والتقليد الذي أقصده هنا هو تقليد المسلم للمسلم ،وسُمي هذا تقليداً، استعارة من المعنى اللغوي، كأن المستفتي المقلِّد جعل هذا الحكم كالقلادة في عنق المفتي، أي كأنه طوَّق المفتي ما في هذا الحكم من تبعه وإثم إن كان قد غشه وجعل ذلك في عنق المفتي، ومن هنا نشأ الخلاف بين أهل العلم في جواز التقليد، لأنه في حقيقته اعتقاد وعمل بغير علم أي تقليد الجاهل للعالم في الدين الإسلامي، وهذا هو التقليد داخل الأمة ، وقد توحدت أمة الإسلام على أن تقليد الكافر لا يجوز وذلك بإجماع كل العلماء ،وبصريح النص القرآني والنبوي ، أما تقليد المسلم للمسلم ففيه عدة أقوال وأراء، ومن بينها:
1- قال ابن عبدالبر (التقليد عند جماعة العلماء غير الإتباع، لأن الإتباع: هو أن تتبع القائل على مابان لك من فضل قوله وصحة مذهبه. والتقليد: أن تقول بقوله وأنت لا تعرفه ولا وجه القول ولا معناه) (جامع بيان العلم) 2/37
2- وقال ابن عبدالبر أيضا (قال أبو عبدالله بن خويز منداد البصري المالكي: التقليد معناه في الشرع: الرجوع إلي قول لاحجة لقائله عليه، وذلك ممنوع منه في الشريعة. والإتباع: ما ثبت عليه حجة. وقال في موضع آخر من كتابه: كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قوله لدليل يوجب ذلك فأنت مُقلّده، والتقليد في دين الله غير صحيح. وكل من أوجب عليك الدليل إتباع قوله فأنت متبعه. والإتباع في الدين مسوّغ والتقليد ممنوع)(جامع بيان العلم) 2/117
3- وقال أبو حامد الغزالي (التقليد هو قبول قول ٍ بلا حجة، وليس ذلك طريقا إلى العلم لا في الأصول ولا في الفروع) (المستصفى) جـ 2 صـ 387.
وقد وردت عدة آيات تحث على الإتباع، لأن الإتباع يعتمد على الحجة والبرهان لا مجرد تقليد أعمى،
قال تعالى (اتبعوا ماأنزل إليكم من ربكم ولاتتبعوا من دونه أولياء) الأعراف 3
وقال تعالى (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون) الأنعام 155 .
وقال تعالى (اتبع ماأوحي إليـــك من ربـــك) الأنعام 106، وقال تعالى (قل إنما اتبع مايوحى إلي من ربي) الأعراف 203 .
فالعمل بالوحي من الكتاب والسنة هو الاتباع كما دلت عليه هذه الآيات .
فهذه قصيدة للإمام ابن عبد البر في ذم التقليد، قال :

يا سائلــي عــن موضــع التقليـــد
خذ عني الجواب بفهم لب حاظــر
و اصغ إلى قولي و خذ بنصيحتي
و احفظ علي بـوادري ونــوادري
لا فــرق بيــن مقــلــد و بهـيـمــة
تــنقـــاد مـــن جنــادل و دعائـــر
تبـا لقـــاض أومــفـــت لا يـــرى
عللا و معنــــى للمــقـال السائـــر
فإذا اقـتـديـــت فبالكتــاب وسنـــة
المبعوث بالدين الحنيف الطاهـــر
ثم الصحابة عند عــدمـــك سنــــة
فأولئك أهل نهـى و أهـــل بصــائر
وكذاك إجمـاع الذيــن يلــونـــــهم
مـن تابعيــهم كابـرا عـــن كــابــر
إجـــمــاع أمتـــنا وقـــول نــبيـــنا
مثل النصوص لذي الكتاب الزاهر
وكــذا المدينــة حجــة إن أجمعـوا
متــتــابــعيــن أوائــلا بــأواخــــر
وإذا الخــلاف فدونــك فاجـتـهــــد
ر ومع الدليــل فمــل بفــهم وافـــر
وعلى الأصول فقس فروعك لا تقس
فرعــا بفـــرع كالجــهــول الحـــائر
والشر ما فيــــه ـ فديتـــك ـ أســـوة
فانظـــر ولا تحفـــل بزلـــة ماهــــر
(من كتاب جامع بيان العلم وفضله ص 990 طبعة دار)
وبما أننا لا نقبل القول إلا بحجّة ،يمكننا أن نسأل ما الجحّة:
تعريف الحجّة

الحُجَّة: هي ما يحتجّ به المرء على صحة قوله ومذهبه، وتسمّى أيضا بالبرهان والسلطان. والمقصود بها هنا الدليل الشرعي على صحة قول المفتي .
وكل هذه الأسماء ورد ذكرها في كتاب الله:
فالحجة: وردت في قوله تعالى (قل فلله الحجة البالغة) الأنعام 149، وقوله تعالى (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه) الأنعام 83، وقوله تعالى (فلم تحاجّون فيم ليس لكم به علم) آل عمران 66.وكثيرة هي الأيات التي وردت فيهاهذه الكلمة
والبرهان: ورد في قوله تعالى (ياأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم) النساء 174، وقوله تعالى (تلك أمانيّهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) البقرة 111.
والسلطان: ورد في قوله تعالى (أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون) الروم 35، وقوله تعالى (أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين) الصافات 156.
فالبرهان والسلطان في هذه الآيات كلها بمعنى الحجة
فالإسلام كما بنى شخصية المسلم بأن يكون حرًا ، وألاّ يكون تابعا لأعداء الأمة ، ولا يواليهم ،ولا يكونوا له المثل الأعلى ،ولا يبهر بما عندهم، بل الإسلام يبنيه من أجل أن يتفوق على كل الشعوب ،في كل المجالات، يجب على الأمم الأخرى أن تبهر به وبمجتمعه، فتقليد الأعداء يهدم البناء الذي بناه الإسلام في داخله ، وبذلك يكون قد عطل أهداف الرسالة المحمدية في الأرض ، فالرسالة لا يمكن أن تلعب دورها الفعلي وتحقق جلّ أهدافها إلا ببناء الجيد للمسلم .
فالمسلم سيد نفسه ، أفعاله تصدر من داخله بكل حرية ، فهو الوحيد من يتحمل مسؤوليتها أمام الله وأمام مجتمعه، فالله الذي خلقه وجعله خليفته في الأرض لا يرضى أن يكون إمّعه، يسير من حيث سار القوم وإن كانوا على خطأ، والمسلم الحر حقا لا يقلّد حتى في الخير ، بل يقتدي بمن سبقوا في الخير، لأن فعل الإقتداء صادر عن فهم ووعي وحرية، أما فعل التقليد فهو محاولة نسخ فعل الآخرين بدون فهم ولا وعي ولا حرية ، لذا يقول تعالى:
(تِلْكَ أُمَّةٌۭ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ )﴿ البقرة 134﴾
ولقد أظهر الشيخ العلامة ابن العثيمين فوائد من هذه الآية في معرض تفسيرها:
1ــــ منها: أن الاعتماد على أعمال الآباء لا يجدي شيئاً؛ لقوله تعالى: تلك أمة قد خلت... الآية؛ يعني هم مضوا، وأسلموا لله؛ وأنتم أيها اليهود الموجودون في عهد الرسول عليكم أن تنظروا ماذا كسبتم لأنفسكم .
2ــــ ومنها: الإشارة إلى أنه ينبغي لنا أن نسكت عما جرى بين الصحابة؛ لأنا نقول كما قال الله لهؤلاء: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم فنحن معنيون الآن بأنفسنا؛ ويُذكر عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ــــ ــــ أنه سئل عما جرى بين الصحابة، فقال لهم: «هذه دماء طهر الله سيوفنا منها؛ فنحن نطهر ألسنتنا منها» ؛ هذه كلمة عظيمة؛ فعلى هذا النزاع فيما جرى بين معاوية، وعلي بن أبي طالب، وعائشة، وما أشبه ذلك لا محل له؛ لكن الذي يجب أن نعتني به حاضر الأمة؛ هذا الذي يجب أن يبين فيه الحق، ويبطَل فيه الباطل؛ ونقول: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم [الحشر: 10]
3ــــ ومن فوائد الآية: أن الإنسان وعملَه؛ لقوله تعالى: لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ؛ فلا أحد يعطى من عمل أحد، ولا يؤخذ منه؛ قال تعالى: كل نفس بما كسبت رهينة [المدثر: 38 ] .
4ــــ ومنها: أن الآخِر لا يُسأل عن عمل الأول؛ ولكن الأول قد يُسأل عن عمل الآخر، كما قال تعالى: وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار [القصص: 41] ؛ فقد يكون الأول صاحب بدعة، ويُتَّبَع على بدعته؛ فيكون دالاً على ضلالة؛ فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة؛ لكن الآخر لا يسأل عن عمل الأول؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي : «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» ؛ وفي لفظ: «فتؤذوا الأحياء»(أخرجه أحمد 4/252، حديث رقم 18396، وأخرجه الترمذي ص1855 – 1851، كتاب البر والصلة، باب 50: ما جاء في الشتم، حديث رقم 1982، وقال الألباني في صحيح الترمذي: صحيح 2/190، حديث رقم 1614
5ــــ ومن فوائد الآية: إثبات عدل الله ، وأنه لا يؤاخذ أحداً بما لم يعمله؛ لقوله تعالى: ولا تسألون عما كانوا يعملون
6 ــــ ومنها: إثبات السؤال، وأن الإنسان سيُسأل؛ لقوله تعالى: ولا تسألون عما كانوا يعملون ؛ منطوق الآية: نفي السؤال عن عمل الغير؛ ومفهومها: ثبوت السؤال عن عمل العامل، وأنه مسؤول عن العمل.( تفسير ابن العثيمين الموسوعة)
وبما أن الإنسان يولد وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده ، ويحاسب وحده ، ويجاز خيرا أم شرا وحده ، فكيف لا يكون إعمال عقله وحده ، والأفكار والعقائد التي يتبناها ويؤمن بها يكون من نتاجه وتمثله وتميزه عن غيره ، فأي فضل له إذا كان يسير على خطى غيره ، إن مرّ فلا أثر يبقى بعده ، لذا يحثنا الإسلام أن تكون إعتقداتنا وأعمالنا من صميم شخصيتنا ، وأثر من آثار قناعتنا ، فلا نكون مقلدين لكفار ولا لمسلم ، بل المسلم نقتدي بأعماله ونأخذ العبرة منه ، فأعمال المسلم هي نتيجة فهم وتربية والزمان والمكان عنصران في تحديد بعض الأعمال والتصرفات، فكل هذه العناصر ليس بالضرورة تتكرر في حياتنا حتى تنتج نفس الأعمال و التصرفات.
وللشيخ ابن باز – – قول جميل في عدم الإلتزام بالمذاهب رغم أنها إسلامية صرفة و أئمّتها من أكبر علماء المسلمين ،فالمذهبية ليست بلازمة، ومن قال أنه يلزم الناس أن يتمذهبوا كمذهب أحمد، أو مالك، أو الشافعي فقوله غير صحيح، فالمذاهب جديدة حدثت بعد الصحابه و بعد التابعين، فليست لازمة لأحد إنما هي أقوال علماء اشتهروا ودونت أقوالهم، فاشتهرت هذه المذاهب كأحمد--ومالك--والشافعي--وأبو حنيفة--علماء من جنس الثوري، ومن جنس الأوزاعي، ومن جنس إسحاق بن راهويه، وكما أنه لا يلزمنا أن نأخذ أقوال الثوري، أو ابن عيينة، أو إسحاق، أو الأوزاعي, أو غيرهم، فهكذا لا يلزمنا أن نأخذ قول أحمد، أو مالك، أو الشافعي، أو أبي حنيفة، ولكن ننظر في مسائل الخلاف فما وافق الحق من أقوالهم أخذناه وما خالفه تركناه، وما أجمع عليه العلماء وجب الأخذ به ولم يكن هناك عذر في مخالفته، ما أجمعوا عليه وجب الأخذ به والتمسك به، وما اختلفوا فيه وجب عرضه على الكتاب والسنة كما قال الله-عز و جل-: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُول ( النساء 59)، فما وافق الكتاب والسنة أخذناه، وما خالفهما تركناه، وقول من قال ألا مذهبية هذا إن أراد ألا يجب التمذهب وليس بلازم فهو صحيح، وإن أراد أنه لا يجوز أن ينتسب فليس بصحيح يجوز أن ينتسب الإنسان إلى شافعياً، أو حنبلياً، أو مالكياً، أو حنفياً، لأنه نشأ على ذلك، وتعلم على مشائخهم ونحو ذلك لا بأس أن ينتسب، الانتساب لا يضر إنما المهم ألا يقلد أو يتعصب، فمتى ظهر الحق أخذ به ولو في غير مذهبه، فلا يجوز التعصب و التقليد الأعمى، فإن أراد من قال ألا مذهبية وأراد ألا تعصباً ولا تقليد أعمى فهذا صحيح, أما إذا أراد أنه لا يجوز الانتساب إلى هذه المذاهب هذا مخالف لما عليه أهل العلم ولا وجه له، إنما المنكر التعصب لزيد أو عمر، ولو قال خطأً، والتقليد الأعمى الذي ليس معه نظر ولا تفكير في الأدلة هذا هو الممنوع، وأما كونه ينتسب لمذهب لكنه يخالفه فيما خالف الحق ويأخذ بالحق مع من كان هذا صواب.. ( الموضوع :لا يجوز التعصب والتقليد الأعمى –الشيخ ابن باز- موقع:المحجة ظ…ظˆظ‚ط¹ ط§ظ„ظ…طط¬ط©)
فالتقليد ليس علماً لأنه قبولا لقول بلا حجة ، والعلم لا يُقْبل إلا بالحجة والدليل القاطع ، فالعلم هو السلطان ،لأنه لا أرفع ولا أجل ولا أثبت من العلم ،لذا يصف الله القول بالعلم والحجة والبرهان أنه " سلطان" يقول تعالى: (إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله مالا تعلمون) يونس 68 إذن العلم هو الحجة والسلطان