القرآن في عرض زمن القصة القرآنية منها :-
1/ القطع:
تقنية القفز على زمن معين او استحضار أزمنة أخرى ونجد هذا في القصص القرآنية بشكل واضح في قصص الأنبياء حيث يتم القفز من زمن القصة إلى الخاتمة في الآخرة خصوصا في السور التي تناولت القصة بشكل مقتضب كما في سورة النازعات والعنكبوت اللتين لم تفصّلا في قصة موسى () كما فصّلت سورة طه او القصص ..وتظهر خاصية القطع ايضا في استحضار مفردات زمنية غائبة تخدم القصة ليست على ترتيب القصة ففي قصة موسى () مثلا في سورة الاعراف ذكرت السورة زمنين متعاصرين في وقت واحد فلقطة هارون مع قوم موسى ()اثناء ذهاب موسى () إلى ربه وما دار بينهم من جدال حول العجل وهو نفس الجدال الذي فصلته سورة طه تداخلا مع لقطة السامري في نفس الوقت لقطة موسى () مع ربه وأخذه الالواح وطلبه رؤيته الله وما يمكن ان نطلق عليه عبارة (وفي تلك الاثناء) لتعاصر الحدثين تقوم القصة باستحضارهما معا في خاصية القطع .
2/ الحذف:
يتناوب الحذف والقطع على تجاوز أحداث لا تفيد القصة بشيء والقفز مباشرة إلى قلب التوتر في القصة والتخلص من الهامشيات التي لا تخدم القصة في شرحها بشيء ففي قصة موسى () مثلا في سورة طه انتقل الحديث مباشرة من موقف حديث موسى () مع ربه إلى موقفه في قصر فرعون ثم قفزه إلى يوم الزينة وكثير من القصص تقوم على هذه التقنية بحيث يكون الخلط بين تقنية الحذف والقطع لخدمة أغراض القصة من حيث الإيجاز .
3/ الوقفة:
على النقيض من تقنية الحذف القطع كانت الوقفة وهي امتداد الزمن لوضعية معينة قد تأخذ من الزمن قطعا كبيرا كان او صغيرا لكن القصة القرآنية وقفت معها طويلا شارحة اوضاعها لهدف معين هو إبراز هذا الحدث كمحور مؤازر في حركة القصة والملاحظ على هذا الحدث انه لا يتكرر مع تكرر القصة في سورة اخرى ( فلا يظهر هذا الحدث الا مرة واحدة) ومثال على ذلك قصة مؤمن آل فرعون الذي فصلته سورة غافر ولم يظهر ثانية في كل السور التي تناولت قصة موسى ()وكذلك قصة العبد الصالح مع موسى () في سورة الكهف .. حتى يمكن اعتبارهما كقصتين منفصلتين عن قصة موسى ()، و كذلك قصة النمرود مع نبي الله ابراهيم () في سورة البقرة وغيرها من الفروع في القصص الكبرى.
4/ الخلاصة:
اختزال الحدث والقفز منه إلى العبرة المطلوبة منه لأن المناط بالقصص القرآنية هو العبرة تصديقا لقولة تعالى لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يوسف111 وليس التركيز على الحدث هو المطلوب بقدر اخذ العبرة، واذا كان كذلك نجد القصة القرآنية في هذه النقطة لا تفصّل بل تمر مر الكرام بشكل مختصر آية او آيتين.. الهدف هنا إبراز هدف معين تسوقه القصة منذ البداية خصوصا في السور التي ذكرت عدداً كبيراً من الأنبياء كسورة الانبياء أو سورة مريم.
5/ التواتر:
هذه التقنية نجدها في قصص الرسل على مستوى القرآن الكريم كله كالتالي:-
يروي أكثر من مرة ما حدث مرة واحدة : قلب القصة نفسها فقد حدثت مرة واحدة لكن القرآن رواها أكثر من مرة.
يروي أكثر من مرة ما حدث أكثر من مرة : عناد الكافرين لرسلهم فقد حدث أكثر من مرة ورواها القرآن أكثر من مرة.
يروي مرة واحدة ما حدث مرة واحدة : قصة طلب موسى رؤيته الله فقد حدث مرة واحدة ورواها القرآن مرة واحدة.
يروي مرة واحدة ما حدث أكثر من مرة : رد الرسل على أممهم فقد كان رداً واحداً على لسان كل رسول لكنه حدث أكثر من مرة.
6/ اختراق الزمن
نلاحظ ذلك في قصة صاحب الجنتين في سورة الكهف كالتالي :-
جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ (ماضي قريب) فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ(حــاضر) خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ (ماضي بعيد) قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ(حــاضر) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ (مســــــتقبل).