بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وسلم تسليما


لعلي أتعرض في هذا البيان إلى الحروف فواتح السور.. النورانية.. المقطعة.. الهجائية.. ذلك أنه تناهى إلى سمعي من وصف من يتكلم فيها بالفيلسوف.. وأن من يتكلم في مثل هذه الحروف قد ضل، ويخشى منه أن يضل غيره.. ولا يجوز السماع منه ولا الاستماع إليه..
وإنما حملهم على هذا الرأي ما قرؤوا في كتب التفسير من أن هذه الحروف أسرار الله أعلم بمراده بها.. ولا يعدم من يريد الحق أن يقرأ في التفاسير أيضا الرأي الذي يجيز ذلك وأدلته..
أما القول بأن هذه الحروف لا يعلم كنهها إلا الله تعالى.. فالمعلوم أن حروف القرآن كلها لا يعلم كنهها إلا الله تعالى.. حتى ورد في الأثر عن محمد بن كعب القرظي: إذا سمع الناس القرآن من الله يوم القيامة فكأنهم لم يسمعوه قط.
وعجبي ممن ينكفي عن تدبر كلام الله الذي أمرنا أن نتدبره.. ويخوض في صفات الله تعالى وقد نهينا عنها، فيقول بمحض هواه ما سكت النبي وصحابته عنه.. يزعم أنه على شيء.. وماهو إلا اتباع الهوى..
وإنما قدمت هذا المقال بيانا لبعض الشباب الذي أخذته الحماسة في الدين جهادا وقتالا وتبديعا وتكفيرا.. ولم تشده نفس الحماسة في الدين تدبرا وعلما.. ولو نظر في أول آية نزلت على النبي لكفته أن يزل في موضع لا يجوز للمسلم الزلل فيه..
وقد بين لنا النبي أن العلم بالتعلم.. فمن لم يحرص أن يتعلم العلم لم يأته العلم إلى حيث هو في دياجير الجهل.. وبين لنا أن نصف العلم السؤال الحسن.. فمن لم يحسن السؤال يوشك أن لا يعلم.. والله تعالى أعلم.
وإنما تأتي الخشية بالعلم.. ولا تأتي بغيره..
وتأتي الشهادة بالعلم.. ولا تأتي بغيره..
وإنما العلم ميراث الأنبياء..
ونصف العلم الفرائض.. وهو أول العلم انتقاضا من أمة النبي محمد .. بهذا حدثنا النبي .. وهذا ما نراه.. حتى يعزف الشاب عن طلب العلم بالحساب ظنا منه أنه علم لا ينفع.. والأغلب أنها حجة يتحجج بها من رام هذه العلوم فلم يجد إليها سبيلا..
أما العلم فهو عمل مسؤول عنه طالبه.. وإنما يأخذ حكم كل عمل يعمله المرء.. حتى إنه يدور مع الأحكام الخمسة.. فيكون واجبا ومستحبا ومباحا ومكروها وحراما..
ألم تعلم أن رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه..
أو لم تعلم أن أول من توقد به النار يوم القيامة ثلاث منهم قارئ للقرآن..
إنما هي أعمالكم توفى إليكم.. إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى..
اللهم إني أعوذ بك من أضل أو أضل.. أو أزل أو أزل.. أو أجهل أو يجهل علي.. امين.

وذكر التستري (أبو محمد سهل بن عبد الله بن يونس التستري) أن ( الۤمۤ ) اسم الله عزَّ وجلَّ فيه معان وصفات يعرفها أهل الفهم به، غير أن لأهل الظاهر فيه معاني كثيرة، فأما هذه الحروف إذا انفردت، فالألف تأليف الله عزَّ وجلَّ ألف الأشياء كما شاء، واللام لطفه القديم، والميم مجده العظيم.
ثم قال: لكل كتاب أنزله الله تعالى سر، وسر القرآن فواتح السور، لأنها أسماء وصفات، مثل قوله: " المص، الر، المر، كهيعص، طسم، حم، عسق " فإذا جمعت هذه الحروف بعضها إلى بعض كانت اسم الله الأعظم، أي إذا أخذ من كل سورة حرف على الولاء، أي على ما أنزلت السورة وما بعدها على النسق: " الر " و " حم " و " نون " معناه الرحمن.
وقد عزى بعض المفسرين من بعد التستري هذا الكلام إلى أبي بكر فقالوا: وقال أبو بكر الصديق : لله في كل كتاب سر وسره في القرآن أوائل السور.. ذكر ذلك الفخر الرازي في التفسير الكبير..
ولا أعلم من الصحيح في ذلك وهل تعزى المقالة إلى أبي بكر أو لا..
فإن نسبتها إلى أبي بكر دون ثبوت رواية هي ما أثار الشبه عند من عزف عن تدبر هذه الحروف..
وقد أورد الرازي، أثرا آخر عن علي : إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي.
وقال: قال بعض العارفين: العلم بمنزلة البحر فأجرى منه وادٍ ثم أجرى من الوادي نهر. ثم أجرى من النهر جدول، ثم أجرى من الجدول ساقية، فلو أجرى إلى الجدول ذلك الوادي لغرقه وأفسده، ولو سال البحر إلى الوادي لأفسده، وهو المراد من قوله تعالى : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا (الرعد: 17) فبحور العلم عند الله تعالى، فأعطي الرسل منها أودية، ثم أعطت الرسل من أوديتهم أنهاراً إلى العلماء، ثم أعطت العلماء إلى العامة جداول صغاراً على قدر طاقتهم، ثم أجرت العامة سواقي إلى أهاليهم بقدر طاقتهم. وعلى هذا ما روي في الخبر «للعلماء سر، وللخلفاء سر. وللأنبياء سر، وللملائكة سر، ولله من بعد ذلك كله سر، فلو اطلع الجهال على سر العلماء لأبادوهم، ولو اطلع العلماء على سر الخلفاء لنابذوهم، ولو اطلع الخلفاء على سر الأنبياء لخالفوهم، ولو اطلع الأنبياء على سرالملائكة لاتهموهم، ولو اطلع الملائكة على سر الله تعالى لطاحوا حائرين، وبادوا بائرين.
وهذا الكلام وإن أورده الرازي في تفسيره إلا أنه ليس بكلام نبي ولا صحابي..
ثم ذكر أن السبب في ذلك أن العقول الضعيفة لا تحتمل الأسرار القوية، كما لا يحتمل نور الشمس أبصار الخفافيش، فلما زيدت الأنبياء في عقولهم قدروا على احتمال أسرار النبوة، ولما زيدت العلماء في عقولهم قدروا على احتمال أسرار ما عجزت العامة عنه، وكذلك علماء الباطن، وهم الحكماء زيد في عقولهم فقدروا على احتمال ما عجزت عنه علماء الظاهر..
وأضاف:
سئل الشعبي عن هذه الحروف فقال: سر الله فلا تطلبوه، وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال: عجزت العلماء عن إدراكها، وقال الحسين بن الفضل: هو من المتشابه.
ولا أفهم اضطراب الرواية عن ابن عباس.. فهو كما ترون الآن يقول: عجزت العلماء عن إدراكها.. وفي مواضع أخرى يقوم ابن عباس بتفسيرها..
وهذا الاضطراب مما يعاب على التفسير أنهم لم يضبطوه.. واستمر تكراره من كتاب إلى كتاب دون الوقوف فيه على الصواب..
ثم قال الرازي :
واعلم أن المتكلمين أنكروا هذا القول هذا القول، وقالوا لا يجوز أن يرد في كتاب الله تعالى ما لا يكون مفهوماً للخلق، واحتجوا عليه بالآيات والأخبار والمعقول.

حجج المتكلمين بالآيات:
أما الآيات فأربعة عشر. أحدها: قوله تعالى: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا.. أمرهم بالتدبر في القرآن، ولو كان غير مفهوم فكيف يأمرهم بالتدبر فيه..
وثانيها: قوله: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱلَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً .. فكيف يأمرهم بالتدبر فيه لمعرفة نفي التناقض والاختلاف مع أنه غير مفهوم للخلق؟
وثالثها: قوله: وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِىّ مُّبِينٍ.. فلو لم يكن مفهوماً بطل كون الرسول منذراً به، وأيضاً قوله: بِلِسَانٍ عَرَبِىّ مُّبِينٍ يدل على أنه نازل بلغة العرب، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يكون مفهوماً.
ورابعها: قوله: لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ .. والاستنباط منه لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه..
وخامسها: قوله تعالى : تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء.. وقوله: مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْء..
وسادسها: قوله: هُدًى لّلنَّاسِ .. هُدًى لّلْمُتَّقِينَ .. وغير المعلوم لا يكون هدى.
وسابعها: قوله: حِكْمَةٌ بَـٰلِغَةٌ.. وقوله: وَشِفَاء لِمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ.. وكل هذه الصفات لا تحصل في غير المعلوم..
وثامنها: قوله: قَدْ جَاءكُمْ مّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ..
وتاسعها: قوله: أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ .. وكيف يكون الكتاب كافياً وكيف يكون ذكرى مع أنه غير مفهوم؟
وعاشرها: قوله تعالى: هَـٰذَا بَلَـٰغٌ لّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ فكيف يكون بلاغاً، وكيف يقع الإنذار به مع أنه غير معلوم؟ وقال في آخر الآية: وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ.. وإنما يكون كذلك لو كان معلوماً..
الحادي عشر: قوله: قَدْ جَاءكُمْ بُرْهَانٌ مّن رَّبّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً.. فكيف يكون برهان ونوراً مبيناً مع أنه غير معلوم؟
الثاني عشر: قوله: فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً.. فكيف يمكن اتباعه والأعراض عنه غير معلوم؟
الثالث عشر: إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ.. فكيف يكون هادياً مع أنه غير معلوم؟
الرابع عشر: قوله تعالى: آمن ٱلرَّسُولُ إلى قوله سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا
(البقرة: 285) والطاعة لا تمكن إلا بعد الفهم فوجب كون القرآن مفهوماً.
ثم ذكر الحجج بالأخبار:
فذكر قوله : " إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنّتي " فكيف يمكن التمسك به وهو غير معلوم؟ وعن علي أنه قال: " عليكم بكتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن اتبع الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، والذكر الحكيم والصراط المستقيم، هو الذي لاتزيغ به الأهواء، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به فلج، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم "..
ثم ذكر الحجج بالمعقول فقال :
أما المعقول فمن وجوه: أحدها: أنه لو ورد شيء لا سبيل إلى العلم به لكانت المخاطبة به تجري مجرى مخاطبة العربي باللغة الزنجية، ولما لم يجز ذاك فكذا هذا وثانيها: أن المقصود من الكلام الإفهام، فلو لم يكن مفهوماً لكانت المخاطبة به عبثاً وسفهاً، وأنه لا يليق بالحكيم وثالثها: أن التحدي وقع بالقرآن وما لا يكون معلوماً لا يجوز وقوع التحدي به، فهذا مجموع كلام المتكلمين، واحتج مخالفوهم بالآية، والخبر، والمعقول.
فلما انتهى من أدلة هذا الفريق بدأ بردود من خالفهم..
احتجاج مخالفي المتكلمين بالآيات:
أما الآية فهو أن المتشابه من القرآن وأنه غير معلوم، لقوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ.. والوقف ههنا واجب لوجوه. أحدها: أن قوله تعال: وَٱلرٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ.. لو كان معطوفاً على قوله: إِلاَّ ٱللَّهُ.. لبقي : يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ.. منقطعاً عنه وأنه غير جائز لأنه وحده لا يفيد، لا يقال أنه حال، لأنا نقول حينئذٍ يرجع إلى كل ما تقدم، فيلزم أن يكون الله تعالى قائلاً : كل من عند ربنا.. وهذا كفر.
وثانيها: أن الراسخين في العلم لو كانوا عالمين بتأويله لما كان لتخصيصهم بالإيمان به وجه، فإنهم لما عرفوه بالدلالة لم يكن الإيمان به إلا كالإيمان بالمحكم، فلا يكون في الإيمان به مزيد مدح وثالثها: أن تأويلها لو كان مما يجب أن يعلم لما كان طلب ذلك التأويل ذماً، لكن قد جعله الله تعالى ذماً حيث قال: فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاء ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاء تَأْوِيلِه ..

احتجاجهم بالخبر:
وأما الخبر فقد روينا في أول هذه المسألة خبراً يدل على قولنا، وروي أنه قال: " إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله، فإذا نطقوا به أنكره أهل الغرة بالله " ولأن القول بأن هذه الفواتح غير معلومة مروي عن أكابر الصحابة فوجب أن يكون حقاً، لقوله " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم "

احتجاجهم بالمعقول:
وأما المعقول فهو أن الأفعال التي كلفنا بها قسمان. منها ما نعرف وجه الحكمة فيها على الجملة بعقولنا: كالصلاة والزكاة والصوم؛ فإن الصلاة تواضع محض وتضرع للخالق، والزكاة سعي في دفع حاجة الفقير، والصوم سعي في كسر الشهوة. ومنها ما لا نعرف وجه الحكمة فيه: كأفعال الحج فإننا لا نعرف بعقولنا وجه الحكمة في رمي الجمرات والسعي بين الصفا والمروة، والرمل، والاضطباع، ثم اتفق المحققون على أنه كما يحسن من الله تعالى أن يأمر عباده بالنوع الأول فكذا يحسن الأمر منه بالنوع الثاني، لأن الطاعة في النوع الأول لا تدل على كمال الانقياد لاحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرف بعقله من وجه المصلحة فيه، أما الطاعة في النوع الثاني فإنه يدل على كمال الانقياد ونهاية التسليم، لأنه لما لم يعرف فيه وجه مصلحة البتة لم يكن إتيانه به إلا لمحض الانقياد والتسليم، فإذا كان الأمر كذلك في الأفعال فلم لا يجوز أيضاً أن يكون الأمر كذلك في الأقوال؟ وهو أن يأمرنا الله تعالى تارة أن نتكلم بما نقف على معناه، وتارة بما لا نقف على معناه، ويكون المقصود من ذلك ظهور الانقياد والتسليم من المأمور للآمر، بل فيه فائدة أخرى، وهي أن الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به سقط وقعه عن القلب، وإذا لم يقف على المقصود مع قطعه بأن المتكلم بذلك أحكم الحاكمين فإنه يبقى قلبه متلفتاً إليه أبداً، ومتفكراً فيه أبداً، ولباب التكليف إشغال السر بذكر الله تعالى والتفكر في كلامه، فلا يبعد أن يعلم الله تعالى أن في بقاء العبد ملتفت الذهن مشتغل الخاطر بذلك أبداً مصلحة عظيمة له، فيتعبده بذلك تحصيلاً لهذه المصلحة، فهذا ملخص كلام الفريقين في هذا الباب.
ثم يقف بنا الرازي مع السؤال التالي :
هل المراد من الفواتح معلوم ؟
القول الثاني: قول من زعم أن المراد من هذه الفواتح معلوم، ثم اختلفوا فيه وذكروا وجوهاً. الأول: أنها أسماء السور، وهو قول أكثر المتكلمين واختيار الخليل وسيبويه وقال القفال: وقد سمت العرب بهذه الحروف أشياء، فسموا بلام والد حارثة بن لام الطائي، وكقولهم للنحاس: صاد، وللنقد عين، وللسحاب غين، وقالوا: جبل قاف، وسموا الحوت نوناً، الثاني: أنها أسماء لله تعالى، روي عن علي أنه كان يقول: «يا كهۤيعص، يا حۤم عۤسق» الثالث: أنها أبعاض أسماء الله تعالى، قال سعيد بن جبير: قوله (آلر، حۤم، نۤ) مجموعها هو اسم الرحمن، ولكنا لا نقدر على كيفية تركيبها في البواقي،
الرابع: أنها أسماء القرآن، وهو قول الكلبي والسدي وقتادة..
الخامس: أن كل واحد منها دال على اسم من أسماء الله تعالى وصفة من صفاته، قال ابن عباس في (آلم): الألف إشارة إلى أنه تعالى أحد، أول، آخر، أزلي، أبدي، واللام إشارة إلى أنه لطيف، والميم إشارة إلى أنه ملك مجيد منان، وقال في: كهيعص إنه ثناء من الله تعالى على نفسه، والكاف يدل على كونه كافياً، والهاء يدل على كونه هادياً، والعين يدل على العالم، والصاد يدل على الصادق وذكر ابن جرير عن ابن عباس أنه حمل الكاف على الكبير والكريم، والياء على أنه يجير، والعين على العزيز والعدل. والفرق بين هذين الوجهين أنه في الأول خصص كل واحد من هذه الحروف باسم معين، وفي الثاني ليس كذلك،
السادس: بعضها يدل على أسماء الذات، وبعضها على أسماء الصفات. قال ابن عباس في ألم أنا الله أعلم، وفي المص أنا الله أفصل، وفي الر أنا الله أرى، وهذا رواية أبي صالح وسعيد بن جبير عنه.
السابع: كل واحد منها يدل على صفات الأفعال، فالألف آلاؤه، واللام لطفه، والميم مجده. قاله محمد بن كعب القرظي. وقال الربيع بن أنس: ما منها حرف إلا في ذكر آلائه ونعمائه.
الثامن: بعضها يدل على أسماء الله تعالى وبعضها يدل على أسماء غير الله، فقال الضحاك: الألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد، أي أنزل الله الكتاب على لسان جبريل إلى محمد ،
التاسع: كل واحد من هذه الحروف يدل على فعل من الأفعال، فالألف معناه ألف الله محمداً فبعثه نبياً، واللام أي لامه الجاحدون، والميم أي ميم الكافرون غيظوا وكبتوا بظهور الحق. وقال بعض الصوفية: الألف معناه أنا، واللام معناه لي، والميم معناه مني،
العاشر: ما قاله المبرد واختاره جمع عظيم من المحققين ـ إن الله تعالى إنما ذكرها احتجاجاً على الكفار، وذلك أن الرسول لما تحداهم أن يأتوا بمثل القرآن، أو بعشر سور، أو بسورة واحدة فعجزوا عنه أنزلت هذه الحروف تنبيهاً على أن القرآن ليس إلا من هذه الحروف، وأنتم قادرون عليها، وعارفون بقوانين الفصاحة، فكان يجب أن تأتوا بمثل هذا القرآن، فلما عجزتم عنه دل ذلك على أنه من عند الله لا من البشر،
الحادي عشر: قال عبد العزيز بن يحيـى: إن الله تعالى إنما ذكرها لأن في التقدير كأنه تعالى قال: اسمعوها مقطعة حتى إذا وردت عليكم مؤلفة كنتم قد عرفتموها قبل ذلك، كما أن الصبيان يتعلمون هذه الحروف أولاً مفردة ثم يتعلمون المركبات،
الثاني عشر: قول ابن روق وقطرب: إن الكفار لما قالوا: لا تسمعوا لهذاالقرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون .. وتواصلوا بالإعراض عنه أراد الله تعالى لما أحب من صلاحهم ونفعهم أن يورد عليهم ما لا يعرفونه ليكون ذلك سبباً لإسكاتهم واستماعهم لما يرد عليهم من القرآن؛ فأنزل الله تعالى عليهم هذه الحروف فكانوا إذا سمعوها قالوا كالمتعجبين: اسمعوا إلى ما يجيء به محمد ، فإذا أصغوا هجم عليهم القرآن فكان ذلك سبباً لاستماعهم وطريقاً إلى انتفاعهم،
الثالث عشر: قول أبي العالية إن كل حرف منها في مدة أقوام، وآجال آخرين، قال ابن عباس : مر أبو ياسر بن أخطب برسول الله ، وهو يتلو سورة البقرة : الم ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ.. ثم أتى أخوه حيـي بن أخطب وكعب بن الأشرف فسألوه عن ألم وقالوا: ننشدك الله الذي لا إله إلا هو أحق أنها أتتك من السماء؟ فقال النبي : " نعم كذلك نزلت " ، فقال حيـى إن كنت صادقاً إني لأَعلم أجل هذه الأمة من السنين، ثم قال كيف ندخل في دين رجل دلت هذه الحروف بحساب الجمل على أن منتهى أجل أمته إحدى وسبعون سنة، فضحك النبي فقال حيـى فهل غير هذا؟ فقال: نعم المص ، فقال حيـي: هذا أكثر من الأول هذا مائة وإحدى وستون سنة، فهل غير هذا، قال: نعم الر ، فقال حيـى هذا أكثر من الأولى والثانية، فنحن نشهد إن كنت صادقاً ما ملكت أمتك إلا مائتين وإحدى وثلاثين سنة، فهل غير هذا؟ فقال: نعم المر ، قال حيـي: فنحن نشهد أنا من الذين لا يؤمنون ولا ندري بأي أقوالك نأخذ. فقال أبو ياسر: أما أنا فاشهد على أن أنبياءنا قد أخبرونا عن ملك هذه الأمة ولم يبينوا أنها كم تكون، فإن كان محمد صادقاً فيما يقول إني لأراه يستجمع له هذا كله فقام اليهود، وقالوا اشتبه علينا أمرك كله، فلا ندري أبالقليل نأخذ أم بالكثير؟ فذلك قوله تعالى: هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ..
الرابع عشر: هذه الحروف تدل على انقطاع كلام واستئناف كلام آخر، قال أحمد بن يحيـى بن ثعلب: إن العرب إذا استأنفت كلاماً فمن شأنهم أن يأتوا بشيء غير الكلام الذي يريدون استئنافه، فيجعلونه تنبيهاً للمخاطبين على قطع الكلام الأول واستئناف الكلام الجديد.
الخامس عشر: روى ابن الجوزي عن ابن عباس أن هذه الحروف ثناء أثنى الله عزّ وجلّ به على نفسه،
السادس عشر: قال الأخفش: إن الله تعالى أقسم بالحروف المعجمة لشرفها وفضلها ولأنها مباني كتبه المنزلة بالألسنة المختلفة، ومباني أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وأصول كلام الأمم، بها يتعارفون ويذكرون الله ويوحدونه ثم إنه تعالى اقتصر على ذكر البعض وإن كان المراد، هو الكل، كما تقول قرأت الحمد، وتريد السورة بالكلية، فكأنه تعالى قال: أقسم بهذه الحروف إن هذا الكتاب هو ذلك الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ،
السابع عشر: أن التكلم بهذه الحروف، وإن كان معتاداً لكل أحد، إلا أن كونها مسماة بهذه الأسماء لا يعرفه إلا من اشتغل بالتعلم والاستفادة، فلما أخبر الرسول عنها من غير سبق تعلم واستفادة كان ذلك إخباراً عن الغيب؛ فلهذا السبب قدم الله تعالى ذكرها ليكون أول ما يسمع من هذه السورة معجزة دالة على صدقه.
الثامن عشر: قال أبو بكر التبريزي: إن الله تعالى علم أن طائفة من هذه الأمة تقول بقدم القرآن فذكر هذه الحروف تنبيهاً على أن كلامه مؤلف من هذه الحروف، فيجب أن لا يكون قديماً.
التاسع عشر: قال القاضي الماوردي: المراد من «ألم» أنه ألم بكم ذلك الكتاب. أي نزل عليكم، والإلمام الزيارة، وإنما قال تعالى ذلك لأن جبريل نزل به نزول الزائر..
العشرون: الألف إشارة إلى ما لا بدّ منه من الاستقامة في أول الأمر، وهو رعاية الشريعة، قال تعالى: إِن ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ .. واللام إشارة إلى الانحناء الحاصل عند المجاهدات، وهو رعاية الطريقة، قال الله تعالى: وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا .. والميم إشارة إلى أن يصير العبد في مقام المحبة، كالدائرة التي يكون نهايتها عين بدايتها وبدايتها عين نهايتها، وذلك إنما يكون بالفناء في الله تعالى بالكلية، وهو مقام الحقيقة، قال تعالى: قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ..
الحادي والعشرون: الألف من أقصى الحلق، وهو أول مخارج الحروف، واللام من طرف اللسان، وهو وسط المخارج، والميم من الشفة، وهو آخر المخارج، فهذه إشارة إلى أنه لا بدّ وأن يكون أول ذكر العبد ووسطه وآخره ليس إلا الله تعالى، على ما قال: فَفِرُّواْ إِلَى ٱللَّهِ .
قال التستري : قال ابن عباس والضحاك: " الم " معناه: أنا الله أعلم. وقال علي : هذه أسماء مقطعة، إذا أخذ من كل حرف حرف لا يشبه صاحبه فجمعن كان اسماً من أسماء الرحمن إذا عرفوه ودعوا به كان الاسم الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب. وقال سهل: الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ.. الألف الله، واللام العبد، والميم محمد كي يتصل العبد بمولاه من مكان توحيده واقتدائه بنبيه. وقال سهل: بلغني عن ابن عباس أنه قال: أقسم الله تعالى أن هذا الكتاب الذي أنزل على محمد هو الكتاب الذي هو من عند الله تعالى فقال: الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ الألف الله، واللام جبريل ، والميم محمد ، فأقسم الله تعالى بنفسه وجبريل ومحمد .

وذكر ابن أبي زمنين، قوله عز ذكره الۤـمۤ قال يحيى كان الحسن يقول ما أدري ما تفسير الۤـمۤ و الر... وأشباه ذلك من حروف المعجم غير أن قوما ل من المسلمين كانوا يقولون أسماء السور وفواتحها.
قال محمد وذكر ابن سلام في تفسير الۤـمۤ وغير ذلك من حروف المعجم التي في أوائل السور تفاسير غير متفقة في معانيها وهذا الذي ذكره يحيى عن الحسن والله أعلم وقد سمعت بعض من أقتدي به من مشايخنا يقول إن الإمساك عن تفسيرها أفضل.

وذكر السجستاني في نزهة القلوب، أن (الۤـمۤ ) وسائر حروف الهجاء في أوائل السور، كان بعض المفسرين يجعلها أسماء للسور: تعرف كل سورة بما افتتحت به؛ وبعضهم يجعلها أقساما أقسم الله تعالى به الشرفها وفضلها؛ ولانها مبادئ كتبه المنزلة ومباني أسمائه الحسنى وصفاته العليا. وبعضهم يجعلها حروفا مأخوذة من صفاته كقول ابن عباس في كهيعص: إن الكاف من كاف والهاء من هاد والياء من حكيم والعين من عليم والصاد من صادق.

وذكر الصنعاني، عن قتادة في قوله تعالى: الۤـمۤ [الآية: 1]، قال: " اسم من أسماء القرآن "

وذكر الماتريدي ( الۤـمۤ)، فقال :
قيل: فيه وجوهٌ:
روي عن ابن عباس - - قال: قوله: الۤـمۤ أنا الله أعلم.
وقيل: إنه قسم أقسم بها.
وقيل: إن هذه الحروف المعجمة مفتاح السورة.
وقيل: إن كل حرف من هذه الحروف كناية اسم من أسماءِ الله: الأَلف الله، واللام لطفه، والميم ملكه.
وقيل: إن اللام آلاؤه، والميم مجدهُ.
وقيل: إن الأَلف هو الله، واللام جبريل، والميم محمد.
وقيل: إنها من التشبيب؛ ليفصل بين المنظوم من الكلام، والمنثور من نحو الشعر ونحوه.
وقيل: إن تفسير هذه الحروف المقطعة ما أَلحق ذكرها بها على أَثرها نحو قوله: الۤـمۤ * ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ [أول سورة البقرة]، ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ هو تفسير الۤـمۤ ، و الۤمۤ * ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ [أول سورة آل عمران]، الۤمۤصۤ * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ [أول سورة الأعراف]، و الۤر كِتَابٌ [أول سورة هود، وإبراهيم]، و الۤـمۤ * تِلْكَ آيَاتُ [أول سورة لقمان] كلُّ ملحقٍ بها فهو تفسيرُها.
وقيل: إن فيها بيان غاية ملك هذه الأُمة من حساب الجُمَّل، ولكنهم عدوا بعضها وتركوا البعض.
وقيل: إنه من المتشابه الذي لم يطلع الله خلقه علم ذلك، ولله أن يمتحن عباده بما شاءَ من المحن.
وقيل: إنهم كانوا لا يستمعون لهذا القرآن؛ كقولهم:
لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ، فصلت: 26، وكقوله:
وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً، الأنفال: 35، فأنزل الله هذه الحروف المعجمة ليستمعوا إليها فيلزمهم الحجة.
والأصل في الحروف المقطعة: أنه يجوز أن تكون على القَسَم بها على ما ذكرنا.

وأريد بالقدْر الذي ذكر كليةُ الحروف بما كان من شأْن العرب القسمُ بالذي جلَّ قدْرُه، وعظم خطره. وهي مما بها قوام الدارين، وبها يتصل إلى المنافع أَجمع. مع ما دّلت على نعمتين عظيمتين - اللسان والسمع - وهما مجرى كل أنواع الحكمة، فأَقسم بها على معنى إضمار ربّها، أَو على ما أَجلّ قدرها في أعين الخلق، فيقسم بها، ولله ذلك، ولا قوة إلا بالله.
ويحتمل: أَن يكون بمعنى الرمز والتضمين في كل حرف منها أمراً جليلاً يعظم خطره على ما عند الناس في أَمر حساب الجُمل. ثم يُخرَّج على الرمز بِها عن أَسماءِ الله وصفاته ونعمه على خلقه، أَو على بيانِ منتهى هذه الأُمة، أَو عددِ أَئمتها، وملوكها، والبقاع التي ينتهي أمرها، وذلك هو في نهاية الإيجاز، بل بالاكتفاءِ بالرمز عن الكلام، وبما هو بمعنى من الإشارة في الاكتفاءِ بها عن البسط، ولا قوة إلا بالله؛ ليُعلم الخلائقَ قدرة الله، وأَنَّ له أَنْ يضمن ما شاء فيما شاءَ على ما عليه أَمرُ الخلائق من لطيف الأَشياءِ التي كادت العقولُ وأَسباب الإدراك تقصر عنها، وكنهِها التي يدركها كل أَحد، وبين الأَمرين، فعلى ذلك أَمر تركيب الكلام، ولا قوة إلا بالله.
ويجوز أن يكون بمعنى اسم السور، ولله تسميتها بما شاءَ كما سمى كتبه، وعلى ذلك منتهى أَسماءِ الأَجناس خمسة أحرف، وكذلك أمر السور، دليل ذلك وصْلُ كل سورة فتحت بها إليها، كأَنه بنى بها. ولا قوة إلا بالله.
ويجوز أن يكون على التشبيب، على ما ذكرنا للتفصيل بين المنظوم من الكلام والمنثور في المتعارف أن المنظوم في الشاهد يشبب فيخرج عن المقصود بذلك الكلام، فعلى ذلك أمر الكلام المنزل.
أَلا ترى أَنه خرج على ما عليه فنون الكلام في الشاهد إلا أَنه على وجه ينقطع له المثال من كلامهم، فمثله أَمر التشبيب. ولا قوة إلا بالله.
وجائِز: أن يكون الله أَنزلها على ما أَراد؛ ليمتحن عبادَه بالوقف فيها، وتسليم المراد في حقيقة معناه والذي له يزول ذلك، ويعترف أَنه من المتشابه، وفيها جاءَ تعلق الملحدة، ولا قوة إلا بالله.
ويحتمل: أَن يكون إذ علم الله من تعنت قوم وإعراضهم عنه وقولهم:
لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ فصلت: 26] أَنزل على وجه يبعثهم على التأَمل في ذلك بما جاءَ بالعجيب الذي لم يكونوا يعرفون ذلك: إما لما عندهم أَنه كأَحدهم، أو لسبيل الطعن؛ إذ خرج عن المعهود عندهم، فتلا عليهم ما يضطرهم إلى العلم بالنزول من عند من يملك تدبير الأشياءِ؛ ولذلك اعترضوا لهذه الأَحرف بالتأَمل فيها من بين الجميع. ولا قوة إلا بالله.

وقال الطبراني في قوله تعالى : الۤمۤ ؛ اختلَفُوا في تفسيرِ الۤمۤ وسائرِ حروف التهجِّي، ورويَ عن عمرَ وعثمانَ وابنِ مسعودٍ: (أنَّ الْحُرُوفَ الْمُقَطَّعَةَ مِنْ الْمَكْتُومِ الَّذِي لاَ يُفَسَّرُ). ووافقَهم في ذلك الشعبيُّ؛ وقال: (إنَّ للهِ تَعَالَى سِرّاً فِي كُتُبهِ؛ وَإنَّ سِرَّهُ فِي الْقُرْآنِ الْحُرُوفُ الْمُقَطَّعَةُ) وقال بعضُهم: إنَّها من المتشابهاتِ التي استأثرَ اللهُ بعلمِها فنحن نؤمنُ بتنْزيلها ونَكِلُ إلى الله تأويلَها. وقال عليٌّ : (لِكُلِّ شَيْءٍ صَفْوَةٌ؛ وَصَفْوَةُ هَذَا الْكِتَاب حُرُوفُ التَّهَجِّي.
وعنِ ابنِ عباس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: (أنَّ مَعْنَى الۤمۤ : أنَا اللهُ أعْلَمُ وَأرَى، و الۤمۤصۤ : أنَا اللهُ أعْلَمُ وأَفْصِلُ، و كۤهيعۤصۤ : الْكَافُ مِنْ كَافٍ، وَالْهَاءُ مِنْ هَادٍ، وَالْيَاءُ مِنْ حَكِيْمٍ، وَالْعَيْنُ مِنْ عَلِيْمٍ، وَالصَّادُ مِنْ صَادِقٍ). ويقالُ: الألفُ: مفتاحُ اسمهِ الله؛ واللام: لطيفٌ، والميم: مجيدٌ، ومعناه اللطيفُ المجيدُ أنزلَ الكتابَ. ويقال: الألف: اللهُ، واللام: جبريلُ، والميم: مُحَمَّدٌ، معناهُ: اللهُ أنزلَ جبريلَ على محمدٍ بهذا القرآنِ. وقيل: هذا قسمٌ أقسمَ الله به أنَّ هذا الكتابَ الذي أُنزل على مُحَمَّدٍ هو الكتابُ الذي عندَ الله، وجوابهُ:
لاَ رَيْبَ فِيهِ البقرة: 2].
وقال محمَّدُ بن كعبٍ: (الأَلِفُ آلاَءُ اللهِ، وَاللاَّمُ لُطْفُهُ، وَالْمِيْمُ مُلْكُهُ). وقال أهلُ الإشارة: الأَلِفُ أنَا، واللاَّم لِي، وَالْمِيْمُ مِنِّي.
فَصْلٌ: وهذه الحروفُ موقوفةٌ؛ لأنَّها حرفُ هجاء، وحروف الهجاءِ لا تُعْرَبُ كالعدد في قوله: واحد اثنان. ولِغَايَةٍ أدخَلُوا الواوَ وحرَّكوهُ؛ لأنه صارَ في حدِّ الأسماء، فيقالُ: ألفٌ ولام كالعددِ. وكذلك قال الأخفشُ: (هِيَ سَاكِنَةٌ لاَ تُعْرَبُ..
وقولهُ: الۤمۤ رُفع بالابتداء؛ و ذَلِكَ خبرهُ؛ و ٱلْكِتَابُ صلةٌ لذلك. ويحتمل أن يكونَ (الۤمۤ) خبراً مقدَّماً تقديرهُ: ذلكَ الكتابُ الذي وعدتُ أن أوحيَهُ إليك الۤمۤ . ومن أبطلَ مَحَلَّ الحروف جعل ذَلِكَ ابتداء و ٱلْكِتَابُ خبره.

يغفر الله لي ولكم
عمارة سعد شندول