بسم الله الرحمن الرحيم
يا أصنام الأوهام : تَكسَّري !
الكذب أمر تنفر منه الفطر والعقول السليمة ، وتكره أصحابه ، وعندما يتبين للمرء أن أحدًا كذب عليه وخادعه فإن نتيجة ذلك تكون شديدة جدًّا ، وقد تؤدي به إلى نزوع إلى نقيض ما كان عليه دون تأمل في صحة هذا النقيض ، ومن شواهد هذا في التاريخ الفكري الأوروبي أن فولتير جعل خداع الكنيسة للشعوب الغربية سببًا في نزوع تلك الشعوب إلى الإلحاد إذ يقول في رسالته في التسامح : " لأن الخداع كان الوسيلة الوحيدة لكبحهم نراهم يرفضون حتى كابح الحقيقة وينزعون إلى الإلحاد " .
والمرء قد لا يتبينُ وقوعَه في خداع السادة والكبراء في هذه الدنيا ، ولا يتبين ذلك إلا يوم القيامة ، فيدعو على سادته وكبرائه باللعنة والعذاب ويتبرأ منهم ، ولا يفيده ذلك شيئًا ، بل يقع في الندامة والعذاب ، وقد ذكر الله تعالى في كتابه هذه المشاهد المتعلقة بالمخادَعين من الكفار في أكثر من موطن فقال : " إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ، وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ " وقال : " وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ، رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا " ، وقال : " وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " .
والمرء ما دام في هذه الحياة الدنيا وقد زوده الله بالقوى العقلية التي تمكنه من النظر في الأدلة التي نصبها على الحق ، ومن الكشف عن الزيف والكذب والخداع ، فإنه في فسحة لأن يصحح أفكاره وينقدها بنفسه ، قبل أن يتبين له أنه وقع في خداع الكبراء والسادة فينزع إلى التطرف المضاد ، أو أن لا يتبين له ذلك إلا يوم القيامة ، فيقع في الحسرة والندامة .
لعل من أهم أسباب قبول المرء لكثير من الأوهام دون أن يمحصها أنه لا يعيش في هذه الدنيا وحيدًا معزولًا وإنما في مجتمعات تربطه بها مصالح مشتركة ، فإذا كان النظر في تصحيح تلك الأوهام سببًا في انفكاك تلك المصالح ، وربما إلى المعادة والهجر من أصحابها = شقَّ على النفس أن تسلك سبيل النظر والتصحيح لتلك الأوهام ، فتُعرض عن ذلك إيثارًا للسلامة .
أما أصحاب الهمة العالية ، الذين يعلمون أن سعادة النفوس إنما تكون بالتصديق بالأخبار الشريفة الصحيحة المطابقة للواقع ، وأن مرادات المرء وحركاته وأفعاله إنما تنبني على معلوماته ، وبحسب صدقها وشرفها يصح مراده وفعله وحركته ؛ فإن مصلحة معرفة الأخبار الشريفة الصادقة تكون مقدمة على جميع ما سواها من المصالح ، ولذا فإنه يملك الشجاعة التي تحمله على نقد أفكاره وتصحيحها وإن فوَّت ما فوَّت من مصالح الدنيا .
ولنا في سلمان الفارسي أسوة حسنة ، إذ إنه كان في بلاده عند قومه ووالده فتى محظوظًا يحبه والده حبًّا جمًّا ، فلما رأى نقص إله قومه المجوس الذي هو النار ، وكمال إله النصارى بإزاءه ؛ اشتاقت نفسه لمعرفة الإله الحق والدين الحق ولم يبالي بترغيب والده ولا ترهيبه ، فهجر بلده طلبًا للحق متنقلا بين البلاد حتى قدم مدينة رسول الله وهداه الله إلى الإسلام .
إن النفس البشرية لا تطمئن إلا بالأخبار الصحيحة الصادقة اليقينية ، واليقين في اللغة مأخوذ من الاستقرار ، يقال : يقن الماء في الحوض إذا استقر فيه ، وهذا الاستقرار يقدمه أصحاب الهمم العالية على كل استقرار في مصالح الدنيا .
ومن أسباب امتناع المرء عن تصحيح أوهامه ، أن لا يكون قد بنى أفكاره بنفسه ، وإنما أحال ذلك على غير معصوم وثوقًا به واطمئنانًا له ، فهذا ليس بيده تغييرها ولا تصحيحها لأنه جعل بناءها بيد غيره ، فلا يملك في مواطن الدفاع عنها إذا ما وجهت بالنقد إلا التعصب لقائلها ، شأنه كما قال ابن مسعود : " كنا نعدُّ الإمعة في الجاهلية الذي يدعى إلى الطعام فيذهب معه بغيره وهو فيكم اليوم المُحقِب دينه الرجال " ( أخرجه ابن عبدالبر في جامع بيان العلم وفضله ). قال الزمخشري في الفائق : " المُحقِب : المردف من الحقيبة وهي كل ما يجعله الراكب خلف رحله . ومعناه المقلد الذي جعل دينه تابعا لدين غيره بلا روية ولا تحصيل برهان " .
وهذا الصنف هو أبعد الأصناف عن تصحيح أوهامه في الدنيا ، لأن صاحبه لا يدرك حقيقة مصابه ، كما قال ابن القيم في نونيته :
أم كيف يشعر تائه بمصابه = والقلب قد جعلت له قفلان
قفل من الجهل المركب فوقه = قفل التعصب كيف ينفتحان ؟
ومفاتح الأقفال في يد من له = التصريف سبحان العظيم الشان
فاسأله فتح القفل مجتهدًا = على الأسنان إن الفتح بالأسنان
ومن أسباب امتناع المرء عن تصحيح أوهامه - سيما في الأمور الدينية - خوفه من الوقوع في الشك والريبة في الدين ، وهذا الأمر يحتاج إلى إدراك للفرق بين الشك وبين طلب الدليل ، فليس كل من طلب الدليل شاكًّا في المدلول ، وإنما فائدة طلب الدليل زيادة الإيمان واليقين ، كما طلب إبراهيم من ربه أن يريه كيف يحي الموتى حتى يطمئن قلبه .
ومن فائدة طلب الدليل أيضًا : التمييز بين مراتب المعارف ، فإن النفس التي تطلب الدليل على أصول المسائل الدينية إذا جاءت إلى المسائل الدينية الاجتهادية فإنها تدرك التفاوت بين مراتبها في القوة ، بخلاف من لم يطلب الأصول بالدليل ، ولذا فإن من أسباب التعصب الفقهي في المسائل الاجتهادية عدم إدراك المتعصب لمراتب المعارف ، وبهذا التمييز بين مراتب المعارف يتمكن الإنسان من إدراك التفاوت بين العقائد الدينية الحقة التي يعتقدها والأوهام التي تسربت إلى نفسه .
أما الشك فليس شيئًا محمودًا ولا مطلوبًا لذاته ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : " ومن المعلوم أن الله لا يحب الجهل ولا الشك ولا الحيرة ولا الضلال ، وإنما يحب الدين والعلم واليقين ، وقد ذم الحيرة بقوله تعالى : " قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ".
ثم قال : " والشك والحيرة ليست محمودة في نفسها باتفاق المسلمين " .
وقد كان للإمام أبي حامد الغزالي تعالى تجربة في الشك حكاها في كتابه (( المنقذ من الضلال )) ، وذكر أنه شرع في تشكيك نفسه في كل شيء حتى شك في المحسوسات والضروريات ، وعاش في حالة من السفسطة مدة شهرين ، إلى أن شفاه الله تعالى من ذلك المرض ..
وقد ذكر ابن تيمية تجربة الغزالي هذه في شرح العقيدة الأصبهانية وعلَّق عليها بقوله (ص636) : " ومن سلك الطرق الشرعية النبوية لم يحتج في إثباتها إلى أن يشك في إيمانه الذي كان عليه قبل البلوغ ثم يحدث نظرًا يعلم به وجود الصانع ، ولم يحتج إلى أن يبقى شاكًّا مرتابًا في كل شيء ، وإنما كان مثل هذا يعرض للجهم بن صفوان وأمثاله فإنهم ذكروا أنه بقي أربعين يومًا لا يصلي حتى يثبت أن له ربّا يعبده ، فهذه الحالة كثيرا ما تعرض للجهمية وأهل الكلام الذين ذمهم السلف والأئمة ، وأما المؤمن المحض فيعرض له الوسواس فتعرض له الشكوك والشبهات وهو يدفعها عن قلبه ، فإن هذا لا بد منه كما ثبت في الصحيح أن الصحابة قالوا: يا رسول الله إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة أو يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به، فقال: " أفقد وجدتموه؟ " قالوا: نعم ، قال : " ذلك صريح الإيمان " .
فالمقصود هو التفريق بين طلب الدليل وبين الشك وأنهما ليسا بمتلازمين .
ومن أسباب عدم اكتراث المرء بتصحيح أوهامه في القضايا الدينية : ضغط الفلسفة الغربية الإلحادية ، التي تقلل من شأن المعارف الدينية ، ولا تلتفت إلى إلا العالم المادي الدنيوي وأسئلته ومتطلباته واحتياجاته ، كما قال أوجست كونت في كتابه العقيدة الوضعية : " تحل الإنسانية نهائيًّا مكان الله دون أن تنسى خدماته الوقتية " ، ولقد تجاوب معه رينان عندما ختم كتابه مستقبل العلم بقوله لله : " الوداع ! مع أنك خدعتني إلا أنني ما زلت أحبك !! " ( من حاشية كتاب الإنسان القانوني لألان سوبيو ص314 ) .
إن التأثر بالفلسفة الغربية يجعل المرء منشغلا بشؤون المادة وقوانينها وأسئلتها غير مكترث بما يحويه قلبه من أوهام دينية ، لأن الوهم الديني والحقيقة الدينية كلاهما غير مؤثرين في حياته ، فلا فائدة من إضاعة الوقت والجهد للتمييز بينهما ، وإذا وصل المرء للتأثر بمقولة نسبية الحقيقة فإنها تُكسِبه - زيادةً على ذلك - قناعة باستحالة التمييز بينهما .
وبعد ،
فهذه الأسباب هي الجنود التي تحرس أصنام الأوهام ، فإذا انتصرت عليها فلتذكر حال النبي عندما دخل مكة فاتحًا وجعل يطعن الأصنام التي حول الكعبة بعود في يده وهو يقول : " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا " ، فإزالة أصنام الأوهام لا تحتاج أكثر من طعنة العود تلك لتهوي كما هوت تلك الأصنام .

العدد الثالث من مجلة حراس الشريعة
للتحميل :
ط§ظ„ط¹ط¯ط¯ ط§ظ„ط«ط§ظ„ط« ظ…ظ† ظ…ط¬ظ„ط© طط±ط§ط³ ط§ظ„ط´ط±ظٹط¹ط© | ظ…ط¬ظ„ط© طط±ط§ط³ ط§ظ„ط´ط±ظٹط¹ط©