مجلس مع البخاري


من أي بلد أنت أخي؟ من الكنغو الشعبية.. من البوسنة.. من الفلبين.. من كوسوفا.. من الأردن.. من اليمن.. من مصر!

تذكرتُ مع هذا الحضور المتنوع في بلدانه وأجناسه، الكلمة الشهيرة التي أطلقها الإمام الزهري: "هذا دين من أخذ به عزّ، ومن تركه ذلّ"! هذا أبيض وذاك أسود، وهذا عربي وذاك أعجمي، هذا صغير وذاك كبير، وإمامنا صاحب الكتاب من بلاد بُخارى! التي أخرجت إمام الدنيا في الحفظ وفي فقه الحديث، أبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري (ت: 256هـ) وارتبط اسمه بأصح كتاب على وجه الأرض بعد القرآن! وليكون الكتاب الأبرزَ في عناية العلماء وطلاب العلم في حفظه، وشرحه، وسماعه، منذ أن انتشر في عصر مصنفه وإلى يومنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وتأتي مجالس التعليق على صحيح البخاري الذي تشرفتُ بالمشاركة فيه([1])، صورةً من صور هذه الحفاوة بهذا الكتاب المبارك، والتي خرجت منها ببعض العبر والمعاني، أحببتُ تقييدها في هذه الأسطر القليلة؛ لعل الله أن ينفع بها:

أولاً: ماذا صنع البخاري حتى ينال هذه المنزلة؟ إنه الصبر، والصدق، وعلو الهمة، والاعتماد على الله تعالى، فصار علمه يقرأ في بيوت الله، منذ أن صنّف كتابه.

وطالبُ العلم الموفق يعتبر بذلك، وأنه بقدر بذله وصبره على هذا الطريق يفلح ويظفر بإذن الله، وحينما نتذكر اشتراكنا جميعاً ـ نحن والأئمة ـ في قوله تعالى في سورة النحل ـ التي تسمى سورة النعم ـ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا [النحل: 78]، فإن هذا مما يدفع لسؤال الله العون والتوفيق مع بذل السبب، وسندرك بتوفيق الله.

ثانياً: يبحث الناس ـ في عصر القلق ـ عن السكينة والطمأنينة، وهاهي تتنـزل في بيوت الله تعالى، حينما تترنم بكلامه، أو تقرأ حديث رسوله ! السكينة التي ذكرها النبي في قوله: "إلا تنزلت عليهم السكينة"([2])، شيءٌ اتفق الحاضرون على ذوقهم لها، وشعورهم بها، وسيجده من يحضر هذه المجالس وأمثالها.

ثالثاً: مع طول هذه المجالس التي تمتد نحواً من ثنتي عشرة ساعة، تخللها بعض التوقف، إلا أن الجميع اتفق على عدم مللهم، فما السر؟ إنه عون الله تعالى، والبركة التي تصيبهم من جراء المكان وموضوع الدرس، فالمكان بيت الله، والحديث حديث رسول الله .

يحدثنا الواقع عن جَلَد بعض الناس وصبرهم على مجالس اللهو واللعب، وصبرهم الساعات الطوال، وهاهي مجالس الحديث تنطق بصبر محبي سنة محمد على طولها، ولئن كان المتحدث مضطراً للصبر لأنه مخوّل بالحديث، فما الذي يجعل طالباً لا يتكئ على جدار، ولا غيره، يواصل؟

إن هذا المعنى ليؤكد لنا بقاء الخيرية في هذه الأمة، وأنه يوجد في هذا العصر المليء بالصوارف مَنْ لديه الاستعداد للصبر على الطلب والتحصيل، فلا نامت أعين المتشائمين!

رابعاً: من أعظم الغنائم التي يخرج بها الحاضر لهذه المجالس ـ ولو لم يفهم حرفاً ـ هي: كثرة الصلاة والسلام على نبينا محمد ، تلكم الغنيمة التي بينها بقوله: "من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً"([3])، ولو قلت إنه في هذا المجلس الذي تشرفتُ به سمعنا الصلاة والسلام عليه نحواً من ألفِ مرة لم أكن مبالغاً، وياله من شرف! يقول الإمام سفيان الثوري : «لو لم يكن لصاحب الحديث فائدة إلا الصلاة على رسول الله ، فإنه يصلي عليه ما دام في الكتاب»([4]).

خامساً: من أعظم بركات هذه المجالس: التشبع من صحيح السنة، بل من أصح كتاب على وجه الأرض بعد القرآن. ومن المعلوم أن الإنسان إذا أدمن قراءة صحيح السنة، وتاجهُ الصحيحان، فستتكون عنده حصيلة مباركة من البيان النبوي، وتبدأ ـ مع الوقت والتفقه ـ نفسه تنفر من ركيك الألفاظ ومنكر المعاني الذي امتلأت به الأحاديث الموضوعة المكذوبة على رسول الله .

كما أنه ـ مع إدمان النظر ـ ستتضح عنده الصورة فيما يخص مجريات السيرة الصحيحة عنه ، ففي كتب السير ـ كما هو معلوم ـ يحصل توسّع في إيراد الأخبار التي قد يتسامح في ذكرها بعض المصنفين في السير، وقد يكون فيها ما يخالف الثابت في السيرة التي رويت بأصح الأسانيد، فتتكون عنده ـ مع طول الممارسة والمدارسة ـ ملَكَةٌ نقدية جيدة.

سادساً: من أهم الفوائد التربوية لأمثال هذه المجالس: أن يدرك طالب العلم عظيم الجهد الذي بذله هؤلاء الأئمة الأكابر في جمع السنة وتمحيصها، وأن يعرف قدرهم، ويترحم عليهم، وكذلك أن يعرف قدر نفسه، ورحم الله من وفّق لذلك.

سابعاً: لن يذوق طعم هذه المجالس من خاض في لجج المتاهات الفكرية التي شكّكته في مصادر الشريعة، وأدخلته في دوامة الحيرة، وسراديب الشك.

فيا طالب العلم، ومحب سنة محمد دونك هذه المجالس، فهي ـ والله ـ مغتسل بارد وشراب.


([1]) ضمن سلسلة نظمها مكتب الدعوة ببريدة، وانعقدت في جامع الراجحي في بريدة، وشارك فيها عدد من المشايخ وطلاب العلم، وقد كان نصيبي من هذه المجالس يوم الخميس 8/ 6 /1434هـ.
([2]) مسلم (2699).
([3]) مسلم (384).
([4])شرف أصحاب الحديث، للخطيب البغدادي (ص: 36).



مجلس مع البخاري - الموقع الرسمي للدكتور/ عمر بن عبد الله المقبل