إتحاف الألمعي بفوائد حديث أبي مالك الأشعري
عَنْ أَبِي مَالِكٍ - كعب بن عاصم ، أو الحارث بن الحارث - الْأَشْعَرِيِّ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ - أَوْ تَمْلَأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ ؛ كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو ، فَبَايِعٌ نَفْسَهُ ، فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا " رواه أحمد ومسلم .
هذا حديث جم الفوائد عظيم العوائد ، وهو من الأحاديث التي تهز النفس ؛ ففيه ما يرقق القلب ، ويحمل على الطاعة ؛ وقال النووي – : هَذَا حَدِيث عَظِيم أَصْل مِنْ أُصُول الْإِسْلَام ، قَدْ اِشْتَمَلَ عَلَى مُهِمَّات مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام ( [1] ) .
فَأَمَّا الطُّهُور فبضم الطاء والْمُرَاد بِهِ الْفِعْل ؛ وَأَصْل الشَّطْر النِّصْف ؛ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْله e : " الطُّهُورُ شَطْر الْإِيمَان " ، والذي عليه الأكثرون أنَّ المراد بالطهور هاهنا : التَّطهُّر بالماء من الأحداث ، وكذلك بدأ مسلمٌ بتخريجه في أبواب الوضوء ؛ واختُلِف في معنى كونه شطرَ الإيمان ؛ ولعل الأقرب ما قاله ابن رجب - - في ( جامع العلوم والحكم ) : إنَّ خصالَ الإيمان من الأعمال والأقوال كُلّها تُطَهِّرُ القلبَ وتُزكيه ، وأما الطهارةُ بالماء ، فهي تختصُّ بتطهير الجسدِ وتنظيفه ، فصارت خصالُ الإيمان قسمين : أحدُهما يُطهِّرُ الظاهر ، والآخر يُطهِّرُ الباطن ، فهما نصفان بهذا الاعتبار ، والله أعلم بمراد رسوله e .
وَأَمَّا قَوْله e : " وَالْحَمْد لِلَّهِ تَمْلَأ الْمِيزَان " فَمَعْنَاهُ : لعِظَمِ أَجْرِهَا تَمْلَأ مِيزَان الحامد لله Y ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ نُصُوصُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَى وَزْن الْأَعْمَال وَثِقَل الْمَوَازِين وَخِفَّتهَا .
وَأَمَّا قَوْله e : " وَسُبْحَان اللَّه وَالْحَمْد اللَّه ، تَمْلَآنِ - أَوْ تَمْلَأ - مَا بَيْن السَّمَاوَات وَالْأَرْض " فَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال : لَوْ قُدِّرَ ثَوَابهمَا جِسْمًا لَمَلَأ مَا بَيْن السَّمَاوَات وَالْأَرْض ، بِسَبَب عِظَمِ فَضْلِهِمَا ، لِمَا اِشْتَمَلَتَا عَلَيْهِ مِنْ التَّنْزِيه لِلَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ : " سُبْحَان اللَّهِ " ، والثناء على الله مع المحبة والتعظيم وَالتَّفْوِيض وَالِافْتِقَار بِقَوْلِهِ : " الْحَمْد لِلَّهِ " وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله e : " وَالصَّلَاة نُور " فَمَعْنَاهُ : أَنَّهَا تَمْنَع مِنْ الْمَعَاصِي ، وَتَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر ، وَتَهْدِي إِلَى الصَّوَاب ، كَمَا أَنَّ النُّور يُسْتَضَاء بِهِ ؛ فالصَّلاةُ نورٌ مطلق ، فهي للمؤمنين في الدُّنيا نورٌ في قلوبهم وبصائرهم ، تُشرِق بها قلوبُهم ، وتستنير بصائرُهم ولهذا كانت قرَّة عين المتقين ، كما كان النَّبيُّ e يقول : " وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ " ( [2] ) ؛ وهي في الآخرة نورٌ للمؤمنين في ظلمات القيامة ، وعلى الصراط ، فإنَّ الأنوارَ تُقسم لهم على حسب أعمالهم ؛ وروى أحمد وابن حبان عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو – - عَنْ النَّبِيِّ e أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا فَقَالَ : " مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلَا بُرْهَانٌ وَلَا نَجَاةٌ ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ " ( [3] ) . ، كَمَا يَكُون فِي الدُّنْيَا أَيْضًا عَلَى وَجْهه الْبَهَاء بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ ، وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله e : " وَالصَّدَقَة بُرْهَان " فمَعْنَاهُ أن الصَّدَقَة دَلِيلٌ عَلَى إِيمَان فَاعِلهَا ، فَإِنَّ الْمُنَافِق يَمْتَنِع مِنْهَا لِكَوْنِهِ لَا يَعْتَقِدهَا ، فَمَنْ تَصَدَّقَ اُسْتُدِلَّ بِصَدَقَتِهِ عَلَى صِدْقِ إِيمَانه ؛ وسبب هذا أنَّ المالَ تحبُّه النُّفوسُ ، وتبخَلُ به ، فإذا سمحت بإخراجه لله U دلَّ ذلك على صحَّة إيمانها بالله ووعده ووعيده .
وَأَمَّا قَوْله e : " وَالصَّبْر ضِيَاء " أي : نور قوي تنكشف به الكربات وتنزاح به غياهب الظلمات ، فمن صبر على ما أصابه من مكروه علمًا بأنه من قضاء الله وقدره ، هان عليه ذلك ، وكفى عنه شره ، وادخر له أجره ؛ والصابر يقوى على مخالفة الشيطان والنفس فيفوز في الدارين ؛ وَالْمُرَاد أَنَّ الصَّبْر مَحْمُود لَا يَزَال صَاحِبه مُسْتَضِيئًا مُهْتَدِيًا مُسْتَمِرًّا عَلَى الصَّوَاب .
وَأَمَّا قَوْله e : " وَالْقُرْآن حُجَّة لَك أَوْ عَلَيْك " فَمَعْنَاهُ ظَاهِر ، أَيْ : تَنْتَفِع بِهِ إِنْ تَلَوْته وَعَمِلْت بِهِ ؛ وَإِلَّا فَهُوَ حُجَّة عَلَيْك .
وَأَمَّا قَوْله e : " كُلّ النَّاس يَغْدُو فَبَائِع نَفْسه فَمُعْتِقهَا أَوْ مُوبِقهَا " فَمَعْنَاهُ كُلُّ إِنْسَان يَسْعَى بِنَفْسِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَبِيعهَا لِلَّهِ تَعَالَى بِطَاعَتِهِ فَيُعْتِقهَا مِنْ الْعَذَاب ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ يَبِيعهَا لِلشَّيْطَانِ وَالْهَوَى بِاتِّبَاعِهِمَا فَيُوبِقهَا ، أَيْ : يُهْلِكهَا .
والعلم عند الله تعالى .


[1] - انظر شرح مسلم : 3 / 100 .

[2] - أحمد : 3 / 128 ، 199 ، 285 ، والنسائي ( 3939 ، 3940 ) ، وأبو يعلى ( 3482 ، 3530 ) ، عن أنس ، وإسناده حسن ؛ وصححه الحاكم على شرط مسلم : 2 / 160 ، ووافقه الذهبي .

[3] - أحمد : 2 / 169 ، والدارمي ( 2721 ) ، وابن حبان ( 1467 ) .