ثالثا- نقد الروايات من جهة المتن.
اشتملت الروايات المتقدمة على ما ينافي عصمة الأنبياء، "ففيها اتهامات لسيدنا داود u بالنساء والنظر إليهن والافتتان بهن، وتزوج إحداهن بعدما أُعجب بجمالها وهي تغتسل عارية، وعمل على قتل زوجها في إحدى المعارك"([1])، حيث حسد الرجل على زوجته ورغب فيها لنفسه، فاحتال على زوجها حتى يُقْتَل؛ رجاء أن تسلم له هذه المرأة التي افتتن بها وشغف بحبها.
كما أن هذه الروايات اشتملت على أن داود u أصابه داء العجب بعمله، كما في رواية ابن عباس أنه قال: ما أصابه القدر إلا من عجب عجب بنفسه ... الخ.
كما أن البعض نسب إليه قصة النزول عن الزوجة، أو الخطبة على خطبة أخيه.
"وقد أعجب بعض المفسرين بهذه التفاصيل الإسرائيلية المكذوبة، فسجلوها في تفاسيرهم، وفسروا بها آيات القصة، ونسوا أنهم يتحدثون عن نبي كريم، عصمه الله وحفظه، فكان أتقى الناس! ولا يتحدثون عن رجل شهواني، يرتكب المحرمات ويقتل الآخرين ليحقق مصلحته ويُشْبع شهوته! وداود u منزه عن هذه الأكاذيب".([2])
ومن ثم قال صاحب الظلال: "وخاضت بعض التفاسير مع الإسرائيليات حول هذه الفتنة خوضاً كبيراً، تتنزه عنه طبيعة النبوة، ولا يتفق إطلاقاً مع حقيقتها. حتى الروايات التي حاولت تخفيف تلك الأساطير سارت معها شوطاً، وهي لا تصلح للنظر من الأساس، ولا تتفق مع قول الله تعالى: "([3]). ([4])
وسيتبين بطلان هذه القصة من جهة المتن ومنافاتها لعصمة سيدنا داود u من خلال ما يلي:
أولاً: أن الذي حكاه المفسرون عن داود u، وهو أنه عشق امرأة أوريا فاحتال حتى قتل زوجها فتزوجها لا يليق بالأنبياء، بل لو وصف به أفسق الملوك لكان منكرا([5])، ولو نسبت هذه الحكاية إلى أفسق الناس وأشدهم فجورا لاستنكف منها، والرجل الخبيث الذي يقرر تلك القصة لو نسب إلى مثل هذا العمل لبالغ في تنزيه نفسه، وربما لعن من ينسبه إليها، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يليق بالعاقل نسبة المعصوم إليه؟([6])
قال الإمام الخازن – تحت عنوان: فصل في تنزيه داود u عما لا يليق به وما ينسب إليه -: اعلم أن من خصه الله تعالى بنبوته، وأكرمه برسالته، وشرفه على كثير من خلقه، وائتمنه على وحيه، وجعله واسطة بينه وبين خلقه، لا يليق أن ينسب إليه ما لو نسب إلى آحاد الناس لاستنكف أن يُحَدَّث به عنه، فكيف يجوز أن ينسب إلى بعض أعلام الأنبياء والصفوة الأمناء ذلك".([7])
وقال الإمام الزمخشري: "فهذا ونحوه مما يقبح أن يحدث به عن بعض المتسمين بالصلاح من أفناء المسلمين ؟ فضلا عن بعض أعلام الأنبياء".([8])
وقال ابن حزم: "وتالله إن كل امرئ منا ليصون نفسه وجاره عن أن يعشق امرأة جاره، ثم يعرض زوجها للقتل عمدا ليتزوجها، وعن أن يترك صلاته لطائر يراه، هذه أفعال السفهاء المتهوكين الفساق المتمردين، لا أفعال أهل البر والتقوى، فكيف برسول الله داود u الذي أوحي إليه كتابه وأجرى على لسانه كلامه، لقد نزهه الله عن أن يمر مثل هذا الفحش بباله، فكيف أن يستضيف إلى أفعاله".([9])
ثانياً: أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين: إلى السعي في قتل رجل مسلم بغير حق، وإلى الطمع في زوجته. أما الأول: فأمر منكر. وأما الثاني: فمنكر عظيم؛ قال e: [الْمُسْلِمُ من سَـلِمَ الْمُسْلِمُـونَ من لِسَانِهِ وَيَـدِهِ ] ([10])، وإن أوريـا لـم يسـلم من داود لا فـي
روحه ولا في منكوحه. ([11])
فلو أن داود u فعل ذلك لاستحق أشد الوعيد ولكان ظالما، فكان يدخل تحت قوله تعالى: . ([12])
ثالثاً: أن الدخول في دم أوريا أعظم من التزوج بامرأته، فكيف ترك الله الذنب الأعظم واقتصر على ذكر الأخف؟
رابعاً: أن القائلين بهذا القول ذكروا في هذه الرواية أن داود u تمنى أن يحصل له في الدين كما حصل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية، مثل ما حصل للخليل من الإلقاء في النار، وحصل للذبيح من الذبح، وحصل ليعقوب من الشدائد الموجبة لكثرة الثواب، فأوحى الله إليه أنهم إنما وجدوا تلك الدرجات؛ لأنهم لما ابتلوا صبروا فعند ذلك سأل داود u الابتلاء، فأوحى الله إليه أنك ستبلى في يوم كذا، فبالغ في الاحتراز، ثم وقعت الواقعة، فنقول: أول حكايتهم يدل على أن الله تعالى يبتليه بالبلاء الذي يزيد في منقبته، ويكمل مراتب إخلاصه، فالسعي في قتل النفس بغير الحق والإفراط في العشق كيف يليق بهذه الحالة؟ ويثبت أن الحكاية التي ذكروها يناقض أولها أخرها.
خامساً: أن داود u قال: ([13]) استثنى الذين آمنوا عن البغي، فلو قلنا: إنه كان موصوفا بالبغي لزم أن يقال: إنه حكم بعدم الإيمان على نفسه، وذلك باطل.
سادساً: أن السورة من أولها إلى آخرها في محاجة منكري النبوة، فكيف يلائمها القدح في بعض أكابر الأنبياء بهذا الفسق القبيح؟([14])
قلت: من خلال ذلك وما يليه يتضح أن هذه القصة الباطلة لا تتفق مع السياق القرآني الذي وردت فيه.
سابعاً: أن الله تعالى وصف داود u قبل ذكر هذه القصة بأوصاف حميدة. ووصفه أيضا بصفات حميدة بعد ذكر هذه القصة، وكل هذه الصفات تنافي كونه u موصوفا بهذا الفعل المنكر والعمل القبيح.
وبيان الصفات التي قبل القصة كالتالي:
الصفة الأولى: فهي أنه تعالى أمر محمدا e بأن يقتدي بداود في المصابرة مع المكابدة، ولو قلنا إن داود لم يصبر على مخالفة النفس، بل سعي في إراقة دم امرئ مسلم لغرض شهوته، فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن يأمر محمدا أفضل الرسل بأن يقتدي بداود في الصبر على طاعة الله؟([15])
فإن قيل: ما المناسبة بين أمر الله لسيدنا محمد e بالصبر على أقوال الكفار وبين أمره له بذكر داود ؟ فالجواب: أن ذكر داود ومن بعده من الأنبياء في هذه السورة فيه تسلية للنبي e، ووعد له بالنصر وتفريج الكرب، وإعانة له على ما أُمِرَ به من الصبر، وذلك أن الله ذكر ما أنعم به على داود من تسخير الطير والجبال وشدة ملكه وإعطائه الحكمة وفصل الخطاب، ثم الخاتمة له في الآخرة بالزلفى وحسن المآب، فكأنه يقول: يا محمد كما أنعمنا على داود بهذه النعم كذلك ننعم عليك فاصبر ولا تحزن على ما يقولون، ثم ذكر ما أعطى سليمان من الملك العظيم وتسخير الريح والجن والخاتمة بالزلفى وحسن المآب، ثم ذكر من ذكر بعد ذلك من الأنبياء، والمقصد ذكر الإنعام عليهم لتقوية قلب النبي e .
وأيضا فإن داود وسليمان وأيوب – - أصابتهم شدائد ثم فرَّجها الله عنهم وأعقبها بالخير العظيم، فأمر سيدنا محمدا e بذكرهم؛ ليعلمه أنه يفرِّج عنه ما يلقى من إذاية قومه ويعقبها بالنصر والظهور عليهم، فالمناسبة في ذلك ظاهرة.([16])
وقال ابن عطية: المعنى اذكر داود ذا الأيد في الدين والشرع والصدع به، فتأس به، وتأيد كما تأيد.([17])
الصفة الثانية: أنه وصفه بكونه عبدا له، والمقصود من هذا الوصف بيان كون ذلك الموصوف كاملا في موقف العبودية، تاما في القيام بأداء الطاعات والاحتراز عن المحظورات، ولو قلنا إن داود u اشتغل بتلك الأعمال الباطلة لما كان داود u كاملا في عبوديته لله تعالى، بل كان كاملا في طاعة الهوى والشهوة . ([18])
الصفة الثالثة: قوله: ﭙﭚ([19]) أي ذا القوة، ولا شك أن المراد منه القوة في الدين؛ لأن القوة في غير الدين كانت موجودة في ملوك الكفار. فعن قتادة قال: أعطى قوة في العبادة وفقها في الدين([20])، وكان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر([21]). ([22])
قال الإمام الرازي: ولا معنى للقوة في الدين إلا القوة الكاملة على أداء الواجبات، والاجتناب عن المحظورات، وأي قوة لمن لم يملك نفسه عن القتل والرغبة في زوجة المسلم ؟([23])
الصفة الرابعة: كونه أوابا كثير الرجوع إلى الله تعالى، وكيف يليق هذا بمن يكون قلبه مشغوفا بالقتل والفجور ؟([24])
الصفة الخامسة: قوله تعالى: ([25])يقول تعالى ذكره: إنا سخرنا الجبال يسبحن مع داود ، وذلك من وقت العصر إلى الليل، وذلك بالغداة وقت الضحى.([26])
ويعني بالإشراق: وقت الإشراق، وهو حين تشرق الشمس، أي تضيء ويصفر شعاعها، وهو وقت الضحى، وأما شروقها فطلوعها.([27])
قال الرازي: أفترى أنه سخرت له الجبال ليتخذ ذلك وسيلة إلى القتل والفجور؟([28])
الصفة السادسة: قوله: ﭧﭨ([29])، أي وسخرنا الطير مجموعة من كل ناحية.([30]) وعن ابن عباس - -: كان إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح، واجتمعت إليه الطير فسبحت، فذلك حشرها. ([31])
أي كل واحد من الجبال والطير أواب أي رجاع، أي كلما رجع داود إلى التسبيح جاوبته، فهذه الأشياء أيضاً كانت ترجع إلى تسبيحاتها، والفرق بين هذه الصفة وبين ما قلبها أن فيما سبق علمنا أن الجبال والطير سبحت مع تسبيح داود ، وبهذا اللفظ فهمنا دوام تلك الموافقة. ([32])
وقيل: إنه كان محرما عليه صيد كل شيء، فكانت الطيور تأمنه، فكيف يعقل أن يكون الطير آمنا منه، ولا ينجو منه الرجل المسلم على روحه ومنكوحه ؟([33])
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﯔﯕ([34])، وقوله تعالى: ﮈﮉﮍﮎ([35])
الصفة السابعة: قوله: ([36])والمراد بقوله: أي قويناه.([37]) وهي عبارة شاملة لما وهبه الله تعالى من قوة وجند ونعمة، فالتخصيص ببعض الأشياء لا يظهر.([38]) ومن ثَمَّ فلا يجوز أن نقصر ذلك على التشديد بالرجال والجنود دون الهيبة من الناس له، ولا على هيبة الناس له دون الجنود. وجائز أن يكون تشديده ذلك كان ببعض ما ذكرنا، وجائز أن يكون كان بجميعها، ولا قول أولى في ذلك بالصحة من قول الله؛ إذ لم يحصر ذلك على بعض معاني التشديد خبر يجب التسليم له. ([39])
قال الإمام الرازي: ومحال أن يكون المراد أنه تعالى شدد ملكه بأسباب الدنيا، بل المراد أنه تعالى شد ملكه بما يقوي الدين وأسباب سعادة الآخرة، والمراد تشديد ملكه في الدين والدنيا، ومن لا يملك نفسه عن القتل والفجور كيف يليق به ذلك ؟ ([40])
الصفة الثامنة: قوله تعالى: ([41])، أي أعطيناه الرشد والصواب، والفهم والإصابة. ويقال: العلم بنفسه وكيفية سياسة أمته. ويقال: الثبات في الأمور والحكمة، وإحكام الرأي والتدبر. ويقال: صحبة الأبرار، ومجانبة الأشرار. ([42]) وقيل: النبوة، وكمال العلم، وإتقان العمل. وقيل: الزبور وعلم الشرائع. وقيل: كل كلام وافق الحق فهو حكمة. ([43])
والحكمة اسم جامع لكل ما ينبغي علما وعملا، فكيف يجوز أن يقول الله تعالى: مع إصراره على ما يستنكف عنه الخبيث الشيطان من مزاحمة أخلص أصحابه في الروح والمنكوح. ([44])
وفصل الخطاب: هو القدرة على ضبط المعاني والتعبير عنها بأقصى الغايات حتى يكون كاملا مكملا، لا لبس فيه ولا إشكال([45])، وإنما يكون ذلك عن طريق معرفة الفرق بين ما يلتبس في كلام المخاطبين له من غير كبير روية في ذلك، بل يفرق بديهة بين المتشابهات، بحيث لا يدع لبسا يمكن أن يكون معه نزاع لغير معاند، وكسوناه عزاً وهيبة ووقارا يمنع أن يجترئ أحد على العناد في شيء من أمره بعد ذلك البيان الذي فصل بين المتشابهات، وميز بين المشكلات الغامضات، وإذا تكلم وقف على المفاصل، فيبين من سرده للحديث معانيه، ويضع الشيء في أحكم مبانيه.([46])
قال الإمام البيضاوي: وفصل الخصام بتمييز الحق عن الباطل، أو الكلام المخلص الذي ينبه المخاطب على المقصود من غير التباس، يراعى فيه مظان الفصل والوصل، والعطف والاستئناف، والإضمار والحذف والتكرار، ونحوها. وإنما سمي به أما بعد لأنه يفصل المقصود عما سبق مقدمة له من الحمد والصلاة. وقيل: هو الخطاب القصد الذي ليس فيه اختصار مخل ولا إشباع ممل. ([47])
والنظم القرآني صالح لكل هذه المعاني؛ لأن فصل الخطاب عبارة عن كونه قادراً على التعبير عن كل ما يخطر بالبال ويحضر في الخيال، بحيث لا يختلط شيء بشيء، وبحيث ينفصل كل مقام عن غيره، وهذا معنى عام يتناول جميع الأقسام. ([48])
فهذه الصفات المذكورة قبل شرح تلك القصة دالة على براءة ساحته عن تلك الأكاذيب.([49])
وأما الصفات المذكورة بعد ذكر القصة:
فأولها: قوله: ﯮﯯ([50]) وذكر هذا الكلام إنما يناسب لو دلت القصة المتقدمة على قوته في طاعة الله، أما لو كانت القصة المتقدمة دالة على سعيه في القتل والفجور لم يكن قوله: لائقا به.
وثانيها: قوله تعالى: ([51])، وهذا يدل على كذب تلك القصة من خلال ما يلي:
1- أن الملك الكبير إذا حكى عن بعض عبيده أنه قصد دماء الناس وأموالهم وأزواجهم، فبعد فراغه من شرح القصة على ملأ من الناس يقبح منه أن يقول عقيبه: أيها العبد إني فوضت إليك خلافتي ونيابتي؛ وذلك لأن ذكر تلك القبائح والأفعال المنكرة يناسب الزجر والحجر، فأما جعله نائبا وخليفة لنفسه فذلك ألبتة مما لا يليق.
2- أنه ثبت في أصول الفقه([52]) أن ذكر الحكم عقيب الوصف يدل على كون ذلك الحكم
معللا بذلك الوصف، فلما حكى الله تعالى عنه تلك الواقعة القبيحة، ثم قال بعده: أشعر هذا بأن الموجب لتفويض هذه الخلافة هو إتيانه بتلك الأفعال المنكرة؛ ومعلوم أن هذا فاسد، أما لو ذكر تلك القصة على وجوه تدل على براءة ساحته عن المعاصي والذنوب وعلى شدة مصابرته على طاعة الله تعالى فحينئذ يناسب أن يذكر عقيبه ، فثبت أن هذا الذي نختاره أولى.
3- أنه لما كانت مقدمة الآية دالة على مدح داود u وتعظيمه ومؤخرتها أيضا دالة على ذلك، فلو كانت الواسطة دالة على القبائح والمعائب لجرى مجرى أن يقال: فلان عظيم الدرجة، عالي المرتبة في طاعة الله، يقتل ويزني ويسرق، وقد جعله الله خليفة في أرضه وصوب أحكامه. وكما أن هذا الكلام مما لا يليق بالعاقل فكذا هاهنا، ومن المعلوم أن ذكر العشق والسعي في القتل من أعظم أبواب العيوب.
ثامناً: أنه لا شك أن داود u كان من أكابر الأنبياء والرسل، ولقد قال الله تعالى: ﯵﯶ([53])، وقال في حق الرسل: ﭿ ([54]) وكل ذلك ينافى وصفهم بالإقدام على الكبيرة والفاحشة، ومن مدحه الله تعالى بمثل هذا المدح العظيم لم يجز لنا أن نبالغ الطعن فيه، وأيضا فبتقدير أنه ما كان نبيا([55]) فلا شك أنه كان مسلما، ولا ينبغي أن نذكر موتى المسلمين إلا بخير، ثم على تقدير أنا لا نلتفت إلى شيء من هذه الدلائل إلا أنا نقول: إن من المعلوم بالضرورة أن بتقدير أن تكون القصة التي ذكرتموها حقيقية صحيحة([56]) فإن روايتها وذكرها لا يوجب شيئا من الثواب؛ لأن إشاعة الفاحشة إن لم توجب العقاب([57]) فلا أقل من أن لا توجب الثواب، وأما بتقدير أن تكون هذه القصة باطلة فاسدة، فإن ذاكرها يستحق أعظم العقاب، والواقعة التي هذا شأنها وصفتها فإن صريح العقل يوجب السكوت عنها، فثبت أن الحق ما ذهبنا إليه، وأن شرح تلك القصة محرم محظور.
قلت: لئن يخطئ الإنسان في نفي الفواحش عن الأنبياء خير من أن يخطئ في نسبتها إليهم، ونحن مأمورون بحمل أمور المسلمين على الصحة والسداد ما أمكن.
تاسعاً: إن الفرية على الأنبياء توجب شديد العقاب، ومما يقوي هذا أنهم لما قالوا: إن المغيرة بن شعبة زني، وشهد ثلاثة من عدول الصحابة بذلك، وأما الرابع فإنه لم يقل بأني رأيت ذلك العمل . يعني فإن عمر بن الخطاب كذب أولئك الثلاثة، وجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة؛ لأجل أنهم قذفوا، وإذا كان الحال في واحد من آحاد الصحابة كذلك، فكيف الحال مع داود u مع أنه من أكابر الأنبياء .
عاشراً: روي أن بعضهم ذكر هذه القصة على ما في كتاب الله تعالى فقال: لا ينبغي أن يزاد عليها، وإن كانت الواقعة على ما ذكرت، ثم إنه تعالى لم يذكرها لأجل أن يستر تلك الواقعة على داود u، فلا يجوز للعاقل أن يسعى في هتك ذلك الستر بعد ألف سنة أو أقل أو أكثر فقال عمر بن عبد العزيز: (سماعي هذا الكلام أحب إلي مما طلعت عليه الشمس).
"ولا يخفى أن الأحوط السكوت عما لا يرجع إلى طائل، بل يحتمل أن يعود على قائله لوم عاجل وعقاب آجل".([58])
"ولقد كان من حسن الأدب مع الأنبياء - صلوات الله عليهم - ألا تبث عثراتهم لو عثروا، ولا تبث فلتاتهم لو استفلتوا، فإن إسبال الستر على الجار والولد والأخ أكرم فضيلة، فكيف سترت على جارك حتى لم تقص نبأه في أخبارك، وعكفت على أنبيائك وأحبارك تقول عنهم ما لم يفعلوا، وتنسب إليهم ما لم يتلبسوا به ولا تلوثوا به؟ نعوذ بالله من هذا التعدي والجهل بحقيقة الدين في الأنبياء والمسلمين والعلماء والصالحين". ([59])
فثبت بهذه الوجوه التي ذكرناها أن القصة التي ذكروها فاسدة باطلة. ([60])
فإن قال قائل: إن كثيرا من أكابر المحدثين والمفسرين ذكروا هذه القصة فكيف الحال فيها ؟
فالجواب الحقيقي: أنه لما وقع التعارض بين الدلائل القاطعة وبين خبر كل واحد من أخبار الآحاد كان الرجوع إلى الدلائل القاطعة أولى . وأيضا فالأصل براءة الذمة، وأيضا فلما تعارض ذكر التحريم والتحليل كان جانب التحريم أولى، وأيضا طريقة الاحتياط توجب ترجيح قولنا، وأيضا فنحن نعلم بالضرورة أن بتقدير وقوع هذه الواقعة لا يقول لنا الله يوم القيامة: لمَ لمْ تسعوا في تشهير هذه الواقعة؟ أما بتقدير كونها باطلة فإنه يوجب أن لا تجوز الشهادة بها، وأيضا كل المفسرين لم يتفقوا على هذا القول، بل الأكثرون والمحققون يردونه ويحكمون عليه بالكذب، وإذا تعارضت أقوال المفسرين والمحدثين تساقطت، وبقي الرجوع فيه إلا الدلائل التي ذكرناها. ([61])





([1]) القصص القرآني – عرض وقائع وتحليل أحداث – د. صلاح الخالدي 3/452

([2]) القصص القرآني د. صلاح الخالدي 3/452، 453 بتصرف.

([3]) سورة ص، من الآية: 25

([4]) في ظلال القرآن 5/3018

([5]) عصمة الأنبياء للإمام الرازي ص 111

([6]) التفسير الكبير 26/165، اللباب في علوم الكتاب 16/399

([7]) لباب التأويل في معاني التنزيل 6/49

([8]) الكشاف 4/83

([9]) الفصل في الملل 4/14 بتصرف.

([10]) أخرجه البخاري في صحيحه 1/13 رقم 10 كتاب الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، 5/2379 رقم 6119 كتاب الرقاق، باب الانتهاء عن المعاصي، ومسلم في صحيحه 1/65، 66 رقم 40 – 42 كتاب الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل، وأخرجه غيرهما.

([11]) التفسير الكبير 26/165، اللباب في علوم الكتاب 16/399 باختصار.

([12]) سورة هود، من الآية: 18

([13]) سورة ص، من الآية: 24

([14]) عصمة الأنبياء للإمام الرازي ص 111

([15]) التفسير الكبير 26/165

([16]) التسهيل لعلوم التنزيل 3/181

([17]) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 4/496

([18]) التفسير الكبير 26/165، اللباب في علوم الكتاب 16/389

([19]) سورة ص، من الآية: 17

([20]) أخرجه الطبري في تفسيره 23/136، وأورده السيوطي في الدر المنثور 7/148 وعزاه إلى عبد ابن حميد وابن جرير عن قتادة t .

([21]) قال رسول اللَّهِ e: أَحَبُّ الصِّيَامِ إلى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كان يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَأَحَبُّ الصَّلاةِ إلى اللَّهِ صَلاةُ دَاوُدَ، كان يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ أخرجه البخاري في صحيحه – واللفظ له - 3/1257 رقم 3238 كتاب الأنبياء، باب أحب الصلاة إلى الله صلاة داود وأحب الصيام إلى الله صيام داود، وكذا أخرجه في كتاب الصلاة وكتاب الصيام، وأخرجه مسلم في صحيحه 2/816 رقم 1159 كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به أو فوت به حقا وبيان تفضيل صوم يوم وإفطار يوم، وأخرجه غيرهما.

([22]) التفسير الكبير 26/161

([23]) التفسير الكبير 26/165، عصمة الأنبياء للإمام الرازي ص 111 ، اللباب في علوم الكتاب 16/390

([24]) التفسير الكبير 26/165، اللباب في علوم الكتاب 16/390

([25]) سورة ص، من الآية: 18

([26]) تفسير الطبري 23/137

([27]) التسهيل لعلوم التنزيل 3/181

([28]) التفسير الكبير 26/165، اللباب في علوم الكتاب 16/390

([29]) سورة ص، من الآية: 19

([30]) تفسير النسفي 4/35

([31]) الكشاف 4/81، تفسير النسفي 4/35، تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان 5/586، تفسير أبي السعود 7/219، روح المعاني 23/176

([32]) التفسير الكبير 26/163

([33]) التفسير الكبير 26/165، اللباب في علوم الكتاب 16/390

([34]) سورة الأنبياء، من الآية: 79

([35]) سورة سبأ، من الآية: 10

([36]) سورة ص، من الآية: 20

([37]) قال الإمام الرازي: وأما الأسباب الموجبة لحصول هذا الشد فكثيرة، وهي إما الأسباب الدنيوية أو الدينية، فالأسباب الدنيوية عبارة عن كثرة الجنود الذين كانوا يحرسونه، وأما الأسباب الدينية الموجبة لهذا الشد فهي الصبر والتأمل التام والاحتياط الكامل. (التفسير الكبير 26/163 بتصرف)

([38]) تفسير البحر المحيط 7/374

([39]) تفسير الطبري 23/139

([40]) التفسير الكبير 26/166، عصمة الأنبياء للإمام الرازي ص 112

([41]) سورة ص، الآية: 20

([42]) تفسير القشيري 3/101

([43]) تفسير أبي السعود 7/220، ويراجع: تفسير الماوردي 5/84، تفسير النسفي 4/35

([44]) التفسير الكبير 26/166، عصمة الأنبياء للإمام الرازي ص 112 ، 113

([45]) تفسير غرائب القرآن 5/587 بتصرف.

([46]) نظم الدرر 6/587

([47]) تفسير البيضاوي 5/41

([48]) التفسير الكبير 26/164، اللباب في علوم الكتاب 16/393

([49]) التفسير الكبير 26/166، ويراجع: عصمة الأنبياء ص 113

([50]) سورة ص، الآية: 25

([51]) سورة ص، من الآية: 26

([52]) يراجع: روضة الناظر وجنة المناظر 1/300، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل 1/322

([53]) سورة الأنعام، من الآية: 124

([54]) سورة ص، الآيتان: 46، 47

([55]) هذا مجرد تقدير افتراضي جدلي، وإلا فهو من الأنبياء بلا أدنى شك.

([56]) هذا مجرد فرض جدلي، وإلا فنحن على يقين بعدم صحة هذه القصة.

([57]) إن ذكر هذه القصة يقتضي إشاعة، فوجب تحريمه؛ لقوله تعالى: ﯿﰁﰂ (سورة النور، من الآية: 19)

([58]) تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان 5/591

([59]) أحكام القرآن لابن العربي 4/52

([60]) التفسير الكبير 26/165 – 168، ويراجع: عصمة الأنبياء ص 111 – 115، اللباب في علوم الكتاب 16/399 – 403

([61]) التفسير الكبير 26/168، عصمة الأنبياء ص 115، اللباب في علوم الكتاب 16/403 بتصرف.