بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده و نستعينه ، ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ،وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله – – وبعد :
لاشك أن علم النسخ من العلوم التي لها أهمية بالغة, وفائدة عظيمة, ولقد ألف في موضوع النسخ الكثير من المؤلفات, ولاقى نصيباً وافراً في الدراسة والتدوين قديماً وحديثاً.
ولقد اعتنى السلف الصالح بهذا العلم وبينوا أنه لا يجوز لاحد أن يفسر كتاب الله تعالى، إلا بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ.
ومما قالوه في ذلك : إن كل من يتكلم في شيء من علم هذا الكتاب العزيز ولم يعلم الناسخ والمنسوخ كان ناقصاً.([1])
وعن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ([2]), قال: "ناسخه ومنسوخه ومحكمه و متشابهه ومقدمه ومؤخره، وحرامه وحلاله"([3])
وروى أن عليّ بن أبي طالب- - مرّ بقاصّ يقص فقال: هل علمت الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت .([4])
فكل ذلك مما يدل على أهمية علم الناسخ والمنسوخ لدى السلف, ولاشك أن ذلك نابع من إيمانهم بما وقع في القرآن من نسخ ،كما قال سعيد بن جبير ، وقتادة في قوله تعالى : ( يمحو الله ما يشاء ): يمحو الله ما يشاء من الشرائع ، والفرائض فينسخه ويبدله ، ويثبت ما يشاء منها فلا ينسخه ..([5])




ولكن ظهر الكثير ممن يخالف السلف في مسألة إثبات النسخ, سواء من المبتدعة المنتسبين للإسلام, أو من اليهود الذين هم أصل هذه المقالة , ولذا فلعلي أذكر موقفهم في ما يلي من الصفحات سائلة المولى التوفيق والسداد إنه سميع مجيب .





خطة البحث :
يتكون البحث من مقدمة ومبحثين .
المبحث الأول : موقف اليهود من النسخ .
المبحث الثاني : شبه اليهود في منع النسخ والجواب عنها.
الخاتمة : وتشتمل على أهم النتائج التي توصل إليها الباحث .
فهرس المصادر والمراجع
فهرس الموضوعات .















المبحث الأول
موقف اليهود من النســخ

اتفق اليهود على أن الشريعة الإسلامية لم تنسخ شريعتهم، ولكنهم يفترقون فيما عدا هذه القضية إلى ثلاث فرق لكل منها موقفها الخاص من النسخ :

الفرقة الأولى :
( وتشتهر باسم الشمعونية ؛ نسبة إلى شمعون بن يعقوب ) ([6])
وهذه الفرقة: تقرر أن النسخ لا يجوز عقلاً, ولم يقع سمعاً، ويؤيدهم في ذلك النصارى في هذا الزمن, وتشيعوا لهذ الرأي تشيعا كبيراً, ظهر في حملاتهم المتكررة على الإسلام, وطعنهم على الدين الإسلامي الحنيف.
والفرقة الثانية :
(وتشتهر باسم العنانية نسبة إلى عدنان بن داوود) ([7])
وهذه الفرقة: ترى أن النسخ لابأس به في حكم العقل ، لكنه لم يقع .

أما الفرقة الثالثة :
(وتعرف باسم العيسوية ، نسبة إلى أبي عيسى إسحاق بن يعقوب الأصفهاني)([8])


وهذه الفرقة: تذهب إلى أن النسخ جائز في حكم العقل ،وأنه وقع فعلاً . ولكنها تمنع أن تكون شريعة محمد ناسخة لشريعة موسى -عليهما الصلاة السلام- ؛ لأن رسالة محمد خاصة بالعرب ولم تكن عامة لجميع الناس .



ويظهر مما سبق أن أشدهم غلوا في هذا الشمعونية فإنهم راحوا يثيرون الشبه على جواز النسخ عقلاً ليحكموا باستحالة وقوعه . وهم الذين ربطوا بينه وبين البداء وجعلوه متلازمين . ([9])


مع أن الفرق بين النسخ والبداء واضح كما ذكر ذلك ابن الجوزي في كتابه ، قال:

" والفرق بينهما : أن النسخ رفع عبادة قد علم الأمر بها من القرآن للتكليف بها غاية ينتهي إليها ثم يرتفع الإيجاب .
والبداء هو الانتقال عن المأمور به بأمر حادث لا بعلم سابق ، وهو ترك ما عُزِم عليه كقولك :
امضِ إلى فلان اليوم ثم تقول : لا تمض إليه فيبدو لك عن القول الأول وهذا يلحق البشر لنقصانهم "([10]).


*هذا فيما يتعلق في موقف اليهود بجميع فرقهم في النسخ، ولابد أن أوضح في هذا المبحث الحقيقة التي حاولوا أن يموهونها على عادتهم؛ ليتضح الهدف الذي رموا إليه بمذاهبهم على النسخ، على ما بينها من خلاف.
وهو أن إنكار النسخ ليس غاية عندهم ، لكنه وسيلة فقط ، وأما الغاية فهي إنكار رسالة النبي محمد عليه الصلاة والسلام على الإطلاق .




المبحث الثاني
شبهات جميع فرق اليهود في منع النسخ والرد عليهم


إن الشمعونية يرون استحالة النسخ عقلاً, فإذا أبطلنا ما أثاروه من شبه على الجواز العقلي, وأثبتنا أنه قد وقع في شريعتهم وفي الشرائع السابقة عليهم, كان ذلك ردا على العنانية الذين ينكرون وقوع النسخ .

شبهة الشمعونية:
يقولون :لو جاز على الله تعالى أن ينسخ حكماً من أحكامه لكان ذلك إما لحكمة ظهرت له كانت خافية عليه ، وإما لغير حكمة ، وكل هذين باطل .
وذلك أن الأول : يستلزم تجويز البداء والجهل بالعواقب على علام الغيوب ، وأما الثاني : فلأنه يستلزم تجويز العبث على الحكيم العليم ، وكلاهما مستحيلان عليه سبحانه بالدليل العقلي والنقلي ، فما أدي إليهما وهو جواز النسخ فمحال.
والجواب على هذه الشبهة :
يرد عليهم بأن التقسيم ناقص ، إذ ليست القسمة على قسمين بل على ثلاثة أقسام ، ذلك لأن النسخ إما أن يكون لحكمة ظهرت بعد خفاء ، أو لحكمة كانت معلومة له من قبل ، أو لغير حكمة ونحن نقول بالأمر الثاني وننكر الأول والأخير كما تنكرونه .
فنسخ الله تعالى ما شاء من أحكامه ، مبني على حكمة كانت معلومة له أولاً ، ظاهرة لم تخف عليه ولن تخفى عليه أبدا, فهو سبحانه الفاعل المختار, والكبير المتعال, وله بناء على اختياره ومشيئته وكبريائه وعظمته أن يأمر عباده بما شاء, وينهاهم عما شاء, وأن يبقي من أحكامه على ما شاء, وأن ينسخ منها ما شاء,لا معقب لحكمه, ولا راد لقضائه, ولا ملزم يلزمه برعاية مصالح عباده, ولكن ليس معنى هذا أنه عابث, أو مستبد, أو ظالم, بل إن أحكامه وأفعاله كلها لا تخلو عن حكمة بالغة, وعلم واسع, وتنزه عن البغي والظلم: قال تعالى وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ([11]) , إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ .([12])

وكيف يكون محظور عقلاً ونحن نشاهد أن المصالح تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال, فالطبيب يأمر مريضه بتناول الدواء ما دام مريضاً, ثم ينهاه عنه إذا شفي من مرضه وعاد سليماً, والمربية تقدم إلى طفلها أخف الأغذية من لبن ونحوه دون غيره, فإذا ترعرع ودرج حرمت عليه المراضع, وانتقلت به إلى غذاء غير اللبن ونحوه, وهكذا تنتقل به من الخفيف إلى الثقيل, ومن الثقيل إلى الأثقل, تبعاً لتدرجه في مدارج القوة والنضج، والمعلم يتعهد تلاميذه البادئين بأسهل المعلومات, ثم يتدرج بهم من الأسهل إلى السهل, ومن السهل إلى الصعب, ومن الصعب إلى الأصعب, حتى يصل بهم إلى أدق النظريات, مقتفياً في ذلك آثار خطاهم إلى السمو الفكري والكمال العقلي.

كذلك الأمم تتقلب كما يتقلب الأفراد في أطوار شتى, فمن الحكمة في سياستها وهدايتها أن يصاغ لها من التشريعات ما يناسب حالها في الطور الذي تكون فيه, حتى إذا انتقلت منه إلى طور آخر لا يناسبه ذلك التشريع الأول, حق أن يصاغ لها تشريع آخر يتفق مع هذا الطور الجديد, وإلا لاختل ما بين الحكمة والأحكام من الارتباط والإحكام ,ولم يجر تدبير الخلق على ما نشهده من الإبداع ودقة النظام!. وإلى هذا الدليل تشير الآية الكريمة: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ([13])فإنه يفهم منها أن كل آية يذهب بها الله تعالى على ما تقتضيه الحكمة والمصلحة من إزالة لفظها أو حكمها أو كليهما معا إلى بدل, أو إلى غير بدل, فإنه جلت حكمته يأتي عباده بنوع آخر هو خير لهم من الآية الذاهبة أو مثلها .([14])








الشبهة الثانية :
يقولون لو جاز على الله تعالى أن ينسخ حكما بحكم ، للزم على ذلك أحد باطلين : جهله ، وتحصيل الحاصل . وبيان ذلك أن الله تعالى إما أن يكون قد علم الحكم الأول المنسوخ على أنه مؤبد ، وإما أن يكون قد علمه على أنه مؤقت .
فإن كان قد علمه على أنه مستمر إلى الأبد ثم نسخه وصيره غير مستمر ، انقلب علمه جهلاً, والجهل عليه تعالى محال وإن كان قد علمه على أنه مؤقت بوقت معين ثم نسخه عند ذلك الوقت ، ورد عليه أن المؤقت ينتهي بمجرد انتهاء وقته ، فإنهاؤه بالنسخ تحصيل للحاصل ، وهو باطل .
والجواب على ذلك :

بأن الله تعالى قد سبق علمه أن الحكم المنسوخ مؤقت لا مؤبد ، ولكنه علم بجانب ذلك أن تأقيته إنما هو بورود الناسخ لا بشيء آخر كالتقييد بغاية في دليل الحكم الأول ، إذن فعلمه بانتهائه بالناسخ لا يمنع النسخ بل يوجبه، وورود الناسخ محقق لما في علمه, لا مخالفاً له .
شأنه تعالى في الأسباب ومسبباتها ، وقد تعلق علمه بها كلها . ولاشك أن النسخ بيان بالنسبة إلى الله ، رفع بالنسبة إلينا.
الشبهة الثالثة :
يقولون إن النسخ يستلزم اجتماع الضدين ، واجتماعهما محال . وبيان ذلك أن الأمر بالشيء يقتضي أنه حسن وطاعة ومحبوب لله , والنهي عنه يقتضي أنه قبيح ومعصية ومكروه له تعالى : فلو أمر الله بالشيء ثم نهى عنه ، أو نهى عن الشيء ثم أمر به ، لاجتمعت هذه الصفات المتضادة في الفعل الواحد الذي تعلق به الأمر والنهي.
والجواب على هذه الشبهة :
أن الحسن والقبح وما اتصل بهما ليست من صفات الفعل الذاتية حتى تكون ثابتة ولا تتغير ، بل هي تابعة لتعلق أمر الله ونهيه بالفعل .وعلى هذا يكون الفعل محبوبا وحسنا وطاعة لله مادام مأمورا به من الله ، ثم هذا الفعل نفسه قبيحاً ومعصية ومكروها له تعالى مادام منهيا عنه وعلى هذا ينتفي اجتماع الضدين فالوقت الذي يكون الفعل فيه حسنا غير الوقت الذي يكون فيه قبيحا . ([15]) ولهم شبهات واهية أخرى لا تستدعي التعرض لها .([16])

شبهة العنانية :
قالوا العنانية بجواز النسخ عقلا ، وأنكروا وقوعه في السمع . واستدلوا بما يأتي :
أولا: إن الحكم إن كان مقيدا بغاية فإنه ينتهي عند غايته بانتهاء وقته ، وليس ذلك نسخاً .
ويجاب عن ذلك :
بأن النسخ كما عرف بأنه: رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر ، عرف أيضاً بأنه بيان انتهاء تعلق الحكم . وعدم تسميته نسخا لا يضر .

ثانيا : قالوا لو صح وقوع النسخ ، وكانت شريعة محمد عليه الصلاة والسلام ناسخة لشريعة موسى عليه الصلاة والسلام لبطل قول موسى " هذه شريعة مؤبدة مادامت السموات والأرض " وإذا بطل هذا القول لزم الكذب في خبره المتواتر، والكذب في خبره ممتنع . فامتنع النسخ سمعاً .
ويقولون إن التوراة التي أنزلها الله على موسى لم تزل محفوظة لدينا, منقولة بالتواتر فيما بيننا, وقد جاء فيها هذه شريعة مؤبدة ما دامت السموات والأرض, وجاء فيها أيضا الزموا يوم السبت أبدا, وذلك يفيد امتناع النسخ؛ لأن نسخ شيء من أحكام التوراة لا سيما تعظيم يوم السبت إبطال لما هو من عنده تعالى . ([17])

وندفع هذه الشبهة بوجوه خمسة:

أولها : أن شبهتهم هذه أقصر من مدعاهم قصورا بينا؛ لأن قصارى ما تقتضيه إن سلمت هو امتناع نسخ شريعة موسى بشريعة أخرى, أما تناسخ شرائع سواها فلا تدل هذه الشبهة على امتناعه, بل يبعد أن ينكر اليهود انتساخ شرائع الإسرائيليين قبل اليهودية بشريعة موسى, فكان المنظور أن تجيء دعواهم أقصر مما هو محكى عنهم بحيث تتكافأ , ودليلهم الذي زعموه أو أن يجيء دليلهم الذي زعموه أعم من هذا حتى يتكافأ ودعواهم التي ادعوها.

ثانيها : أنا لا نسلم لهم ما زعموه من أن التوراة لم تزل محفوظة في أيديهم حتى يصح استدلالهم بها, بل الأدلة متضافرة على أن التوراة الصحيحة لم يعد لها وجود, وأنه أصابها كثير من التغيير والتبديل .

ثالثها : أن هذا التواتر الذي خلعوه على التوراة لا يسلم لهم أيضا؛ لأنها لو كانت متواترة لحاجوا بها أفضل الرسل , و لعارضوا دعواه عموم رسالته بقول التوراة التي يؤمن بها ولا يجحدها بل يجهر بأنه جاء مصدقاً لها ويدعو المسلمين أنفسهم إلى الإيمان بها , ولكن ذلك لم يكن ، بل إن كثيرا من أخبار اليهود وعلمائهم كعبد الله بن سلام وأضرابه قد انقادوا لرسول الله مؤمنين ودانوا لشريعته مسلمين , واعترفوا بأنه الرسول الذي بشرت به التوراة والإنجيل.

رابعها : أن لفظ التأبيد الذي اعتمدوا عليه فيما نقلوه لا يصلح حجة لهم لأنه يستعمل كثيرا عند اليهود معدولاً به عن الحقيقة, من ذلك ما جاء في البقرة التي أمروا بذبحها :"هذه سنة لكم أبدا", وما جاء في القربان : "قربوا كل يوم خروفين قربانا دائما" مع أن هذين الحكمين منسوخان باعتراف اليهود أنفسهم على رغم التصريح فيهما بما يفيد التأبيد كما ترى.

خامسها : أن نسخ الحكم المؤبد لفظاً جائز على الصحيح كما أشرنا إلى ذلك قبلا فلاتكن هاتان العبارتان اللتان اعتمدوا عليهما منسوختين أيضا وشهبة التناقض تندفع بأن التأبيد مشروط بعدم ورود ناسخ فإذا ورد الناسخ انتفى ذلك التأبيد, وتبين أنه كان مجرد تأبيد لفظي للابتلاء والاختبار ([18]).

شبهة العيسوية:

يقول هؤلاء اليهود أتباع أبي عيسى الأصفهاني لا سبيل إلى إنكار نبوة محمد؛ لأن الله تعالى قد أيده بالمعجزات الكثيرة القاهرة, ولأن التوراة قد بشرت بمجيئه , ولا سبيل أيضا إلى القول بعموم رسالته لأن ذلك يؤدي إلى انتساخ شريعة إسرائيل بشريعته وشريعة إسرائيل مؤبدة بدليل ما جاء في التوراة من مثل هذه شريعة مؤبدة عليكم ما دامت السموات والأرض, وإنما هو رسول إلى العرب خاصة, وعلى هذا فالخلاف بينهم وبين من سبقهم أن دعواهم مقصورة على منع انتساخ شريعة موسى بشريعة محمد ,وشبهتهم التي ساقوها متكافئة مع دعواهم هذه ويفهم من اقتصارهم على هذا أنهم يجوزون أن تتناسخ الشرائع سمعاً فيما عدا هذه الصورة.



وندفع شبهتهم هذه بأمرين:

أولهما : أن دليلهم الذي زعموه هو دليل العنانية والشمعونية من قبلهم ,ولقد أشبعناه تزييفا وتوهينا بالوجوه الخمسة التي أسلفناها آنفا , فالدفع هنا هو عين الدفع هناك فيما عدا الوجه الأول.
ثانيهما : أن اعترافهم بأن محمدا رسول أيده الله بالمعجزات وجاءت البشارة به في التوراة يقضي عليهم لا محالة أن يصدقوه في كل ما جاء في شريعته , وقد جاء فيها ما يفيد أن شريعته عليه الصلاة والسلام من أن رسالته عامة وأنها ناسخة للشرائع قبله .

والنصوص في ذلك كثيرة :

أما من القرآن : فقد قال الله : ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ) ([19]).
ومن السنة : "بعثت إلى الناس كافة "([20]) وقوله عليه الصلاة والسلام "لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي "([21])إلى غير ذلك من الأدلة .


فمسألة أنهم يؤمنوا برسالته ثم لا يصدقوه في عموم دعوته فذلك تناقض منهم لأنفسهم ومكابرة للحجة الظاهرة لهم كما قال تعالى : (يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون)([22]) .([23])





قال الشهرستاني :([24])

" ومن العجب أن من رأى غيره يصدق ما عنده ويكمله ويرقيه من درجة إلى درجة كيف يسوغ له تكذيبه ؟ والنسخ في الحقيقة ليس إبطالا بل هو تكميل ، وفي التوراة أحكام عامة وأحكام خاصة إما بأشخاص وإما بأزمان وإذا انتهى الزمان لم يبق ذلك لامحالة ، ولا يقال إنه إبطال أو بداء ، كذلك ما هاهنا " .
وبذلك ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن القرآن شريعة الإسلام ناسخ لما قبله من الشرائع ، ثم هو غير منسوخ كله لأنه الشريعة الخاتمة . وحامله هو خاتم النبيين فلا نبي بعده . ([25])

قال تعالى :( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) .([26])













وقد أجمل الزرقاني في كتابه ([27]) أغلب الأدلة في مواجهة منكري النسخ جميعاً تتنوع بين أدلة على جوازه العقلي وأدلة أخرى على وقوعه السمعي.
أما أدلة جوازه العقلي فأربعة إجمالا ولا يضير بعضها أن يكون دليلا على الجواز والوقوع معا.
الدليل الأول :
أن النسخ لا محظور فيه عقلا وكل ما كان كذلك فهو جائز عقلاً
والخيرية قد تكون في النفع وقد تكون في الثواب وقد تكون في كليهما, أما المثلية فلا تكون إلا في الثواب فقط وذلك لأن المماثلة في النفع لا تتصور لأنه على تقدير ارتفاع الحكم الأول فإن المصلحة المنوط بها ذلك الحكم ترتفع ولا تبقى إلا مصلحة الآية المأتي بها فتكون خيرا من الذاهبة في نفعها لا محالة وإذا قدر بقاء الحكم الأول وكان النسخ للتلاوة وحدها فالمصلحة الأولى باقية على حالها لم يجد غيرها حتى يكون خيرا منها أو مثلها.
الدليل الثاني :
وهو دليل إلزامي للمنكرين أن النسخ لو لم يكن جائزا عقلا وواقعا سمعا لما جوزوا أن يأمر الشارع عباده بأمر مؤقت ينتهي بانتهاء وقته لكنهم يجوزون هذا عقلا ويقولون بوقوعه سمعا فليجوزوا هذا لأنه لا معنى للنسخ إلا انتهاء الحكم الأول لميقات معلوم عند الله بيد أنه لم يكن معلوما لنا من قبل ثم أعلمنا الله إياه بالنسخ وهذا ليس بفارق مؤثر.
فقول الشارع مثلا أول يوم من رمضان "صوموا إلى نهاية هذا الشهر" مساو لأن يقول أول يوم من رمضان "صوموا" من غير تقييد بغاية حتى إذا ما انتهى شهر رمضان قال أول يوم من شوال "أفطروا" وهذا الأخير نسخ لا ريب فيه وقد جوز منكروه المثال الأول فليجوزوا هذا المثال الثاني لأنه مساويه والمتساويات يجب أن يتحد حكمهما وإلا لما كانا متساويين.
الدليل الثالث :
أن النسخ لو لم يكن جائزا عقلا وواقعا سمعا لما ثبتت رسالة سيدنا محمد إلى الناس كافة لكن رسالته العامة للناس ثابتة بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة التي يطول شرحها إذن فالشرائع السابقة ليست باقية بل هي منسوخة بهذه الشريعة الختامية وإذن فالنسخ جائز وواقع أما ملازمة هذا الدليل فنبرهن عليها بأن النسخ لو لم يكن جائزا وواقعا لكانت الشرائع الأولى باقية ولو كانت باقية ما ثبتت رسالته إلى الناس كافة.


الدليل الرابع ما يأتي من أدلة الوقوع السمعي لأن الوقوع يستلزم الجواز وزيادة.

أدلة وقوع النسخ سمعا:

الأدلة السمعية على وقوع النسخ نوعان أحدهما تقوم به الحجة على منكري النسخ من اليهود والنصارى من غير توقف على إثبات نبوة الرسول لهم والآخر تقوم به الحجة على من آمن بنبوته كأبي مسلم الأصفهاني من المسلمين وكالعيسوية من اليهود فإنهم يعترفون برسالته عليه الصلاة والسلام ولكن يقولون إلى العرب خاصة وهؤلاء
تلزمهم بأنهم متى سلموا برسالته وجب أن يصدقوه في كل ما جاء به ومن ذلك عموم دعوته والنسخ الوارد في الكتاب والسنة. أما النوع الأول فآحاده كثيرة تفيض بها كتبهم الدينية ونحن نجتزئ منها بما يلي إلزاما لهم وإن كنا لا نؤمن بكل ما آمنوا به.
من أمثلته :
_ ما جاء في السفر الأول من التوارة أن الله تعالى قال لنوح عند خروجه من السفينة إني جعلت كل دابة حية مأكلا لك ولذريتك وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه ثم اعترفوا بعد ذلك بأن الله حرم كثيرا من الدواب على أصحاب الشرائع من بعد نوح ومنهم موسى نفسه كما جاء في السفر الثالث من توراتهم.
_ جاء في التوراة أن الله تعالى أمر آدم أن يزوج بناته من بنيه وورد أنه كان يولد له في كل بطن من البطون ذكر وأنثى فكان يزوج توأمه هذا للآخر ويزوج توأمه الآخر لهذا وهكذا إقامة لاختلاف البطون مقام اختلاف الآباء والأمهات والأنساب ثم حرم الله ذلك بإجماع المتدينين من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم.
_أن الله تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده ثم قال الله له لا تذبحه وقد اعترف منكرو النسخ بذلك.
_أن عمل الدنيا كان مباحا يوم السبت ومنه الاصطياد ثم حرم الله الاصطياد على اليهود باعترافهم
_ أن الله أمر بني إسرائيل أن يقتلوا من عبد منهم العجل ثم أمرهم برفع السيف عنهم.





وأما النوع الثاني فمنه :
أولا قوله تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ([28]).
ثانيا قوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ([29]) وقد أسلفنا الكلام على هاتين الآيتين ونزيدك أن دلالتهما على وقوع النسخ ملحوظ فيهما أنهما نزلتا ردا على طعن الطاعنين على الإسلام ونبي الإسلام بوقوع النسخ في الشريعة المطهرة.

ثالثا: قوله تعالىوَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ([30]) .
ووجه الدلالة في هذه الآية أن التبديل يتألف من رفع لأصل وإثبات لبدل وذلك هو النسخ سواء أكان المرفوع تلاوة أم حكما.

رابعا :أن سلف الأمة أجمعوا على أن النسخ وقع في الشريعة الإسلامية كما وقع بها.
خامسا :أن في القرآن آيات كثيرة نسخت أحكامها.

وهذا دليل في طيه أدلة متعددة لأن كل آية من هذه الآيات المنسوخة تعتبر مع ناسخها دليلا كاملا على وقوع النسخ إذا الوقوع يكفي في إثباته وجود فرد واحد .

وبعد هذا العرض يتبين لنا صحة وقوع النسخ عقلاً وشرعاً وأن المخالفين من اليهود ليس لهم من الشبه ما يقوى لأن يكون دليلاً صحيحاً .





الخاتمة

الحمد لله الذي أعانني على إتمام هذا البحث ، ولقد توصلت بعد الكتابة فيه
إلى بعض النتائج أذكر منها ما يلي :

1/ إن القول بأن اليهود يربطون بين النسخ والبداء ليس صحيح على إطلاقه وذلك لكونهم لم يتفقون في ذلك .
2/ أن اليهود يتفقون على أن الشريعة الإسلامية ناسخة لشريعتهم ولكنهم يفترقون فيما عدا هذه القضية إلى ثلاث فرق .
3/ أشد فرق اليهود غلوا في إنكار النسخ هم الشمعونية فإنهم راحوا يثيرون الشبه على جواز النسخ عقلا ،ليحكموا باستحالة وقوعه سمعا . وهم الذين ربطوا بينه وبين البداء .
4/ انكار النسخ ليس غاية عندهم ، وإنما هي وسيلة فحسب . والغاية هي إنكار رسالة النبي محمد عليه الصلاة والسلام .
5/ ضعف أدلة اليهود في إنكار النسخ وبيان أن النسخ جائز عقلا وسمعا ويؤيد ذلك ما جاء في القرآن والسنة من الأدلة على اثباته وكذلك ما جاء في التوراة من قبل وكل ما دل على وجوده عقلا.

هذا ما يسر الله الوقوف عليه ،فما كان فيه من صواب فمن الله وما كان فيه من خطأ فمن نفسي والشيطان . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آ له وصحبه أجمعين .

([1])انظر: الناسخ والمنسوخ لقتادة (1/9) ، البرهان في علوم القرآن (2/29)، الاتقان في علوم القرآن للسيوطي (3 / 58).

([2])[البقرة:269].

([3]) تفسير الطبري (5/ 576).

([4]) قال عنه الألباني :إسناده صحيح على شرط الشيخين .

([5]) تفسير البغوي (3/ 26) .

([6]) لعله صاحب فرقة من الفرق الصغيرة التي لم تشتهر, ولم توجد له ترجمة .

([7]) هو رأس الجالوت ، تخالف فرقته سائر اليهود في السبت والأعياد وينهون عن أكل الطيار والظباء والسمك والجراد، ويصدقون عيسى في مواعظه وإشاراته ، ويقولون إنه لم يخالف التوراة البتة، بل قررها ودعا الناس إليها
(ينظر الملل والنحل 2/20) .

([8]) قيل إن اسمه عوفيد الوهيم ، أي عابد الله . كان في زمن المنصور ، وابتدأ دعوته في زمن آخر ملوك بني أمية :مروان بن محمد . (انظر المرجع السابق )

([9]) النسخ في القرآن للدكتور مصطفى زيد (1/30) .

([10]) المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ لابن الجوزي (1/12) ، وانظر : الناسخ والمنسوخ للنحاس (1/62) .

([11]) فصلت :46 .

([12]) البقرة :143.

([13]) البقرة :106 .

([14]) انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن (2/174) ، نظرية النسخ في الشرائع السماوية (ص: 30) ، والنسخ في القرآن بين المؤيدين والمعارضين (ص :26) .

([15]) نظرية النسخ في الشرائع السماوية صــــ 31 ، صــــ 33 .

([16]) ينظر مناهل العرفان في علوم القرآن ( 2 /95ـ،97) .

([17]) وهذه من شبه الشمعونية و العيسوية أيضا .

([18]) ينظر: مناهل العرفان لعوم القرآن للزرقاني ( 2/197) ، والنسخ في دراسات الأصوليين لنادية العمري (ص:81،79) .

([19])الأعراف :158 .

([20]) أخرجه أحمد في مسنده (4/472) من حديث ابن مسعود مرفوعا بلفظه وفيه زيادة .

([21]) أخرجه أحمد في مسنده (22/468/14631) من حديث جابر بن عبدالله مرفوعا بمعناه.

([22]) الأنفال :6 .

([23]) المرجع السابق (2/197) ، وانظر النسخ في القرآن بين المؤيدين والمعارضين (ص: 31) ، والنسخ في دراسات الأصوليين (ص :82) .

([24])محمد بن عبد الكريم بن أحمد، أبو الفتح الشهرستاني: من فلاسفة الإسلام. كان إماما في علم الكلام وأديان الأمم ومذاهب الفلاسفة. يلقب بالأفضل ، ولد في شهرستان (بين نيسابور وخوارزم) وانتقل إلى بغداد سنة 510 هـ فأقام ثلاث سنين، وعاد إلى بلده. وتوفي بها.
قال ياقوت في وصفه: (الفيلسوف المتكلم، صاحب التصانيف، كان وافر الفضل، كامل العقل، ولولا تخبطه في الاعتقاد ومبالغته في نصرة مذاهب الفلاسفة والذب عنهم لكان هو الإمام.) . الأعلام للزركلي (6/ 215)

([25]) النسخ في القرآن بين المؤيدين والمعارضين (ص:ــ 31) .

([26]) الأحزاب : 40

([27]) مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني ، باب النسخ بين مثبتيه ومنكريه (2/188) .

([28]) البقرة :106.

([29]) الأنفال :6 .

([30]) النحل :101