من جماليات الإيقاع القرآني( قصة يونس - نموذجا)


د/ نجلاء علي مشعل

كلية الآداب – كفر الشيخ – مصر
من أخص خصائص السرد القرآني إيقاعه المثير، ولعله أكثرها تأثيراً في المتلقين الأُول، إن قريشا هالها إيقاعه المعجز وحاولوا التأول أو الخروج من المأزق وهم أهل الفصاحة والبيان، فنسبوه للشعر تارة فلما دحض ادعاؤهم، سموه سحراً و حقاً " إن من البيان لسحراً "، والإيقاع لم يكن في حد ذاته سبب الإبهار وإنما في انسجامه مع ما ينقله من حمولة دلالية يسمو بها إلى أعلى درجات البيان.
والإيقاع يعني به التكرار المنتظم([i]) فهو أعم من الوزن، و هو تكرار لبعض الحروف أو الكلمات أو النغمات ، أو لجو نفسي معين يوافق السياق علوا وهبوطاً، حزناً وفرحاً.
ولفظ الإيقاع مشتق أصلاً من اليونانية بمعني الجريان أو التدفق، وهو صفة مشتركة بين الفنون جميعاً، وتبدو واضحة في الموسيقي والشعر والنثر.([ii])
والإيقاع القرآني في" تمظهره يتخذ بعداً إعجازياً، مما يعطيه شرعية الحضور بوصفه مصطلحاً فنياً كرسه النص القرآني، وأوجده كتقنية فنية اضطلع بها وحده؛ ومن ثم فإنه مظهر من مظاهر معجزة القرآن"([iii]) ، والأثر الممتع للإيقاع إجمالاً " ثلاثي:عقلي وجمالي ونفسي. أما عقلياً فلتأكيده المستمر أن هناك نظاماً ودقة وهدفاً في العمل. و أما جماليا فإنه يخلق جواً من حالة التأمل الخيالي الذي يضفي نوعاً من الوجود الممتلئ في حالة شبه واعية على الموضوع كله. وأما نفسياً فإن حياتنا إيقاعية: المشي والنوم والشهيق والزفير وانقباض القلب وانبساطه"([iv]) وهو يتحقق في القرآن في أكمل آثاره ولا سيما الجمالي الذي يتسرب إلى النفس فيشعر به كالسحر .
الإيقاع القرآني جعل النص المقدس يقف على حدود الشعر والنثر على حد سواء، فقد " جمع بين مزايا النثر والشعر جميعاً فقد أعفي التعبير من قيود القافية الموحدة والتفعيلات التامة، فنال بذلك حرية التعبير الكاملة عن جميع أغراضه العامة، وأخذ في الوقت ذاته من الشعر الموسيقى الداخلية، والفواصل المتقاربة في الوزن التي تغني عن التفاصيل، والتقفية المتقاربة التي تغني عن القوافي"([v]) معني هذا أن إيقاع النص المقدس يتمثل في انتقاء حروفه، وكلماته وأصواته، وتركيب جمله قصراً وطولاً وتتابع فواصله مع توافق ذلك كله مع سياقه وجوه النفسي.
وإذا كان الإيقاع في السرد وآياته مكية النزول، نتوقع أن يكون السرد معتمداً على قصر الجمل وتوالي الفواصل ولكن في إطار السياق والجو النفسي غير منبت عنهما، وأبرز عناصر الإيقاع في قصة يونس في موقعها الرئيس/الصافات، قصر الآيات وتتابع الفواصل وتشاكل عدد الكلمات والحروف في الآيات، وبالتالي التشاكل المسافي والتزمين الصوتي أو التوافق بين طبيعة الفعل والزمن الذي يستغرق نطقه، واستبدال بعض الحروف.
و التشاكل المسافي ناتج عن تساوي عدد الكلمات والحرف والمقاطع في الآيات أو قربها، فعدد الحروف يتراوح بين 19-22 حرفاً لكل آية عدا آية الإرسال والتشريف بكثرة العدد فكانت حروفها ستة وعشرين حرفاً، فتبدأ الآيات بتسعة عشر حرفاً، تم يتصاعد الأمر بتصاعد الأحداث إلى واحد وعشرين أو اثنين وعشرين حرفاً، والمقاطع في كل آية تتراوح بين 12-15 مقطعا ماعدا آية الإرسال وعدد مقاطعها ستة عشر مقطعاً.
وعدد المقاطع في كثرتها وقلتها يتساوق والمعنى المعروض وكذا طولها وقصرها، فآية (الإباق) يكاد يتساوى عدد المقاطع القصيرة والطويلة فيها:ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ
(5 مقاطع قصيرة+6 مقطع متوسط الطول+ 1 مقطع طويل) فالمقاطع القصيرة تؤذن بسرعة الفرار ؛ وبالتالي سرعة العقاب لتأتي آية الإلتقام:
ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ
8 ص+ 4 س +1 ط.
وتأتي النجاة في شكل المعجزة أكثر سرعة في آية النبذ:
ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ
9 ص+4 س +1 ط.
وأما المبالغة في عدد المرسل إليهم يناسبها التطويل:
ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ
6 ص +9 س +1 ط.
فـ" المقاطع القصيرة تحتاج إلى أداء سريع متتابع، أما الطويلة فالمقفول منها يؤكد الجرس الصوتي ، والطويل المفتوح يحتاج إلى
تمهل" ([vi]).
وتأتي المقاطع بهذا الشكل الدال لتحقيق التزمين الصوتي، فزمن نطق الفعل يساوي طولاً وقصراً طبيعة الفعل/الحدث السردي ففي(أبق) عبرت المقاطع القصيرة عن سرعة الولوج إلى الحدث، فالفرار دون الإذن الإلهي كان شديد السرعة رمز لذلك عبر المجاز والمقاطع الثلاثة القصيرة، ثم بالأصوات الانفجارية الثلاث (الهمز والباء والقاف)؛ فـ" أقل الأصوات الساكنة طولاً هي الأصوات الشديدة أو الانفجارية "([vii]).
فتمثل "أبق" كوحدة سيميائية إشارية مركز الثقل الدلالي، فهي تشكل الأساس المنطقي لمسار الحكاية على نحو من السرعة والانفعال في العرض ليعبر عن انفعال الشخصية وحركتها الجسدية في الخروج الفوري دون انتظار الإذن؛ لذا استبدلت (ذهب) بـ (أبق ) في موضع سورة الأنبياء حيث الثناء على النبي والسياق ذكر مناقب الأنبياء، وفي هذا الموضع كثرت حروف المد الدالة على طول الزمن المستغرق في النطق المضارع لطول زمن التسبيح و هدؤ النفس و سكونها مع الابتلاء فـ" الزمن الذي تستغرقه حروف المد ضعف الذي تستغرقه السواكن" ([viii]) ، المد في "فساهم فكان من المدحضين" دال على معاناته في الفلك وطول مكثه عبر الزمن الكوني أو نظيره النفسي في محنة المساهمة مما قد يوافق بعض التفاسير أنه اقترع مرة ومرة. ([ix])
- الترابط/ الانسجام الحرفي عبر إيقاع الحرف.
يتمثل الترابط الحرفي أو إيقاع الحروف في تكرار الروابط على نحو دال وتكرار بعض الحروف داخل الآية الواحدة، فتكرار الرابط بين الآيات (الفاء) ودلالتها على التعقيب والتتابع والسرعة إلا من آيتي البداية في الإرسال الإجمالي وآية الإرسال التفصيلي المتأخرة عن ترتيبها في الحكاية، مما جعل (الفاء) تؤذن بتوالي الأحداث بعد المخالفة، وتعاقبها إلا من حدثي الإرسال.
والتكرار الإشاري على مستوي الجمل يتمثل في الإشارية الذاتية على البعد المسافي ذاته في كل آية عقب الفعل في ضمير الغائب أو الظاهر العائد على الشخصية الرئيسية:
أبـق (هو)
ساهم (هو)
كـان (هو)
التقم (هـ)
كان (هو)
لبث (هو)
فنبذناه (هـ)
أنبتنا عليه (هـ)
أرسلناه (هـ)
فسواء كان ظاهراً بضمير الهاء أو غائباً في البعد المسافي أو المكاني نفسه ، يحدث تشاكلاً صوتياً مماثلاً إذا أضيف إلى الترابط السابق أحدثا وقعاً موسيقياً متماثلاً ، فالفاء والهاء كأنهما يتجاذبان بقربهما في صفات الهمس والرخاوة والاستفال والترقيق، وهما معاً يثيران شعوراً بالحزن يشاكل خوف البطل وابتلاءه ، والسيميائية تقترح تقسيم الدال أو المدلول إلى عناصر صغيرة لمحاولة الوصول إلى العلاقات التي تعقدها فيما بينها على كل من مستويي اللغة (التعبير والمحتوي) ؛ لأنها على علاقة تبادلية مفترضة مسبقا([x]).
- الترابط/ الانسجام الحرفي داخل الآية الواحدة
تتشاكل بعض الحروف في الآية الواحدة محدثة وقعاً نغمياً عبر تجاذب الأصوات المكررة مع بعضها البعض:

ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ

ن ، س . ل
ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ
أ
ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ
م. ن
ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ
م
ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ
ن
ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ
ب ث
ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ
ب
ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ
ن
ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ
ن
ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ
ن
ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ
ن ا ل

و من ذلك تكرار حروف الجر على بعد تركيبي مماثل أو مقارب :
من المرسلين
إلى الفلك
من المدحضين
من المسبحين
إلى يوم يبعثون
بالعراء
من يقطين
إلى مائة ألف
إلى حين
فينتقل الإيقاع ما بين "من" و"إلى" الجارتين في آخر الآيات محدثا إيقاعا متماثلا ، وبالضرورة دلالة متقاربة، فبعد حرف الجر في الأغلب جمع يحيل على البشر المرسل إليهم ( المرسلين _ المدحضين_ المسبحين _ يبعثون_ مائة ألف أو يزيدون)، و كأنه في نهاية كل آية_ باعتبارها وحدة سردية مستقلة مع إيقاع التنغيم في نهاية الآية بالميم والنون أو الواو والنون في ختام المقطع الطويل المتماثل في كل الوحدات دون متن الآية _ يؤكد على الغرض الديني من الرسالة إجمالا وهي كونها للبشر ومن أجلهم ؛ فحري بهم الانصياع التام ومن جملتهم البطل النبي ، وهو مقصد السرد .



([i]) ينظر جون كوهن، بناء لغة الشعر، ت أحمد درويش، دار المعارف، ط 1993,3،42.

([ii]) ينظر مجدي وهبة و كامل المهندس، معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، مكتبة لبنان، بيروت، ط2،1984،71.

([iii]) شارف مزاري ، مستويات السرد الإعجازي في القصة القرآنية،83.

([iv]) عز الدين إسماعيل، الأسس الجمالية في النقد الأدبي، الفكر العربي، القاهرة،104, 1992.

([v]) سيد قطب ، التصوير الفني في القرآن، دار الشروق، القاهرة، ط13،1993،42.

([vi]) محمد إبراهيم شادي، البلاغة الصوتية في القرآن الكريم، الرسالة، القاهرة، 1988،85.

([vii]) إبراهيم أنيس، الأصوات اللغوية، الأنجلو،2009 ،145.

([viii]) السابق، 146.

([ix]) ينظر السمرقندي ، بحر العلوم،2 /377، أبو حيان الأندلسي ، البحر المحيط 7/359. ، الألوسي، روح المعاني، 12/ 184.

([x]) ينظر معجم مصطلحات السيميوطيقا، برونوين ماتن و فليزيتاس رينجهام، ت عابد خزندار، 90.