قال رسول الله عليه الصلاة والسلام "احفظ الله يحفظك " رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح .

الشرح :
قال أهل العلم في شرحهم لهذا الحديث بأن حفظ العبد لربه يعني القيام بحقوقه وفعل أوامره واجتناب نواهيه.
وأما حفظ الله للعبد فله وجهين :
الوجه الأول : هو حفظ الله للعبد في دينه بأن يحفظه من الشبهات المُضلة ومن الشهوات المحرمة وأن يثبته على الصراط المستقيم , , وتفسير حفظ الله للعبد بهذا الوجه وهذه الصورة لا خلاف بين أهل العلم بحملها عليه والواقع يؤكد ذلك.
الوجه الثاني : هو حفظ الله للعبد في مصالح دنياه في بدنه وأهله وماله وولده ونحو ذلك , وهذا الحفظ غير محصور على المؤمنين بل يشترك فيه الكفار والفساق إلا أنه في حق المؤمنين هو من باب الوعد لهم والجزاء بهذا الحفظ ماداموا يحفظونه بالاستقامة على دينه , وأما الكفار والفساق فالله يحفظهم لكن بلا وعد منه فقد يسلبهم هذا الحفظ في أي وقت وذلك أنه لم يعدهم بشيء .
وهنا قد يرد إشكال ويقول قائل بأن تفسير حفظ الله للعبد بالوجه الثاني غير صحيح إذ كيف نجمع بين قوله تعالى لنبيه "والله يعصمك من الناس" وقوله عليه الصلاة والسلام : "احفظ الله يحفظك" على مفهوم أن الحفظ يشمل الحفظ الدنيوي ، وبين أنهُ سُحِرْ وقد شجًََت رباعيته يوم أحد وهناك من أهل العلم من يقول: إنه قُتل بالشاة المسمومة؟ وكذلك ما تأويل قتل بعض أنبياء بني اسرائيل مع أنهم يحفظون الله بالاستقامة على طاعته , وكذلك مقتل عمر وهو يصلي ومقتل عثمان , والحسين , وسعيد بن جبير على يد الحجاج وغيرهم كثير؟
فالجواب عموماً هو أن المراد بحفظ الله للعبد هو حفظه في دينه مُطلقاً , وحفظه في مصالح دنياه باستثناء الموت المكتوب على كل نفس , وباستثناء الأذى المحدود وقتاً وكماً والذي لا بد منه لابتلاء الخلق وتمحيصهم واستصلاحهم لا إتلافهم , ومن الابتلاء بعض الأقدار المؤلمة التي عاقبتها إلى خير وفلاح يقيناً .

أي بمعنى أدق أن المراد بحفظ الله للعبد في دنياه هو أن يقضي الله الخير للعبد حيث كان ثم يُرضيه به ويُلهمه الصبر والسلوان ، فالله لا يقضي لعبده المؤمن التقي المتوكل عليه إلا ما هو خيرٌ له , وإن كان المقضي في قالب ضراء في نظر العبد القاصر بخفايا الأمور ومآلاتها ، فالعاقبة للمتقين لا محالة ولو بعد حين كما قال تعالى: "والعاقبة للمتقين" وبهذا التفسير يزول الإشكال.
وأما الجواب التفصيلي على ماورد بهذا الإشكال :
فالأصل أن من حفظ الله حفظه الله في دينه وفي مصالح دنياه في بدنه وأهله وماله وولده ونحو ذلك فيوكّل الله بفضله للعبد من الملائكة من يتولون حفظه ورعايته ، كما قال تعالى : له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ( الرعد : 11 ) أي : بأمره ، وهو عين ما كان يدعو به النبي كل صباح ومساء : ( اللهم إني أسألك العفو والعافية ، في ديني ودنياي وآخرتي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي ) رواه أبو داوود و ابن ماجة ، وبهذا الحفظ أنقذ الله إبراهيم من النار ، وأخرج يوسف من الجبّ ، وحمى موسى من الغرق وهو رضيع ، وتتسع حدود هذا الحفظ لتشمل حفظ المرء في ذريّته بعد موته ، كما قال سعيد بن المسيب لولده : " لأزيدن في صلاتي من أجلك رجاء أن أُحفظ فيك " ، وتلا قوله تعالى : وكان أبوهما صالحا ( الكهف : 82 ) .
ومن الوقائع النبوية في دفع المكروه بحفظ الله وصدق التوكل عليه ما رواه جابر بن عبد الله قال: قاتل رسول الله محارب بن خصفة، فجاء رجل منهم يقال له غورث بن الحارث حتى قام على رسول الله بالسيف فقال: من يمنعك مني؟! قال: الله . فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله فقال: من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ. قال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: لا، ولكن أعاهدك على أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك. فخلى سبيله فأتى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس. رواه البخاري ومسلم وأحمد واللفظ له.
وفي ذلك نزل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ المائدة: 11
قال ابن كثير: يعني: من توكل على الله كفاه الله ما أهمه، وحفظه من شر الناس وعصمه. اهـ.
ومن ذلك أيضا رد النبي على أبي بكر حين قال له في الغار أثناء الهجرة: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا. فقال صلوات الله وسلامه عليه: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما. متفق عليه.
وفي ذلك نزل قوله تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ التوبة: 40.
ويدل على عموم هذا المعنى ، قوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ الزمر: 36
قال البغوي يعني: محمدًا ، وقرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي: (عباده) بالجمع يعني: الأنبياء ، قصدهم قومهم بالسوء كما قال: (وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه)(غافر: 5) فكفاهم الله شر من عاداهم. اهـ.
وقوله سبحانه: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا الطلاق: 3
قال العلامة ابن عاشور في (التحرير والتنوير): وجملة إن الله بالغ أمره في موضع العلة لجملة ومن يتوكل على الله فهو حسبه ، أي لا تستبعدوا وقوع ما وعدكم الله حين ترون أسباب ذلك مفقودة، فإن الله إذا وعد وعداً فقد أراده، وإذا أراد الله أمراً يسر أسبابه. ولعل قوله: قد جعل الله لكل شيء قدراً إشارة إلى هذا المعنى ، أي علم الله أن يكفي من يتوكل عليه مهمَّه فقدر لذلك أسبابه كما قدر أسباب الأشياء كلها، فلا تشكوا في إنجاز وعده، فإنه إذا أراد أمراً يسر أسبابه من حيث لا يحتسب الناس وتصاريف الله تعالى خفية عجيبة. اهـ.
وهنا لابد من التنبيه على أن تحقيق هذا الوعد الكريم لا يعلم كيفيته وموعده إلا الله، فلا يُقال: كيف ولا متى ؟ ولكن يوقن بذلك وينتظر الفرج ويرضى بتدبير الله له، ولهذا خُتِمت الآية بما ختِمت به، قال السعدي: فهو حسبه أي: كافيه الأمر الذي توكل عليه به، وإذا كان الأمر في كفالة الغني القوي العزيز الرحيم، فهو أقرب إلى العبد من كل شيء، ولكن ربما أن الحكمة الإلهية اقتضت تأخيره إلى الوقت المناسب له؛ فلهذا قال تعالى: إن الله بالغ أمره أي: لا بد من نفوذ قضائه وقدره، ولكنه قد جعل الله لكل شيء قدرا أي: وقتا ومقدارا، لا يتعداه ولا يقصر عنه اهـ.
فوعود الله الكريمة للمؤمنين تتحقق بالطريقة التي تتفق مع الحكمة من الخلق، وهي الابتلاء والامتحان، والتمييز والتمحيص.
وأما الجمع بين قوله تعالى: وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ المائدة:67 وحديث: "احفظ الله يحفظك"، وبين ما أصاب النبي في بدنه من بلاء، فقال ابن عادل في (اللباب): الجواب أن قوله تعالى: (والله يعصمك من الناس) المراد به عصمة القلب والإيمان لا عصمة الجسد عما يرد عليه من الأمور الحادثة الدنيوية، فإنه قد سحر وكسرت رباعيته ورمي عليه الكرش والثرب وآذاه جماعة من قريش اهـ.

وقال الشيخ ابن باز عن نفس هذا الإشكال : لم يترتب على ذلك شيء مما يضر الناس أو يُخل بالرسالة أو بالوحي، والله عصمه من الناس مما يمنع وصول الرسالة وتبليغها، أما ما يصيب الرسل من أنواع البلاء فإنه لم يُعصم منه عليه الصلاة والسلام, بل أصابه شيء من ذلك, فقد جرح يوم أحد, وكسرت البيضة على رأسه, ودخلت في وجنتيه بعض حلقات المغفر, وسقط في بعض الحفر التي كانت هناك, وقد ضيقوا عليه في مكة تضييقا شديدا, فقد أصابه شيء مما أصاب من قبله من الرسل, ومما كتبه الله عليه, ورفع الله به درجاته, وأعلى به مقامه, وضاعف به حسناته, ولكن الله عصمه منهم فلم يستطيعوا قتله ولا منعه من تبليغ الرسالة, ولم يحولوا بينه وبين ما يجب عليه من البلاغ فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة . اهـ.
وقال أحد أهل العلم : نظراً لشدة عداوة الكفار للنبي ، وكثرتهم وقوتهم، وحرصهم على قتله والتخلص منه بكل وسيلة اتخذ النبي الحرس في بداية الأمر كما تُمليه السنن الكونية والطبيعة البشرية.. فلما نزل عليه قول الله : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ المائدة: 67. ترك الحرس فلم يصل إليه عدوّ بقتل ولا أسر ولا قهر.. مع كثرة الأعداء وكثرة محاولاتهم ، والأمثلة على ذلك كثيرة ثابتة فمنها محاولة عمير بن وهب وصفوان بن أمية، ومحاولة عامر بن الطفيل وأربد بن قيس، ومحاولة بني قينقاع، ومحاولة اليهودية التي أهدت للنبي ذراع الشاة المسمومة،وهي ثابتة في كتب السنة، ولكن الله عصمه من تلك المحاولات ومن غيرها. وقد استشكل بعضهم أن اليهود سحروه ووضعوا له السم وأن قريشاً شجوه وكسروا رباعيته... ولا إشكال في ذلك، فما أصابه من الآلام والأذى ... في سبيل الله إنما هو لرفع درجاته وتعظيم أجره عند الله تعالى، وليتأسى به الدعاة والعلماء المصلحون .. من بعده. فالله ضمن له العصمة والسلامة من القتل والأسر وزوال العقل وتلف الجملة.. حتى يبلغ رسالته ويكمل دينه. وأما عوارض الأذى فلا تمنع عصمة الجملة ، ولم تكن تهم النبي ، وإنما كان الذي يهمَه هو الخوف من القضاء على شخصه قبل أن يبلغ رسالة ربه. وعندما أكمل الله الدين لعباده وأتم عليهم نعمته بكمال تشريعه وأصبح رجال الإسلام الذين تعهدهم النبي بالتربية قادة قادرين على حمل الدين وتبليغه أجرى الله تعالى على نبيه سنته الماضية في خلقه، كما قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آل عمران: 185. وبدأ النبي يحس بأن مهمته في هذه الحياة قد انتهت،وأنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وجاهد في الله حق جهاده... فأشار إلى ذلك في حجة الوداع عندما خطب في تلك الجموع الحاشدة، فبين لهم شرائع الإسلام وأوصاهم وصية مودع.. وقال: لعلي لا ألقاكم في موضعي هذا بعد عامي هذا !. فلم يكن موته فجأة ولا بسبب قتل أو اغتيال وإنما كانت موتة طبيعية بسبب الحمى والصداع الذي كان من أسبابه آثار تلك الأكلة المسمومة التي تناولها بخيبر، فلم تؤثر عليه في ذلك الوقت، فقاد الجيوش بعد ذلك ودخل المعارك الكبرى وانتصر فيها، وفاوض الأعداء، واستقبل الوفود، ومارس حياته العادية اليومية بصورة طبيعية حتى وافاه الأجل المحتوم بصورة طبيعية. وتأثير السم عليه بعد ذلك عند نهاية الأجل إنما هو لرفع درجاته وعلو منزلته عند الله تعالى، ولينال بذلك مقام الشهداء. وبهذا نعلم أنه لا تعارض بين عصمة الله تعالى لنبيه ، وبين ما لقيه من الأذى...انتهى.
والله أعلم.
وأما وقع للأنبياء والأولياء من أنواع الابتلاء لا يُقال أنه من عدم حفظ الله لهم بل هو ابتلاء وامتحان ، وكفارة ورفعة درجة لهم ، تزيد الإيمان والتقوى ؛ قال تعالى : "ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناَ وتسليما".

ثم إننا لا نُسلم بأن من قُتل في سبيل الله تألم بمقتله أو حتى أن نقول عنه ميت بل هو حي عند ربه كما أخبرنا الله في كتابه قال " الشهيد لا يجد من القتل إلا كما يجد أحدكم القرصة يقرصها" حديث صحيح .
قال الله تعالى "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ( 169 ) فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( 170 ) يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين" وهنا يتمحض إيمان العبد وتصديقه بموعود ربه , وعلى هذا فالموت في سبيل الله شهادة وهي فضل من الله ورحمة .

وخلاصة الكلام :
أن الحفظ حفظان , الأول حفظ الدين من الشبهات المُضلة ومن الشهوات المحرمة وهذا الحفظ مُطلق لكل من حفظ الله بالتزام شرعه,ولعل خير ما نستحضره في هذا المقام : حفظ الله تعالى لدين يوسف ، على الرغم من الفتنة العظيمة التي أحاطت به وكادت له ، يقول الله تعالى في ذلك : كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ( يوسف : 24 ) ، وتستمر هذه الرعاية للعبد حتى يلقى ربّه مؤمنا موحداً .
الثاني الحفظ الحسي أي حفظ الأهل والنفس والمال وهو الأصل والغالب ومُقيد بالمصلحة والحكمة من الخلق والاستثناء ابتلاء العبد بما عاقبته أحسن , فاخْتِيَارَ اللَّهِ لِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ المتقي والمتوكل عليه خَيْرٌ مِنْ اخْتِيَارِهِ لِنَفْسِهِ كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَقْضِي اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءً إلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدِ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ إنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ كُلَّ قَضَاءٍ يَقْضِيهِ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي يَصْبِرُ عَلَى الْبَلَاءِ وَيَشْكُرُ عَلَى السَّرَّاءِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَللعلم فإن مَا يُصِيبُ الْمؤمن إنْ كَانَ يَسُرُّهُ : فَهُوَ نِعْمَةٌ بَيِّنَةٌ . وَإِنْ كَانَ يَسُوءُهُ : فَهُوَ نِعْمَةٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يُكَفِّرُ خَطَايَاهُ ويرفع درجته. وَيُثَابُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ . وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ فِيهِ حِكْمَةٌ وَرَحْمَةٌ لَا يَعْلَمُهَا وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.

وأما من منافع التوكل على الله وحفظ الله في حال تقدير المكروه على العبد لحكمة يعلمها الله أن يكون التوكل والاستعانة بالله عوناً له على تحمل ما يحذره ويخافه حتى يكون المقدور خفيف الوقع عليه ويملأ قبه بالرضا عنه سبحانه وعن تدبيره وأن يثبته على الصراط المستقيم بعدم الجزع والاعتراض بل يكون البلاء إليه أحب إليه من رفعه لقوة تسليمه وإيمانه بحكمة ونصح ربه كما سُئِلَ بَعْضُ التَّابِعِينَ عَنْ حَالِهِ فِي مَرَضِهِ ، فَقَالَ : أَحَبُّهُ إِلَيْهِ أَحَبُّهُ إِلَيَّ.

ومن هذا الباب ماوردنا عن بلال بن رباح حين كان يعذب من قبل قريش بعد إعلان كلمة التوحيد وكان يعذب في رمضاء مكة حيث إنه سُئل كيف صبرت يا بلال؟ قال: مزجت حلاوة الإيمان بمرارة العذاب فطغت حلاوة الإيمان على مرارة العذاب فصبرت .
وأقتبس هنا كلاماً جميلاً للدكتور بدر عبدالحميد هميسة إذ يقول فيه (ابن تيميه - - يدخل سجن القلعة ويغلق عليه الباب، فيبرز بلسم الحياة في تلك اللحظة -أعني الإيمان- فيقول: (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ) ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أنَّى رُحت فهي معي لا تفارقني، حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة. إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، إنها جنة الإيمان.
المحبوس من حُبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه، والله لو بذلت ملء القلعة ذهبًا ما عدل ذلك عندي شكر نعمة الحبس، وما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير، اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، حاله:
أنا لست إلا مؤمنًا بالله في سري وجهري
أنا نبضة في صدر هذا الكون فهل يضيق صدري
يقول تلميذه [ابن القيم] --: وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والتنعم، وما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق ومع ذلك فهو من أطيب الناس عيشًا وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرُّهم نفسًا، تلوح نظرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه؛ فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها. راجع : بلسم الحياة : علي عبد الخالق القرني 5 وما بعدها .انتهى.


هذا الشرح مُستفاد من موقع إسلام ويب وفتاوى سليمان الماجد حفظه الله وفتاوى الشيخ ابن باز وغيره.