الإسرائيليات في تفسير همّ يوسف u ، وأثر السياق القرآني في نقدها.
ومن الروايات التي لا تصح ومرجعها إلى الإسرائيليات ما ذكره بعض المفسرين عند تفسير قول الله تعالى: ﭮﭯﭶﭷﭼﭽﭿ([1])
حيث ذكروا ما لا يصح في حق سيدنا يوسف u ؛ لكونه ينافي عصمة الأنبياء ، ولا يتفق مع السياق القرآني الذي وردت فيه القصة، كما يتضح من خلال ما يلي:
الإسرائيليات في تفسير همّ يوسف u :
وردت روايات كثيرة في تفسير هَمّ سيدنا يوسف u وقد أفادت بمجموعها أنه عزم، بل جلس من امرأة العزيز مجلس الرجل من زوجته، وحل السراويل، وكاد أن يرتكب معها الفاحشة، ولم يمنعه من ذلك إلا برهان ربه على ما فسروه أيضا من روايات تتنافي مع العصمة والسياق.
ومن هذه الروايات ما يلي:
1- عن ابن عباس - رضى الله عنهما- أنه سئل عن هَمِّ يوسف u ما بلغ؟ قال: حل الهميان- يعنى السراويل- وجلس منها مجلس الخاتن.([2])
2- وفي بعض الروايات عن ابن عباس - رضى الله عنهما- أيضا قال: نودي يا ابن يعقوب لا تكن كالطائر له ريش، فإذا زنى ذهب ريشه، أو قعد لا ريش له([3]).
ومن الإسرائيليات في البرهان الذي رآه، ولولاه لوقع في الفاحشة([4]):
1- عن ابن عباس ﭶﭷقال: مثل له يعقوب، فضرب في صدره فخرجت شهوته من أنامله. ([5])
2- وعن قتادة: رأى صورة يعقوب فقال: يا يوسف تعمل عمل الفجار وأنت مكتوب في الأنبياء، فاستحيا منه. ([6])
ومن الإسرائيليات أيضا: ما روي عن ابن عباس ـ ـ قال: لما جمع الملك النسوة قال لهن: أنتن راودتن يوسف عن نفسه؟ ﯪﯫﯳﯴﯿ([7])، قال يوسف:([8]) ، فغمزه جبريل u فقال: ولا حين هممت بها؟ فقال: ﭔﭕﭝﭞ([9]). ([10])
- وعن حكيم بن جابر في قوله:قال جبريل: ولا حين حللت السراويل؟ .. ([11])
إلى غير ذلك من الإسرائيليات الباطلة والأكاذيب الملفقة.
نقد الإسرائيليات في تفسير همّ يوسف u ، وأثر السياق القرآني في نقدها:
إن بعض المفسرين ذكروا هذه الروايات دون ردّ لها أو بيان لزيفها، ومن هؤلاء: الأئمة: مقاتل بن سليمان، والصنعاني، والطبرى، وابن أبي حاتم، والواحدي، والبغوى، والثعلبي، والسمعاني، وغيرهم([12]).
ومما يثير العجب أن الإمام الطبرى - تعالى- قد ذكر بعض الوجوه التي يجوز حمل الآية عليها، لكنه - - ردها واعتبرها مخالفة لأقوال السلف - - ومن قبيل التفسير بالرأى، ومن هذه الوجوه: أن في الآية تقديمًا وتأخيرًا، والتقدير: "ولولا أن رأى برهان ربه لَهَمَّ بها" أى لم يحدث منه هَمٌّ أصلا. يرد الإمام مثل هذا ويعتبره مخالف لقول جميع أهل العلم بتأويل القرآن الذين عنهم يؤخذ تأويله([13]).
ثم يقول - - في نهاية تأويله للآية: "وأَوْلى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر عن هَمِّ يوسف وامرأة العزيز كل واحد منهما بصاحبه لولا أن رأى يوسف برهان ربه وذلك آية من آيات الله زجرته عن ركوب ما هَمَّ به يوسف من الفاحشة."([14])
وقد تابع الإمامَ الطبرىَّ في هذا القول بعضُ المفسرين. فتابعه الإمام الواحدي فقال: "قال المفسرون : الموثوق بعلمهم المرجوع إلى روايتهم هَمَّ يوسف أيضا بهذه المرأة هَمَّـًا، صحيحا وجلس منها مجلس الرجل من المرأة ، فلما رأى البرهان من ربه زالت كل شهوة عنه. قال جعفر الصادق t بإسناده عن علي t أنه قال : طمعت فيه وطمع فيها، فكان طمعه فيها أنه هَمَّ أن يحل التكة ، وعن ابن عباس - - قال : حل الهميان وجلس منها مجلس الخائن، وعنه أيضا: أنها استلقت له وجلس بين رجليها ينزع ثيابه".([15])
قال الإمام الرازي معقبا على ما ذهب إليه الإمام الواحدي: "ثم إن الواحدي طول في كلمات عديمة الفائدة في هذا الباب ، وما ذكر آية يحتج بها ولا حديثا صحيحا يعول عليه في تصحيح هذه المقالة ، وما أمعن النظر في تلك الكلمات العارية عن الفائدة روي أن يوسف u لما قال : ([16]) ، قال له جبريل u : ولا حين هممت يا يوسف؟ فقال يوسف عند ذلك : ﭔﭕ([17])" .
ثم قال([18]): "والذين أثبتوا هذا العمل ليوسف كانوا أعرف بحقوق الأنبياء - - وارتفاع منازلهم عند الله تعالى من الذين نفوا الهم عنه، فهذا خلاصة كلامه في هذا الباب"([19]).
وممن تابع الإمامَ الطبرىَّ فيما ذهب إليه: الإمامان الثعلبي والبغوى حيث ذكرا الروايات الفاسدة وارتضياها في تفسير الآية، وردا غيرها من الأقوال ؛ لمخالفتها أقاويل القدماء من العلماء الذين يؤخذ عنهم الدين والعلم. ([20])
وقد عَلَّقَ الدكتور محمد أبو شهبة على هذه الغفلة من هؤلاء الأئمة قائلاً: "وهى غفلة شديدة من هؤلاء الأئمة لا نرضاها، ولولا أنى أُنَزِّه لسانى وقلمى عن الهجر من القول، وأنهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا لقسوت عليهم، وحُقَّ لى هذا، لكنى أسأل الله لي ولهم العفو والمغفرة." ([21])
هذا، وقد تنبه كثير من المفسرين إلى هذه الخرافات والأباطيل، فردوها، وبينوا وجه الصواب في المسألة.
ومن هؤلاء: الأئمة: الرازى، وأبو حيان، والزمخشرى، وابن عطية، وابن تيمية، وابن كثير، وأبو السعود، والآلوسى، والشنقيطى، والقاسمى، وغيرهم([22]).
قال ابن كثير: "فعصمه ربه عن الفحشاء، وحماه عن مكر النساء، فهو سيد السادة النجباء، السبعة الأتقياء، المذكورين في الصحيحين عن خاتم الأنبياء، في قوله - عليه الصلاة والسلام -: [ سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ الله في ظِلِّهِ يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ: ... وذكر منهم: وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فقال إني أَخَافُ اللَّهَ]. ([23])
والمقصود أنها دعته إليها وحرصت على ذلك أشد الحرص، فقال: ﭠﭡﭥﭦ([24])
وأكثر أقوال المفسرين هاهنا متلقى من كتب أهل الكتاب، فالإعراض عنه أولى بنا. والذي يجب أن يعتقد: أن الله تعالى عصمه وبرأه، ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها وصانه منها، ولهذا قال تعالى: ﭼﭽﭿ([25])".([26])
أما الإمام الرازي فقد استوفي الرد على من اعتمد هذه الروايات الباطلة، فقال: " والقول الثاني : أن يوسف u كان بريئا عن العمل الباطل ، والهم المحرم ، وهذا قول المحققين من المفسرين والمتكلمين ، وبه نقول وعنه نذب .
واعلم أن الدلائل الدالة على وجوب عصمة الأنبياء - كثيرة -، ولقد استقصيناها في سورة البقرة في قصة آدم u فلا نعيدها إلا أنا نزيد هاهنا وجوها :
فالحجة الأولى : أن الزنا من منكرات الكبائر والخيانة في معرض الأمانة أيضا من منكرات الذنوب ، وأيضا مقابلة الإحسان العظيم بالإساءة الموجبة للفضيحة التامة والعار الشديد أيضا من منكرات الذنوب ، وأيضا الصبي إذا تربى في حجر إنسان وبقي مكفي المؤنة مصون العرض من أول صباه إلى زمان شبابه وكمال قوته، فإقدام هذا الصبي على إيصال أقبح أنواع الإساءة إلى ذلك المنعم المعظم من منكرات الأعمال .
إذا ثبت هذا فنقول : إن هذه المعصية التي نسبوها إلى يوسف كانت موصوفة بجميع هذه الجهات الأربع ومثل هذه المعصية لو نسبت إلى أفسق خلق الله تعالى وأبعدهم عن كل خير لاستنكف منه ، فكيف يجوز إسنادها إلى الرسول - عليه الصلاة والسلام - المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة . ثم إنه تعالى قال في غير هذه الواقعة : ﭼﭽ([27])، وذلك يدل على أن ماهية السوء والفحشاء مصروفة عنه ، ولا شك أن المعصية التي نسبوها إليه أعظم أنواع وأفحش أقسام الفحشاء، فكيف يليق برب العالمين أن يشهد في عين هذه الواقعة بكونه بريئا من السوء مع أنه كان قد أتى بأعظم أنواع السوء والفحشاء.
وأيضا فالآية تدل على قولنا من وجه آخر ، وذلك لأنا نقول: هب أن هذه الآية لا تدل على نفي هذه المعصية عنه ، إلا أنه لا شك أنها تفيد المدح العظيم والثناء البالغ ، فلا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكى عن إنسان إقدامه على معصية عظيمة، ثم إنه يمدحه ويثني عليه بأعظم المدائح والأثنية عقيب أن حكى عنه ذلك الذنب العظيم ، فإن مثاله ما إذا حكى السلطان عن بعض عبيده أقبح الذنوب وأفحش الأعمال ثم إنه يذكره بالمدح العظيم والثناء البالغ عقيبه ، فإن ذلك يستنكر جدا فكذا هاهنا والله أعلم .
الثالث : أن الأنبياء - - متى صدرت منهم زلة ، أو هفوة استعظموا ذلك وأتبعوها بإظهار الندامة والتوبة والتواضع ، ولو كان يوسف u أقدم هاهنا على هذه الكبيرة المنكرة لكان من المحال أن لا يتبعها بالتوبة والاستغفار، ولو أتى بالتوبة لحكى الله تعالى عنه إتيانه بها كما في سائر المواضع، وحيث لم يوجد شيء من ذلك علمنا أنه ما صدر عنه في هذه الواقعة ذنب ولا معصية .
الرابع : أن كل من كان له تعلق بتلك الواقعة فقد شهد ببراءة يوسف u من المعصية".([28])
وأما الإمام أبو حيان - - فقد أجاد وأفاد، وجاء بالقول الفصل في المسألة، فقال : "طَوَّل المفسرون في تفسير هذين الهمَّيْن، ونسب بعضهم ليوسف ما لا يجوز نسبته لآحاد الفساق، والذي أختاره: أن يوسف u لم يقع منه هَمٌّ بها البتة، بل هو منفي لوجود رؤية البرهان، كما نقول: قارفت لولا أن عصمك الله، ولا تقول: إن جواب (لولا) متقدم عليها، وإن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك، بل صريح أدوات الشرط العاملة مُخْتَلف في جواز تقديم أجوبتها عليها، وقد ذهب إلى ذلك الكوفيون، ومن أعلام البصريين أبو زيد الأنصارى وأبو العباس المبرد، بل نقول: إن جواب (لولا) محذوف لدلالة ما قبله عليه، كما يقول جمهور البصريين في قول العرب: أنت ظالم إن فعلت، فيقدِّرونه: إن فعلت فأنت ظالم، ولا يدل قوله: أنت ظالم على ثبوت الظلم، بل هو مُثْبَتٌ على تقدير وجود الفعل، وكذلك هنا التقدير: لولا أن رأى برهان ربه لَهَمَّ بها، فكان موجد الهم على تقدير انتفاء رؤية البرهان، ولكنه وجد رؤية البرهان، فانتفي الهَمُّ".
وبعد أن رَدَّ الإمام أبو حيان على الإمام الزجاج اعتراضًا لغويًا، قال: "وأما أقوال السلف، فنعتقد أنه لا يصح عن أحد منهم شيء من ذلك؛ لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضا مع كونها قادحة في فساق المسلمين فضلاً عن المقطوع لهم بالعصمة"([29]).
وما ذهب إليه الإمام أبو حيان من أن "جواب (لولا) محذوف لدلالة ما قبله عليه" هو ما ارتضيه في تفسير الآية.
وقد انتصر الشنقيطي لرأى أبى حيان فقال: "والجواب الثاني- وهو اختيار أبى حيان: أن يوسف لم يقع منه هَمٌّ أصلا، بل هو منفي عنه لوجود البرهان.
وهذا الوجه الذي اختاره أبو حيان وغيره هو أجرى الأقوال على قواعد اللغة العربية؛ لأن الغالب في القرآن الكريم وفي كلام العرب: أن الجواب المحذوف يذكر قبله ما يدل عليه، كقوله: ([30]) أي: إن كنتم مسلمين فتوكلوا عليه، فالأول: دليل الجواب المحذوف لا نفس الجواب، لأن جواب الشروط وجواب (لولا) لا يتقدم، ولكن يكون المذكور قبله دليلا عليه كالآية المذكورة. وكقـوله: ([31]) أي: إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم. وعلى هذا القول فمعنى الآية: وهَمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه، أي: لولا أن رآه هَمَّ بها. فما قبل (لولا) هو دليل الجواب المحذوف، كما هو الغالب في القرآن واللغة. ونظير ذلك قوله تعالى: ([32])، فما قبل (لولا) دليل الجواب، أي: لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدى به."([33])
كما عَلَّقَ الدكتور أبو شهبة على قول الإمام أبى حيان - - فقال: "وهذا هو القول الجزل الذي يوافق ما دل عليه العقل من عصمة الأنبياء، ويدعو إليه السابق واللاحق، وأما كون جواب لولا لا يجوز أن يتقدم عليها فهذا أمر ليس ذا خطر، حتى نعدل عن هذا الرأي الصواب، إلى التفسيرات الأخرى الباطلة، لِهَمِّ يوسف u والقرآن هو أصل اللغة، فورود أي أسلوب في القرآن يكفي في كونه أسلوبًا عربيًا فصيحًا، وفي تأصيل أي قاعدة من القواعد النحوية فلا يجوز لأجل الأخذ بقاعدة نحوية أن نقع في محظور لا يليق بالأنبياء كهذا"([34]).
وقد رَدَّ الإمام الزمخشرى - - أيضا هذه الروايات المختلقة فقال: " ولو وجدت من يوسف u أدنى زلة لنعيت عليه وذكرت توبته واستغفاره ، كما نعيت على آدم زلته ، وعلى داود ، وعلى نوح ، وعلى أيوب ، وعلى ذي النون ، وذكرت توبتهم واستغفارهم ، كيف وقد أثنى عليه وسمي مخلصا ، فعلم بالقطع أنه ثبت في ذلك المقام الدحض ، وأنه جاهد نفسه مجاهدة أولي القوة والعزم ، ناظرا في دليل التحريم ووجه القبح ، حتى استحق من الله الثناء فيما أنزل من كتب الأولين ، ثم في القرآن الذي هو حجة على سائر كتبه ومصداق لها ، ولم يقتصر إلا على استيفاء قصته وضرب صورة كاملة عليها ، ليجعل له لسان صدق في الآخرين ، كما جعله لجده الخليل إبراهيم u، وليقتدي به الصالحون إلى آخر الدهر في العفة وطيب الإزار والتثبت في مواقف العثار ، فأخزى الله أولئك في إيرادهم ما يؤدي إلى أن يكون إنزال الله السورة التي هي أحسن القصص في القرآن العربي المبين ليقتدي بنبي من أنبياء الله ، في القعود بين شعب الزانية وفي حل تكته للوقوع عليها ، وفي أن ينهاه ربه ثلاث كرات، ويصاح به من عنده ثلاث صيحات بقوارع القرآن ، وبالتوبيخ العظيم ، وبالوعيد الشديد ، وبالتشبيه بالطائر الذي سقط ريشه حين سفد غير أنثاه([35]) ، وهو جاثم في مربضه لا يتحلحل ولا ينتهي ولا ينتبه ، حتى يتداركه الله بجبريل وبإجباره.
ولو أن أوقح الزناة، وأشطرهم وأحدهم حدقة، وأصلحهم وجها لقي بأدنى ما لقي به نبي الله مما ذكروا ، لما بقي له عرق ينبض، ولا عضو يتحرك . فيا له من مذهب ما أفحشه ، ومن ضلال ما أبينه".([36])
وقال أبو السعود : "ألا يُرَى إلى ما سبق من استعصامه المنبئ عن كمال كراهيته له ونفرته عنه وحكمه بعدم إفلاح الظالمين، وهل هو إلا تسجيل باستحالة صدور الهم منه u تسجيلا محكمًا، وإنما عبر عنه بالهم لمجرد وقوعه في صحبة همها في الذكر بطريق المشاكلة، لا لشبهه به كما قيل، ولقد أشير إلى تباينهما حيث لم يلزا في قرن واحد من التعبير بأن قيل: ولقد هَمَّا بالمخالطة، أو هَمَّ كل منهما بالآخر، وصَدَّر الأول بما يقرر وجوده من التوكيد القسمي وعَقَّب الثاني بما يعفو أثره من قوله - -: أي حجته الباهرة الدالة على كمال قبح الزنا وسوء سبيله"([37]).
وقال ابن عاشور: " فالتقدير: ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها ، فقدم الجواب على شرطه للاهتمام به . ولم يقرن الجواب باللام التي يكثر اقتران جواب ( لولا ) بها؛ لأنه ليس لازما ولأنه لما قدم على ( لولا ) كره قرنه باللام قبل ذكر حرف الشرط ، فيحسن الوقف على قوله : ﭮﭯ ليظهر معنى الابتداء بجملة واضحا. وبذلك يظهر أن يوسف u لم يخالطه هم بامرأة العزيز لأن الله عصمه من الهم بالمعصية بما أراه من البرهان .
قال أبو حاتم : كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة فلما أتيت على قوله : ﭮﭯ الآية. قال أبو عبيدة : هذا على التقديم والتأخير ، أي تقديم الجواب وتأخير الشرط ، كأنه قال : ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها .
وطعن في هذا التأويل الطبري بأن جواب ( لولا ) لا يتقدم عليها. ويدفع هذا الطعن أن أبا عبيدة لما قال ذلك علمنا أنه لا يرى منع تقديم جواب ( لولا ) ، على أنه قد يجعل المذكور قبل ( لولا ) دليلا للجواب والجواب محذوفا لدلالة ما قبل ( لولا ) عليه. ولا مفر من ذلك على كل تقدير فإن ( لولا ) وشرطها تقييد لقوله: على جميع التأويلات ، فما يقدر من الجواب يقدر على جميع التأويلات".([38])
وعن الروايات الباطلة المنسوبة إلى السلف يقول الإمام الآلوسى: "وأما أقوال السلف: فالذى نعتقده أنه لم يصح منها شيء عنهم لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضا مع كونها قادحة في بعض فساق المسلمين فضلاً عن المقطوع لهم بالعصمة." ([39])
وقال ابن تيمية: "وأما ما ينقل من أنه حل سراويله وجلس مجلس الرجل من المرأة، وأنه رأى صورة يعقوب عاضا على يده وأمثال ذلك، فكله مما لم يخبر الله به ولا رسوله، وما لم يكن كذلك فإنما هو مأخوذ عن اليهود الذين هم من أعظم الناس كذبا على الأنبياء وقدحا فيهم، وكل من نقله من المسلمين فعنهم نقله، لم ينقل من ذلك أحد عن نبينا e حرفا واحدا".([40])
وهكذا تصدى كثير من المفسرين لهذه الإسرائيليات، فردوها، ونزهوا ساحة النبوة، وأولوا الآية الكريمة تأويلاً صحيحًا، يليق بمقام النبوة وعصمة الأنبياء - – ويناسب السياق القرآني الذي وردت فيه الآيات.
وأشير هنا إلى أن من المفسرين([41]) من يرى: أن المراد بهمها به : الهم بضربه نتيجة عصيانه لأمرها .
وأن المراد بهمه بها : الدفاع عن نفسه برد الاعتداء ، ولكنه آثر الهرب .
وقد قرر هذا الرأي ودافع عنه وأنكر سواه صاحب المنار ، فقد قال ما ملخصه :
ﭮﭯ أى : وتالله لقد همت المرأة بالبطش به لعصيانه لأمرها ، وهى في نظرها سيدته وهو عبدها ، وقد أذلت نفسها له بدعوته الصريحة إلى نفسها ، بعد الاحتيال عليه بمراودته عن نفسه . . . فخرجت بذلك عن طبع أنوثتها في التمنع . . مما جعلها تحاول البطش به بعد أن أذل كرامتها ، وهو انتقام معهود من مثلها ، وممن دونها في كل زمان ومكان.
وكاد يرد صيالها ويدفعه بمثله ، وهو قوله - تعالى - ﭶﭷولكنه رأى من برهان ربه فى سريرة نفسه ، ما هو مصداق قوله - تعالى - وهو إما النبوة . . . وإما معجزتها . . وإما مقدمتها من مقام الصديقية العليا ، وهى مراقبته لله - تعالى - ورؤيته ربه متجليا له ، ناظرا إليه. ([42])
وما ذهب إليه صاحب المنار من تفسير الهم منها بالبطش بيوسف ، وتفسير الهم منه برد الاعتداء الذي وقع عليه منها . . . أقول : ما ذهب إليه صاحب المنار من تفسير الهم بذلك ، لا أرى دليلا عليه من الآية ، لا عن طريق الإِشارة ، ولا عن طريق العبارة . . . ([43])
قال صاحب الظلال: " تفسير الهم بأنه هم الضرب ورد الضرب مسألة لا دليل عليها في العبارة، فهي مجرد رأي لمحاولة البعد بيوسف عن هم الفعل أو هم الميل إليه في تلك الواقعة. وفيه تكلف وإبعاد عن مدلول النص." ([44])
وذهب البعض([45])إلى أن الهم الذي حصل إنما هو بمقتضى الطبيعة والفطرة الإنسانية البشرية، ويوسف u وقتئذ شاب يافع قوى فتى، على أنه هم ولم يفعل؛ إذ ما أن هم بمقتضى الطبيعة حتى تذكر ربه فكف نفسه بعد أن أثارتها الطبيعة، والعيب أن يرتكب الإنسان الخطيئة لا أن يهم بها فيمنعه دينه، ولذا يقولون : إنه هَمّ وما ألمّ ، [وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فلم يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله له عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً] ([46]).([47])
قالوا: وقد يخطر بقلب المرء وهو صائم شرب الماء البارد وتناول الطعام اللذيذ، فإذا لم يأكل ولم يشرب ولم يصمم عزمه على الأكل والشرب لا يؤاخذ بما هجس في النفس، والبرهان صرفه عن هذا الهم حتى لم يصر عزما مصمما. ([48])
وهذا رأي حسن([49]) كدت أركن إليه، ولكن بعد النظر في سياق الآيات تبين لي أن القول بعدم حصول الهم من يوسف u هو الأولى بالقبول، فالهم حتى ولو كان بمعنى الميل الفطري أو حديث النفس أو الخاطر أو مقاربة الفعل، فإنه بهذا المعنى أو ذاك لم يقع لوجود البرهان الرباني.
ولسائل أن يقول: إذا كان يوسف u لم يهم بامرأة العزيز فلماذا قال الله تعالى:ﭶﭷ؟ ولم يقل: ولقد همت به، وما هَمَّ بها، أو: ولقد همت به ولولا أن رأي برهان ربه لهَمَّ بها؟
والجواب: أن التعبير القرآني مقصود بهذا السياق، فالآية تشير إلى أن يوسف u كامل الفحولة، "وأن ترك الهم بها ما كان لعدم رغبته في النساء، وعدم قدرته عليهن، بل لأجل أن دلائل دين الله منعته عن ذلك العمل".([50])
قال الشيخ الشعراوي: " ولماذا لم يَقُل الحق : لقد همَّتْ به ولم يهم بها؛ حتى نخرج من تلك القضية الصعبة؟
ونقول: لو قال الحق ذلك لما أعطانا هذا القولُ اللقطةَ المطلوبة؛ لأن امرأة العزيز هَمَّتْ به؛ لأن عندها نوازع العمل، ولو لم يَقُلْ لنا أنه قد هَمَّ بها لظننا أنه عِنِّين أو خَصَاه موقف أنها سيدته فخارتْ قواه .
إذن : لو قال الحق سبحانه : إنه لم يَهِمّ بها؛ لكان المانع من الهَمِّ إما أمر طبيعي فيه ، أو أمر طارئ؛ لأنها سيدته، فقد يمنعه الحياء عن الهَمِّ بها .
ولكن الحق سبحانه يريد أن يوضح لنا أن يوسف كان طبيعياً، وهو قد بلغ أشُدَّه ونُضْجه؛ ولولا أن رأى برهان ربه لَهَمَّ بها.
وهكذا لم يَقُمْ يوسف u بما يتطلبه ذلك لنقص فيه، ولا لأن الموقف كان مفاجأة ضَيَّعَتْ رجولته بغتة".([51])
وقد أجاد الإمام البقاعي في تصوير هذه المعاني فقال: " كما هو شأن الفحول عند توفر الأسباب أي بعين قلبه ﭶﭷالذي آتاه إياه من الحكم والعلم , أي لهم بها , لكنه لما كان البرهان حاضرًا لديه حضور من يراه بالعين , لم يغطه وفور شهوة ولا غلبة هوى , فلم يهم أصلا مع كونه في غاية الاستعداد لذلك؛ لما آتاه الله من القوة، مع كونه في سن الشباب , فلولا المراقبة لهَمَّ بها؛ لتوفر الدواعي، غير أن نور الشهود محاها أصلا .
وهذا التقدير هو اللائق بمثل مقامه مع أنه هو الذي تدل عليه أساليب هذه الآيات، من جعله من المخلصين والمحسنين المصروف عنهم السوء , وأن السجن أحب إليه من ذلك , مع قيام القاطع على كذب ما تضمنه قولها: , من مطلق الإرادة , ومع ما تحتم تقدير ما ذكر بعد ( لولا ) في خصوص هذا التركيب من أساليب كلام العرب , فإنه يجب أن يكون المقدر بعد كل شرط من معنى ما دل عليه ما قبله.
وأما ما ورد عن السلف مما يعارض ذلك فلم يصح منه شيء عن أحد منهم، مع أن الأقوال التي رويت عنهم إذا جمعت تناقضت فتكاذبت , ولا يساعد على شيء منها كلام العرب؛ لأنهم قدروا جواب ( لولا ) المحذوف بما لا دليل عليه من سابق الكلام ولا لاحقه".([52])
وقد ردَّ ابن العربي هذه الإسرائيليات فقال: "إن الله سبحانه ما أخبر عن يوسف u أنه أتى في جانب القصة فعلا بجارحة، وإنما الذي كان منه الهم، وهو فعل القلب، فما لهؤلاء المفسرين لا يكادون يفقهون حديثا ويقولون: فعل وفعل ؟ والله إنما قال: ".([53])
وخلاصة القول: أن للسياق القرآني عظيم الأثر في نقد الإسرائيليات الواردة في تفسير الآية، فالآيات السابقة واللاحقة كلها ثناء على سيدنا يوسف u ومدح له. "فلا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكى عن إنسان إقدامه على معصية عظيمة ثم إنه يمدحه ويثني عليه بأعظم المدائح والأثنية عقيب أن حكى عنه ذلك الذنب العظيم".([54])
وذلك يدل على استحالة ما نسبته الإسرائيليات إليه u. وبيان ذلك كالتالي:
أولاً: قوله تعالى: ﯺﯻﯿ([55]) ؛ إذ الآية الكريمة تبين أن الله تعالى آتاه حكما وعلما، ووصفه بكونه من المحسنين، أفترى أن الله تعالى آتاه الحكم والعلم ليتخذ ذلك وسيلة إلى انتهاك الأعراض؟! ثم كيف يتفق ذلك مع وصف الله تعالى له بكونه من المحسنين؟!
قال الإمام القشيري: "من جملة الحكم الذي آتاه الله نفوذ حكمه على نفسه حتى غلب شهوته ، وامتنع عما راودته تلك المرأة عن نفسه ، ومن لا حكم له على نفسه فلا حكم له على غيره. ويقال إنما قال : أي حين استوى شبابه واكتملت قوته ، وكان وقت استيلاء الشهوة، وتوفر دواعي مطالبات البشرية آتاه الله الحكم الذي حبسه على الحق وصرفه عن الباطل ، وعلم أن ما يعقب إتباع اللذات من هواجم الندم أشد مقاساة من كلفة الصبر في حال الامتناع عن دواعي الشهوة، فآثر مشقة الامتناع على لذة الإتباع". ([56])
ثانياً- قول الله : ﭜﭝﭠﭡﭥﭦ([57])
وهذه الآية فيها أعظم الدلائل على براءة يوسف u من أكاذيب الإسرائيليات، ففيها رد يوسف u واعتصامه بالله والتجائه إليه سبحانه، وفيها تعليله لذلك بقوله: ﭥﭦ ، فبين أن ذلك ينافي وجوب طاعة الله تعالى وشكره على نعمه، وأشار إلى أن إجابتها لما راودته ظلم بارتكاب هذه الفاحشة.
قال أبو السعود: "ألا يرى إلى ما سبق من استعصامه المنبئ عن كمال كراهيته له، ونفرته عنه، وحكمه بعدم إفلاح الظالمين، وهل هو إلا تسجيل باستحالة صدور الهم منه u تسجيلا محكما، وإنما عبر عنه بالهم لمجرد وقوعه في صحبة همها في الذكر بطريق المشاكلة، لا لشبهه به".([58]) "فتأمل في هذه الآية كيف قوبلت دواعي الغواية بدواعي العفاف([59]) مقابلة صورت من القصص الممتع جدالا عنيفا بين جند الرحمن وجند الشيطان، ووضعتها أمام العقل المنصف في كفتي ميزان".([60])
ثالثا- قوله تعالى: ﭮﭯﭶﭷﭼﭽﭿ([61])
وهذه "آية بينة وحجة قاطعة على أنه u لم يقع منه هم بالمعصية ولا توجه إليها قط، وإلا لقيل: (لنصرفه عن السوء والفحشاء)، وإنما توجه إليه ذلك من خارج فصرفه الله تعالى عنه بما فيه من موجبات العفة والعصمة".([62])
فالآية تتحدث عن هَمِّ امرأة العزيز بيوسف u , ثم تذكر أن يوسف u "لما كان البرهان حاضرا لديه حضور من يراه بالعين , لم يغطه وفور شهوة ولا غلبة هوى , فلم يهم أصلا مع كونه في غاية الاستعداد لذلك؛ لما آتاه الله من القوة، مع كونه في سن الشباب , فلولا المراقبة لهَمَّ بها؛ لتوفر الدواعي، غير أن نور الشهود محاها أصلا".([63])
ويدل على ذلك قوله تعالى: ﭼﭽﭿ، فكيف يتفق ذلك مع الإسرائيليات التي تزعم أن يوسف u خلع ثيابه وجلس منها مجلس الرجل من المرأة، ولم يردعه ما زعموا من البرهان إلا بعد محاولات عديدة؟!
"ولا شك أن المعصية التي نسبوها إليه أعظم أنواع المعاصى وأفحش أقسام الفحشاء، فكيف يليق برب العالمين أن يشهد في عين هذه الواقعة بكونه بريئًا من السوء مع أنه كان قد أتى بأعظم أنواع السوء والفحشاء".([64])
ثم نقول: "هل هذا البرهان أزال جزءاً من ظلمات وساوس الشيطان – الفعلة الفاحشة – وأبقى جزءاً منها – هو مقدماتها ، وهو الهم- أو أن البرهان اجتث الأمر من جذر الجذر، هما وفعلا؟
ثم هذا الثناء المبدوء بقوله تعالى: ، وهي من تشبيه الشيء بنفسه([65]) ؛ لأنه بلغ حد الكمال، وبعدها: ﭼﭽ، أقول: هل صرف الله – – جزءا وأبقى في قلبه جزءا؟ أو أن كمال الفضل وتمام المنة أن يصرف عنه الأمر برمته ساقا وأعماقا؟
ثم يقول الله تعالى فيه: ﭿ، بهذه الإضافة التشريفية: ، وبهذا الوصف: ، فهل يوسف u مخلص بنسبة 90% مثلا أو أنه مخلص مكرر بنسبة 100%؟ فهو بالتالي مصروف عنه الهم من درجة خاطرة إلى درجة عزم، كل ذلك هو منه في عافية".([66])
رابعا- قوله تعالى: ﮌﮍ([67])
إذ فيها الدلالة على فرار سيدنا يوسف u من امرأة العزيز، فكيف يتفق هذا مع ما زعمته الإسرائيليات.
قال الإمام البقاعي: "ثم ذكر مبالغته في الامتناع بالجد في الهرب دليلا على إخلاصه، وأنه لم يهم أصلا فقال: أي أوجد المسابقة بغاية الرغبة من كل منهما , هذا للهرب منها , وهذه لمنعه , فأوصل الفعـل إلى المفعـول بدون ( إلى ) , دليلا على أن كلا
منهما بذل أقصى جهده في السبق".([68])
ثم نقول: إن الدليل قائم على كذب قولها: ([69])
خامسًا-قال الإمام الرازي: "واعلم أن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة: يوسف u، وتلك المرأة، وزوجها، والنسوة، والشهود، ورب العالمين شهد ببراءته عن الذنب، وإبليس أقر ببراءته أيضا عن المعصية، وإذا كان الأمر كذلك، فحينئذ لم يبق للمسلم توقف في هذا الباب.
أما أن يوسف ادعى البراءة عن الذنب فهو قوله u:ﮠﮡ([70])، وقوله u: ﮐﮑ([71]).
وأما بيان أن المرأة اعترفت بذلك فلأنها قالت للنسوة: ﭽﭾﭿ([72])، وأيضا قالت: ﯿ([73]).
وأما بيان أن زوج المرأة أقرَّ بذلك، فهو قوله: ﯦﯧﯯﯰﯲﯳ([74]).
وأما الشهود فقوله تعالى: ﮠﮡ([75]).
وأمـا شهادة الله تعالى بذلك فقوله: ﭼﭽﭿ([76])...
وأما بيان أن إبليس أقر بطهارته، فلأنه قال:([77]) فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين، ويوسف من المخلصين؛ لقوله تعالى: ﭿ([78])، فكان هذا إقرارًا من إبليس بأنه ما أغواه وما أضله عن طريقة الهدى".([79])
فكيف نوفق بين كل تلك الشهادات الناصعة وبين تلك الإسرائيليات الباطلة؟
سادسًا- وأما ما ورد من إسرائيليات في تفسير قوله تعالى: ﭔﭕﭝﭞ([80])، فيرده سياق الآيات أيضا؛ لأن ذلك ليس من قول سيدنا يوسف u، وإنما هو من قول امرأة العزيز.
وقد صرَّح بذلك الدكتور أبو شهبة فقال: "وقد فات هؤلاء الدساسين الكذابين أن قوله تعالى: ﭔﭕﭝﭞ،ليس من مقالة سيدنا يوسف u وإنما هو من مقالة امرأة العزيز، وهو ما يتفق وسياق الآية، ذلك: أن العزيز لما أرسل رسوله إلى يوسف لإحضاره من السجن قال له: ارجع إلى ربك، فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن فأحضر النسوة، وسألهن، وشهدن ببراءة يوسف، فلم تجد امرأة العزيز بداً من الاعتراف، فقالت:إلى قوله:ﭔﭕﭝﭞ ، فكل ذلك من قولها: ولم يكن يوسف حاضراً ثَمَّ، بل كان في السجن، فكيف يعقل أن يصدر منه ذلك في مجلس التحقيق الذي عقده الملك؟
وقد انتصر لهذا الرأي الذي يوائم السياق والسباق: الإمام ابن تيمية، وألف في ذلك تصنيفاً على حدة.([81])
قال الإمام ابن كثير في تفسيره:تقول: إنما اعترفت بهذا على نفسي، ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب في نفس الأمر، ولا وقع المحذور الأكبر. وإنما راودت هذا الشاب مراودة، فامتنع، فلهذا اعترفت ليعلم أني بريئة، ﭔﭕ، تقول المرأة: ولست أبرئ نفسي، فإن النفس تتحدث، وتتمنى، ولهذا راودته ﭝﭞأي: إلا من عصمه الله تعالى،وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام.
وقد قيل: إن ذلك من كلام يوسف u ... والقول الأول أقوى وأظهر؛ لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك، ولم يكن يوسف ـ ـ عندهم، بل بعد ذلك أحضره الملك"([82]).
التفسير الصحيح للآية الكريمة في ضوء السياق القرآني:
معنى قوله تعالى : ﭮﭯأي : بمخالطته ، أي : قصدتها وعزمت عليها عزماً جازماً ، لا يلويها عنه صارف ، بعد ما باشرت مبادئها من المراودة ، وتغليق الأبواب ، ودعوته إلى الإسراع إليها بقولها: ﭜﭝ مما اضطره إلى الهرب إلى الباب .
ومعنى قوله : ﭶﭷ أي : لولا رؤيته برهان ربه لهمَّ بها ، كما همت به ، لتوفر الدواعي . ولكنه رأى من تأييد الله له بالبرهان ما صرف عنه السوء والفحشاء .
ولا نقول : إن جواب ( لولا ) يتقدم عليها ، وإن لم يقـم دليـل على
امتناعه ، بل نقول : هو محذوف لدلالة ما قبله عليه ؛ لأن المحذوف في الشرط يقدر من الجنس ما قبله .
فالآية حينئذ ناطقة بأنه لم يهمّ أصلاً ؛ لأن همَّه u بها امتنع لوجود البرهان عنده.
وبرهان ربه هو قوة الإيمان في قلبه، وقوة مراقبته لربه، ويقينه أن الله يراه ويطلع عليه أينما كان، فكيف يستجيب لنداء الشهوة فيه مع برهان ربه في قلبه؟ وكيف يرتكب الفاحشة وهو يوقن أن الله يراه؟
أيهما أقوى نداء الشهوة أو هتاف الإيمان والاعتصام؟ لا شك أن الثاني كان مسيطرا على كيان يوسف u في لحظات الامتحان الرهيبة الشديدة، فأخْفَتَ نداء الشهوة، وأخرس إغراء الفاحشة.
فالراجح أن قوله تعالى: ﭮﭯﭶﭷ جملتان منفصلتان:
الأولى: ﭮﭯ. وهي تخبر عن همّ امرأة العزيز به همَ الفاحشة، وهجومها عليه، لتكرهه على معاشرتها بالاكراه.
الثانية: ﭶﭷ. فالواو فيها حرف استئناف، وليست حرف عطف. وما بعدها جملة استئنافية شرطية جديدة.
حرف امتناع لوجود، تقرر امتناع وقوع جوابها لوجود فعلها. وتقدير الجملة: لولا رؤية يوسف برهان ربه لهمَّ بالمرأة همّ الفاحشة واستجاب لها.
إذن همت هي به همّ الفاحشة، وهذه إدانة لها.
أما يوسف u فلم يهم مطلقا، ولم يمل إليها ولا إلى معاشرتها ولو قليلا، وبقي مستعيذا بالله، مستعصما عفيفا، والذي عصمه هو الله تعالى فيما قدم له من البرهان، وقوَّى في قلبه من الإيمان.([83])

([1]) سورة يوسف ، الآية: 24

([2]) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/321، وسعيد بن منصور في سننه 5/386، 387، والطبري في تفسيره 12/183 – 185، وابن أبي حاتم في تفسيره 7/2122، وأورده السيوطي في الدر المنثور 4/521 وعزاه إلى ابن جرير وأبي الشيخ وأبي نعيم في الحلية.

([3]) أخرجه الطبري في تفسيره 12/186

([4]) قال الدكتور محمد أبو شهبة: رووا أيضا في البرهان الذي رآه ، ولولاه لوقع في الفاحشة بأنه نودي: أنت مكتوب في الأنبياء ، وتعمل عمل السفهاء. وقيل : رأى صورة أبيه يعقوب في الحائط . وقيل : في سقف الحجرة وأنه رآه على إبهامه ، وأنه لم يتعظ بالنداء ، حتى رأى أباه على هذه الحال ، بل أسرف واضعو هذه الإسرائيليات الباطلة ، فزعموا أنه لما لم يَرْعَوِِ من رؤية صورة أبيه عاضًا على أصابعه ، ضربه أبوه يعقوب ، فخرجت شهوته من أنامله .
ولأجل أن يؤيد هؤلاء الذين افتروا على الله ونبيه يوسف هذا الافتراء ، يزعمون أيضا أن كل أبناء يعقوب قد ولد له اثنا عشر ولدا ما عدا يوسف ، فإنه نقص بتلك الشهوة التي خرجت من أنامله ولدا ، فلم يولد له غير أحد عشر ولدا .
بل قيل في البرهان : إنه أري تمثال الملك ، وهو العزيز ، وقيل: خياله .
وكل ذلك مرجعه إلى أخبار بني إسرائيل وأكاذيبهم التي افتجروها على الله وعلى رسله ، وحمله إلى بعض الصحابة والتابعين : كعب الأحبار ووهب بن منبه ، وأمثالهما.
ولو أن عربيدا رأى صورة أبيه بعد مماته تحذره من معصية لكف عنها ، وانزجر ، فأي فضل ليوسف إذًا ، وهو نبي من سلالة أنبياء ؟!! (الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير ص 220، 221 باختصار.)

([5]) أخرجه الطبري في تفسيره 12/187، وابن أبي حاتم في تفسيره 7/2123، والحاكم في المستدرك 2/377 رقم 3322 كتاب التفسير، تفسير سورة يوسف u ، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
قلت: الحاكم معرف بالتساهل في التصحيح، وحتى لو صح إلى ابن عباس – - فلا شك أنه أخذ من بعض أهل الكتاب كما سيتضح بالتفصيل.

([6]) أخرجه الطبري في تفسيره 12/189، وابن أبي حاتم في تفسيره 7/2124، وأورده السيوطي في الدر المنثور 4/522 وعزاه إلى ابن جرير وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن قتادة.

([7]) سورة يوسف، الآية: 51

([8]) سورة يوسف ، من الآية: 52

([9]) سورة يوسف ، من الآية: 53

([10]) أخرجه الطبري في تفسيره 13/2، 3، وابن أبي حاتم في تفسيره 7/2158، وأورده السيوطي في الدر المنثور 4/548 وعزاه إلى الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس.

([11]) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 7/2158، وأورده السيوطي في الدر المنثور 4/549 وعزاه إلى سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن حكيم بن جابر.

([12]) يراجع: تفسير مقاتل بن سليمان 2/145، وتفسير الصنعاني 2/321، وجامع البيان 12/183 - 185، وتفسير ابن أبي حاتم 7/2122 – 2126، والتفسير البسيط للواحدي 12/72- 77، وتفسير البغوي 2/418، 419، وتفسير الثعلبي 5/210، وتفسير السمعاني 3/21 - 23

([13]) جامع البيان 12/185

([14]) جامع البيان 12/191

([15]) التفسير البسيط للواحدي 12/72

([16]) سورة يوسف ، من الآية: 52

([17]) سورة يوسف ، من الآية: 53

([18]) القائل هو الإمام الواحدي.

([19]) التفسير الكبير 18/92، ويراجع: التفسير البسيط للواحدي 12/76، 77

([20]) يراجع: تفسير الثعلبي 5/210 ، معالم التنزيل: 4/230

([21]) ينظر: الإسرائيليات والموضوعات للدكتور/ محمد أبو شهبة ص 224

([22]) يراجع: التفسير الكبير 18/92- 97، والبحر المحيط 5/294، 295، الكشاف 2/432، 433، والمحرر الوجيز 3/234، وقصص الأنبياء لابن كثير ص 304، 305، تفسير أبي السعود 4/266، وروح المعاني 12/213- 216، وأضواء البيان 2/208، 209، ومحاسن التأويل 6/167، 168

([23]) أخرجه البخاري في صحيحه 1/234 رقم 629 كتاب الجماعة والإمامة، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد، ومسلم في صحيحه 2/715 رقم 1031 كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، وأخرجه غيرهما.

([24]) سورة يوسف ، من الآية: 23

([25]) سورة يوسف، من الآية: 24

([26]) قصص الأنبياء لابن كثير ص 304، 305 باختصار.

([27]) سورة يوسف، من الآية: 24

([28]) التفسير الكبير 18/93

([29]) البحر المحيط 5/294، 295

([30]) سورة يونس، من الآية: 84

([31]) سورة البقرة، من الآية: 111، وسورة النمل، من الآية: 64

([32]) سورة القصص، من الآية: 10

([33]) ينظر: أضواء البيان 2/208، 209

([34]) الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير ص 228.

([35]) أي وقع على غير أنثاه. فالسفاد: نزو الذكر على الأنثى. (لسان العرب 3/218 مادة: سفد)

([36]) الكشاف 2/432، 433

([37]) تفسير أبي السعود 4/266

([38]) تفسير التحرير والتنوير 12/30

([39]) ينظر المصدر السابق: 12/214.

([40]) دقائق التفسير 2/272، 273

([41]) تبنى هذا الرأي جماعة من المعاصرين. (يراجع: تفسير المنار 12/277 وما بعدها ، تاريخ الأنبياء في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية – د. محمد الطيب النجار ص 37، 38، موسوعة تفسير سورة يوسف- لعليش متولي 2/613 وما بعدها. يوسف بن يعقوب - – لأحمد عزالدين عبدالله ص 161 وما بعدها)

([42]) تفسير المنار 12/277 وما بعدها ، ويراجع: الوسيط لطنطاوي 7/342، 343

([43]) الوسيط لطنطاوي 7/343

([44]) في ظلال القرآن 4/1981

([45]) ذهب إلى هذا الرأي جماعة من المفسرين. (يراجع: تفسير البيضاوي 3/282، تفسير أبي السعود 4/266، فتح القدير 3/17، روح المعاني 12/213)

([46]) أخرجه البخاري في صحيحه 5/2380 رقم 6126 كتاب الرقاق، باب من هم بحسنة أو بسيئة، ومسلم في صحيحه 1/118 رقم 131 كتاب الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنة كتبت وإذا هم بسيئة لم تكتب، وأخرجه غيرهما.

([47]) التفسير الواضح 2/171

([48]) تفسير القرطبي 9/167

([49]) قد يكون هذا الرأي هو الصواب ؛ إذ فيه وجهة نظر لا بأس بها ، وعلى كل حال فهي اجتهادات للعلماء، تدل على أن المسألة محتملة للرأيين، والكل مثاب ومأجور إن شاء الله تعالى.

([50]) يراجع: التفسير الكبير 18/95، تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان 4/79، اللباب في علوم الكتاب 11/65

([51]) تفسير الشعراوي 11/6912، 6913 بتصرف.

([52]) نظم الدرر 4/30، 31 باختصار.

([53]) أحكام القرآن لابن العربي 3/47

([54]) التفسير الكبير 18/93

([55]) سورة يوسف، الآية: 22

([56]) تفسير القشيري 2/73

([57]) سورة يوسف، الآية: 23

([58]) تفسير أبي السعود 4/266

([59]) المراد بدواعي الغواية: ﭜﭝ ، والمراد بدواعي العفاف: ﭠﭡﭥﭦ.

([60]) مناهل العرفان في علوم القرآن 2/226 بتصرف.

([61]) سورة يوسف، الآية: 24

([62]) تفسير أبي السعود 4/267

([63]) نظم الدرر 4/30

([64]) التفسير الكبير 18/93

([65]) قال الزمخشري : الكاف منصوب المحل أي : مثل ذلك التثبيت ثبتناه أو مرفوعة أي : الأمر مثل ذلك . وقال ابن عطية : والكاف من قوله : كذلك ، متعلة بمضمر تقديره : جرت أفعالنا وأقدارنا كذلك لنصرف. (تفسير البحر المحيط 5/295، ويراجع: الكشاف 2/432، اللباب في علوم الكتاب 11/69)

([66]) سورة يوسف – دراسة تحليلية – د. أحمد نوفل ص 344بتصرف.

([67]) سورة يوسف، الآية: 25

([68]) نظم الدرر 4/30، 31 باختصار.

([69]) سورة يوسف، من الآية: 25

([70]) سورة يوسف، من الآية: 26

([71]) سورة يوسف، من الآية: 33

([72]) سورة يوسف، من الآية: 32

([73]) سورة يوسف، من الآية: 51

([74]) سورة يوسف ، من الآيتين 28، 29

([75]) سورة يوسف ، من الآية 26

([76]) سورة يوسف، من الآية 24

([77]) سورة ص ، من الآية 82، والآية 83

([78]) سورة يوسف ، من الآية 24

([79]) التفسير الكبير 18/93، 94

([80]) سورة يوسف، الآيتان: 52، 53

([81])الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير:ص226

([82]) تفسير ابن كثير 2/482، 483

([83]) يراجع: محاسن التأويل للقاسمي 6/167، 168، تفسير السعدي 1/396 ، التفسير الواضح 2/171، قصص الأنبياء لعبد الوهاب النجار ص 124، القصص القرآني – عرض وقائع وتحليل أحداث – د. صلاح الخالدي 2/119، 120