الإعجاز الحِفْظِي للقرآن الكريم
الدكتور: يوسف الحزيمري
باحث بالرابطة المحمدية للعلماء/المغرب
القرآن الكريم كتاب الله المعجز منذ أُنزل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد تنوعت أوجه إعجازه وتعددت، فلا نهاية لها ولا انقضاء، فكلما تطورت العلوم والمعارف إلا ويظهر للقرآن الكريم وجه من الإعجاز يقف المسلم إزاءه بالتسليم والاعتراف بالقصور، وللقرآن بالإعجاز والكمال والتفرد، فعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله : )إن هذا القرآن حبل الله، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمة من تمسك به، ونجاة من اتبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد...)[1] ومن هذه الخصائص الإعجازية القرآنية التي لا تنقضي؛ تحدث العلماء عن الإعجاز اللغوي، والإعجاز الشفائي النفسي- التأثيرى-، والإعجاز العلمي، والإعجاز التشريعي، والإعجاز الغيبي، والإعجاز العددي، والإعجاز الحفظي....إلخ.
وإن الإعجاز الحفظي للقرآن الكريم من أوجه إعجازه التي أخبر بها الله في محكم تنزيله، وتبدت في سنة الرسول الفعلية، فالقرآن الكريم عصمة وحصن حصين وحفيظة لحافظه وقارئه والمتمسك به، يحفظه من شر الناس والأعداء، ويجعل بينه وبينهم حجابا وسترا مستورا حقيقة لا مجازا كما ذهب إليه أغلب المفسرين.
قال تعالى: وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا[2]؛ فمن أوجه تفسير هذه الآية أن "المراد بالحجاب المستور أن الله يستره عن أعين الكفار فلا يرونه"[3].
وهذه الآية تدل على أن قراءة القرآن الكريم كله أو بعضه أو آيات مخصوصة وردت بها الأحاديث الصحيحة تحفظ قارئها وتجعله في حصن حصين من الكفار والأعداء والأشرار، فقد روي عن أسماء بنت أبي بكر قالت: (لما نزلت: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1] أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب و لها ولولة وفي يدها فهر[4] وهي تقول: مذمما أبينا * ودينه قلينا * وأمره عصينا، والنبي جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله، قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك، فقال رسول الله : إنها لن تراني، وقرأ قرآنا فاعتصم به كما قال وقرأ: وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا[الإسراء:45]، فوقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله ، فقالت: يا أبا بكر إني أخبرت أن صاحبك هجاني، فقال: لا ورب هذا البيت ما هجاك، فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها).[5]
فهذه القصة لها أوجه من الدلالة؛ الأولى: أن قراءة القرآن تجعل بينك وبين الكفار حجابا وسترا مستورا، والثانية: كون الاعتصام بقراءة القرآن من أوجه الإعجاز، والثالثة: أن هذه القصة هي من دلائل نبوته . ومثل هذه القصة بدلالتها قصة هجرة الرسول وخروجه أمام جمع الكفار دون أن يروه، فقد أخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل عن محمد بن كعب القرظي قال: (اجتمع قريش وفيهم أبو جهل على باب النبي فقالوا على بابه: إن محمدا يزعم أنكم إن بايعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم وبعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم نار تحرقون فيها، فخرج رسول الله وأخذ حفنة من تراب في يده قال: " نعم أقول ذلك وأنت أحدهم، وأخذ الله على أبصارهم فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات: يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إلى قوله: فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ، حتى فرغ رسول الله من هؤلاء الآيات، فلم يبق رجل إلا وضع على رأسه ترابا، فوضع كل رجل منهم يده على رأسه وإذا عليه تراب، فقالوا: لقد كان صدقنا الذي حدثنا)[6].
وأخرج أيضا أبو نعيم في الدلائل عن عائشة بنت قدامة " أن النبي قال: لقد خرجت من الخوخة متنكرا فكان أول من لقيني أبو جهل، فعمى الله بصره عني وعن أبي بكر حتى مضينا " [7].
فهكذا بدا من توجيهات القرآن الكريم إلى الاعتصام بقراءته، ومن سيرة الرسول وسنته الفعلية، أن القرآن الكريم له وجه من الإعجاز الحفظي الحرزي، فقد كان الرسول كما روي عن كعب : "يستتر من المشركين بثلاث آيات: الآية التي في الكهف: إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا، والآية التي في النحل: أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ، والآية التي في الجاثية: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً الآية، فكان النبي إذا قرأهن يستتر من المشركين"[8] .
وهذا الأمر أي العصمة بقراءة القرآن واقع لكل من حصّل شروط الانتفاع به، وقد جرب هذا الأمر عدد من العلماء ، فكان أن تحقق إعجاز القرآن في حفظهم من الأعداء، فعن كعب رضي الله تعالى عنه قال: "فحدثت بهن رجلا [أي الآيات السالفة الذكر] من أهل الشام فأتى أرض الروم فأقام بها زمانا ثم خرج هاربا فخرجوا في طلبه فقرأ بهن فصاروا يكونون معه على طريقة ولا يبصرونه قال الثعلبي: وهذا الذي يروونه عن كعب حدثت به رجلا من أهل الري فأسر بالديلم، فمكث زمانا ثم خرج هاربا، فخرجوا في طلبه، فقرأ بهن حتى جعلت ثيابهم لتلمس ثيابه فما يبصرونه".[9]
وحكى الإمام أبو عبد الله القرطبي صاحب التفسير أنه وقعت له واقعة اعتصم فيها بقراءة القرآن فكان أن حفظه الله من الأعداء، فقد حكى في تفسيره عن نفسه: "ولقد اتفق لي ببلادنا الأندلس بحصن منثور من أعمال قرطبة مثل هذا، وذلك أني هربت أمام العدو وانحزت إلى ناحية عنه فلم ألبث أن خرج في طلبي فارسان وأنا في فضاء من الأرض قاعد ليس يسترني عنهما شيء وأنا أقرأ أول سورة ياسين وغير ذلك من القرآن فعبرا علي ثم رجعا من حيث جاءا وأحدهما يقول للآخر: هذا "ديبلة" يعنون شيطانا، وأعمى الله عز و جل أبصارهم فلم يروني والحمد لله حمدا كثيرا على ذلك."[10]
وقد أضاف الإمام القرطبي إلى الآيات الآنفة الذكرأول سورة يس إلى قوله: فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ، اعتمادا على رواية قصة السيرة في هجرة النبي ، ومقام علي في فراشه، حيث جعل ينثر التراب على رؤوس المشركين وهو يتلو هذه الآيات من يس: يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ إلى قوله: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ.
وقد وجدنا ثلة من العلماء حصل لهم مثل ما وقع للقرطبي وحكوا قصتهم مع إعجاز القرآن الحفظي؛ فهذا أبو الحسن علي بن عبد الرحمن اليفرني الطنجي (تـ734هـ) يحكي قصة أبي عبد الله محمد بن علي بن عبد الكريم الفندلاوي الكتاني (تـ596هـ) فيقول: "قال أبو عبد الله أخبرني من أثق به من إخواني أنه جربها فرأى منها عجبا، وأنا أيضا جربتها ثلاث مرات، أمـا المرتان ففي السفر اعترضني في كل مرة منها اللصوص فقرأتها فجزت عليهم فلم يروني، وأمـا المرة الثالثة ففي إقبالي من الأندلس إلى القيروان، فإن السلطان أرسل الأعوان في طلبي فقرأتها فأخذ الله بأبصارهم عني."[11]
فبان من هذا أن قراءة القرآن كله أو بعضه أو آيات مخصوصة منه تحفظ قارئها من الأخطار المحدقة به، ومن الأعداء المتربصين، فسبحان القائل في كتابه العزيز: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ، والقائل: وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا.

الهوامش:

[1] قال ابن حبان: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بصالح بن عمر، المستدرك على الصحيحين، ج1/ص741، حديث رقم:2040 ، وأخرجه الدارمي في سننه:ج2/ص523 ح3315

[2] سورة الإسراء، الآية:45

[3] أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن-الشنقيطي (3/ 159)

[4] الفِهْر : الحَجَر مِلْءُ الكفِّ. وقيل : هو الحَجَرُ مطلقا،النهاية في غريب الأثر (3/ 950)

[5]المستدرك على الصحيحين للحاكم مع تعليقات الذهبي في التلخيص، حديث رقم: 3376 ، (2/ 393)، قال ابن حبان: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وقال الذهبي في التلخيص : صحيح، قال ابن حجر في الفتح (8/ 738): "وأخرجه الحميدي وأبو يعلى وبن أبي حاتم من حديث أسماء بنت أبي بكر بنحوه".

[6] الدر المنثور لجلال الدين السيوطي- دار الفكر (7/ 43)

[7] الدر المنثور - دار الفكر (4/ 197)

[8]الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي الجزء الأول أعاد طبعه دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان 1405 هـ - 1985 م (10/ 234)

[9]نفسه.

[10]نفسه.

[11] المباحث العقلية لليفرني ص: 93 مخطوطة، نقلا عن: عثمان السلالجي ومنهجيته الأشعرية دراسة لجوانب من الفكر الكلامي بالمغرب من خلال البرهانية وشروحها، لجمال علال البختي ، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الطبعة الأولى، 1426هـ/2005م، ص:222