حكم الوقف على: ( وَيَخْتَارُ ) من قوله تعالى :
: +فأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَة ُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ" [القصص: 67 ـ 68 ]
اختلف أهل التأويل في المراد بـ (ويختار).
فيها قولان:
القول الأول: أن الاختيار لله لا كما يشاء الناس لأنه أعلم من الذي يصلح لها، أي: وربك يخلق ما يشاء من خلقه ويختار منهم من يشاء لطاعته، ولنبوته، وأنصار دينه(1).
وعلى هذا التأويل: يحسن الوقف على: +ويختار"(2)
القول الثاني: أن الاختيار يكون في الذي كان لهم فيه الخيرة، و تكون +مَا" في موضع نصب بـ +يَخْتَارُ".
وعلى هذا التأويل: يكون الوقف عند قوله: +وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء" ثم يقول: +وَيَخْتَارُ ما كان لهم الخيرة"(3).
(1) انظر: بدائع التفسير: 353، وتفسير القرآن العظيم: 6/ 251. والقطع: (390)
(2) انظر: القطع: (390) والمكتفى: (439) و علل الوقوف: (2/782).
(3) انظر: تفسير جامع البيان 6/ 212. المكتفى: (439)
قال السمين الحلبي: قوله: +مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة" فيه أوجهٌ:
أحدها: أن « ما » نافيةٌ فالوقفُ على « يَخْتار ».
والثاني: « ما » مصدريةٌ أي: يختار اختيارَهم، والمصدرُ واقعٌ موقعَ المفعولِ به أي: مُختارهم.
الثالث: أَنْ تكونَ بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ أي: ما كان لهم الخيرةُ فيه كقولِه: +وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور" [الشورى:43] أي: منه.
وجَوَّزَ ابنُ عطية أَنْ تكونَ « كان » تامةً و « لهم الخِيَرَةُ » جملةٌ مستأنفةٌ.
و لم يَزَلِ الناسُ يقولون: إن الوقفَ على « يختار »، والابتداءَ ب « ما » على أنها نافيةٌ هو مذهب أهل السنة.
ونُقِل ذلك عن جماعةٍ كأبي جعفرٍ وغيرِه، وأنَّ كونَها موصولةً متصلةً ب « يختار » غيرَ موقوفٍ عليه مذهبُ المعتزلة.
وهذا الزمخشريُّ قد قَّررَ كونَها نافيةً، وحَصَّل غرضَه في كلامِه، وهو موافقٌ لكلامِ أهل السنة ظاهراً، وإنْ كان لا يريده.
وهذا الطبريُّ مِنْ كبار أهل السنة مَنَعَ أَنْ تكونَ [ ما ] نافيةً قال: لئلا يكون المعنى: أنَّه لم تكنْ لهم الخيرةُ فيما مضى، وهي لهم فيما يُستقبل، وأيضاً فلم يتقدَّمْ نفيٌ «. وهذا الذي قاله ابنُ جريرٍ مَرْوِيٌّ عن ابن عباس.
وقال بعضُهم: ويختار لهم ما يشاء من الرسلِ، ف » ما « على هذا واقعةٌ على العقلاء )) اهـ (1)
(1)الدر المصون في علم الكتاب المكنون سورة القصص ية 68 باختصار.
رأي أهل الوقف:
قال ابن الأنباري ت 328: الوقف على +وَيَخْتَارُ" تام إن كانت (ما) جحدا يراد بها: ليس لهم الخيرة، أي: ليس لهم أن يختاروا .
وإن كانت (ما) في موضع نصب بـ ( يختار) لم يحسن الوقف على (ويختار) من أجل أن المعنى: ويختار الذي كان لهم الخيرة، أي: كان لهم خيرته(1)
قال النحاس ت 338 هـ.: الوقف على +وَيَخْتَارُ" أكثر أصحاب التمام وأهل التفسير والقراء على أنه تمام، رواه نافع، ويعقوب وأحمد بن موسى ومحمد بن عيسى وأحمد بن جعفر، وأبو حاتم، ونصير، ثم ابتدأ: +ما كان لهم الخيرة" أي: لم تكن لهم الخيرة. (2)
قال الإمام الداني ت444 هـ: تام إذا جعلت (ما) حجداً، فإن جعلت +..ما.." بمعنى الذي فالوقف على +.. الخيرة.." وهو تام في كلا الوجهين (3)
قال السجاوندي ت560 هـ.: مطلق، ومن وصل على معنى: ويختار ما كان لهم فيه الخيرة فقد أبعد بل (ما) لنفي اختيار الخلق تقريرًا لا اختيار الحق تعالى (4).
(1) انظر: إيضاح الوقف والابتداء ص: 432، ط دار الحديث، تحقيق عبد الرحيم الطرهوني
(2) انظر: القطع: (390)
(3) انظر: المكتفى: (439)
(4) انظر: العلل: (2/782).
قال زكريا الأنصاري ت: 926 هـ: تام: إن جعل +ما" التي بعدها نافية، فإن جعلت مصدرية، أي: يختار اختيارهم (1).
قال الأشموني 111 هـ: +ويختار" تام: على أنَّ ما التي بعده نافية لنفي اختيار اختِيار الخلق لا اختيار الحق أي ليس لهم أن يختاروا بل الخيرة لله تعالى في أفعاله وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه.
قال أبو الحسن الشاذلي: فِرَّ من مختاراتك كلها إلى الله تعالى فإنَّ من اختار شيأً لا يدري أيصل إليه أم لا وإذا وصل إليه فلا يدري أيدوم له ذلك أم لا وإذا دام إلى آخر عمره فلا يدري أفيه خير أم لا فالخيرة فيما اختاره الله تعالى.
والوقف على +ويختار" وهو مذهب أهل السنة، وترك الوقف عليه مذهب المعتزلة، والطبري من أهل السنة منع أن تكون +ما" نافية قال: لئلا يكون المعنى أنَّه لم تكن لهم الخبرة فيما مضى وهي لهم فيما يستقبل وهذا الذي قاله ابن جرير مروي عن ابن عباس، وليس بوقف إن جعلت +ما" موصولة في محل نصب والعائد محذوف أي ما كان لهم الخيرة فيه ويكون +يختار" عاملاً فيها وكذا إن جعلت مصدرية أي يختار اختيارهم(2).
(1) انظر: المقصد، 587
(2) انظر: الأشموني: 587
الراجح في المسألة:
الراجح الرأي الأول: وهو أن تكون ( ما ) نافية، وهو قول جمهور المفسرين والقراء، واختيار عموم المصاحف حيث أشارت بالرمز ( قلي).
أي: ليس هذا الاختيار إليهم، بل إلى الخالق وحده، فكما أنه سبحانه المنفرد بالخلق، فهو المنفرد بالاختيار
فلا شك أنه ليس لأحد أن يخلق، ولا أن يختار سوى الله لأنه المتفرد بذلك لا يشاركه في ذلك أحد من الخلق.
قال المهدوي: وهو أشبه بمذهب أهل السنة و+مَا" من قوله: +مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ" نفي عام لجميع الأشياء أن يكون للعبد فيها شيء سوى اكتسابه بقدرة الله اهـ )) (1).
وقال الإمام ابن كثير: يخبر تعالى أنه المنفرد بالخلق والاختيار، وأنه ليس له في ذلك منازع ولا معقب فقال: +وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ" أي: ما يشاء، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فالأمور كلها خيرها وشرها بيده، ومرجعها إليه.
وقوله: +مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ" نفي على أصح القولين، كقوله تعالى: +وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ" [ الأحزاب: 36 ].
واختار ابن جرير أن مَا هاهنا بمعنى: (الذي)، تقديره: ويختار الذي لهم فيه خيرة. وقد احتج بهذا المسلك طائفة المعتزلة على وجوب مراعاة الأصلح، والصحيح أنها نافية، كما نقله ابن أبي حاتم، عن ابن عباس وغيره أيضا، فإن المقام في بيان انفراده تعالى بالخلق والتقدير والاختيار، وأنه لا نظير له في ذلك؛ ولهذا قال: +سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ" أي: من الأصنام والأنداد، التي لا تخلق ولا تختار شيئًا )) اهـ (2).
(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي/13/305.
(2) تفسير القرآن العظيم: 6/ 251.
[COLOR="rgb(139, 0, 0)"]قال القرطبي[/COLOR]: (( قال علي بن سليمان: هذا وقف التمام ولا يجوز أن تكون +مَا" في موضع نصب بـ +يَخْتَارُ" لأنها لو كانت في موضع نصب لم يعد عليها شيء، قال وفي هذا رد على القدرية )) اهـ (1).
[COLOR="rgb(139, 0, 0)"]قال الشوكاني[/COLOR]: (( قال الزجاج: الوقف على +ويختار" تام على أن ما نافية، قال: ويجوز أن تكون ما في موضع نصب بيختار.
والمعنى: ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة، والصحيح الأول لإجماعهم على الوقف.
وقال ابن جرير: إن تقدير الآية ويختار لولايته الخيرة من خلقه، وهذا في غاية من الضعف.
وجوز ابن عطية أن تكون كان تامة ويكون لهم الخيرة جملة مستأنفة وهذا أيضا بعيد جدا.
وقيل إن ما مصدرية: أي يختار اختيارهم والمصدر واقع موقع المفعول به: أي ويختار مختارهم وهذا كالتفسير لكلام ابن جرير.
والراجح أول هذه التفاسير)) اهـ (2)
رموز المصاحف:
أشارت عموم المصاحف، كالشمرلي (مصر)، والمدينة، ودمشق ( قلى) والباكستاني (ط) إشارة إلى ألولوية الوقف مع جواز الوصل، وهو ما يؤيد الرأي الأول.
(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي/13/305.
(2) فتح القدير: 4 / 260

كلام نفيس للإمام ابن القيم
قال ابن القيم بعد أن ذكر رأي العلماء في الآية: وأصحُّ القولين أن الوقف التام على قوله: +وَيَخْتارُ" ويكون +مَا كَانَ لَهُم الخِيَرَةُ" نفياً، أي: ليس هذا الاختيار إليهم، بل هو إلى الخالق وحده، فكما أنه المنفرد بالخلق، فهو المنفرد بالاختيار منه، فليس لأحد أن يخلق، ولا أن يختار سواه، فإنه سبحانه أعلم بمواقع اختياره، وَمَحَالِّ رضاه، وما يصلُح للاختيار مما لا يصلح له، وغيرُه لا يُشاركه في ذلك بوجه.
وذهب بعض من لا تحقيق عنده، ولا تحصيل إلى أن +مَا" في قوله تعالى: +مَا كَانَ لهُمُ الخِيَرَةُ" موصولة، وهي مفعول +وَيَخْتارُ" أي: ويختار الذي لهم الخيرة، وهذا باطل من. وجوه.
أحدُها: أن الصلة حينئذٍ تخلو من العائد، لأن +الخِيرةَ" مرفوع بأنه اسم +كَانَ" والخبر +لهُمُ"، فيصير المعنى: ويختار الأمر الذي كان الخيرةُ لهم، وهذا التركيبُ محال من القول. فإنْ قيل: يمكن تصحيحُه بأن يكون العائد محذوفاً، ويكون التقدير: ويختار الذي كان لهم الخِيرةُ فيه، أي: ويختار الأمرَ الذي كان لهم الخِيرةُ في اختياره.
قيل: هذا يفسُد من وجه آخر، وهو أن هذا ليس من المواضع التي يجوز فيها حذف العائد، فإنه إنما يحذف مجروراً إذا جُرَّ بحرف جُرَّ الموصولُ بمثله مع اتحاد المعنى، نحوُ قوله تعالى: +يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ" [المؤمنون: 33]، ونظائره، ولا يجوز أن يقال: جاءني الذي مررتُ، ورأيت الذي رغبتُ، ونحوه.
الثّاني: أنه لو أُريد هذا المعنى لنصب: +الخِيرةَ" وشُغِلَ فعل الصلة بضمير يعود على الموصول، فكأنه يقول: ويختارُ ما كان لهم الخيرة، أي: الذي كان هو عينَ الخيرة لهم، وهذا لم يقرأْ به أحد البتَّة، مع أنه كان وجه الكلام على هذا التقدير.
الثّالث: أن الله سبحانه يَحكي عن الكفار اقتراحَهم في الاختيار، وإرادتهم أن تكون الخيرةُ لهم، ثم ينفي هذا سبحانه عنهم، ويبين تفرُّدَه هو بالاختيار، كما قال تعالى: +وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَىَ رَجُلٍ مّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لّيَتّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبّكَ خَيْرٌ مّمّا يَجْمَعُونَ" [الزخرف: 31- 32].
فأنكر عليهم سبحانَه تخيُّرَهم عليه، وأخبر أن ذلك ليس إليهم، بل إلى الذي قَسَمَ بينهم معايشَهم المتضمنةَ لأرزاقهم وَمُدَدِ آجالهم، وكذلك هو الذي يَقسِم فضله بين أهل الفضل على حسب علمه بمواقع الاختيار، ومن يصلُح له ممن لا يصلُح، وهو الذي رفع بعضهم فوق بعض درجات، وقسم بينهم معايشهم، ودرجات التفضيل، فهو القاسم ذلك وحده لا غيره.
وهكذا هذه الآية بيّن فيها انفراده بالخلق والاختيار، وأنه سبحانَه أعلمُ بمواقع اختياره اهـ(1).
(1) زاد المعاد في هدى خير العباد 1/39