الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله
وآله وصحابته وكافة المرسلين وعباده الصالحين

قال تعالى ( فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الروم ، 50) ، فمن هذه الآية يتضح أنه لا آثار دون صفة ، ولا صفة دون ذات ، والذات موجودة ونطق الوحي بالصفات ، ودل الشرع على فرق بين الصفات وآثار الصفات لذا وجب التمييز بين الصفات وبين آثار الصفات فالله تعالى وصف نفسه أنه سبحانه الرحمن الرحيم ووصف نفسه أنه سبحانه أرحم الراحمين وأن مظاهر رحمته غمرت مخلوقاته وسائر الكائنات في خلقه .
فالرحمة صفة تليق بجلال وجمال الله وهي صفة كمال لائقة بذاته كسائر صفاته العلى
والعبد كلما كان أقرب الى الله تعالى كانت رحمة الله به أولى ، وآثارها قوله تعالى ( ان الله بالناس لرؤوف رحيم) الآية ، أي أن الله تعالى بجميع عباده ذو رأفة ورحمة ، والرأفة أعلى
معاني الرحمة ومعناها يدل أن لا نهاية في رحمة الله ، والرؤوف الرحيم أي العاطف برأفته على عباده والرأفة أخص والرحمة أعم ، فمن صفاته تعالى الرأفة والرحمة ،وقد يعتقد المتأمل لهاتين الصفتين أنهما واحد لكن في الحقيقة غير ذلك فهما صفتان مختلفتان فالرأفة تزيل الآلام والرحمة تزيد الانعام والتنعم وآثار رحمة الله تعالى عمت مخلوقاته وهو الذي وسع كل شيء رحمة وعلما وكلما تأملنا وتدبرنا كتاب الله الا ولاحت لنا فيوضات هذه الرحمة والتي تتجلى آثارها وبراهينها في مشيئة فعله كقوله تعالى :

(قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء )

فقوله تعالى : عذابي أصيب به من أشاء متعلقة بالارادة ، والارادة لا تتعلق بالقديم
لأن العذاب من صفات الفعل فعلقه بالمشيئة ( من أشاء) وهذا يعني أنه معلق بمشيئة الله
وفيه اشارة أن أفعاله غير معللة بأكساب الخلق ، ولم يقل سبحانه عذابي أصيب به العصاة
بل قال سبحانه : (من أشاء ) ، وفي ذلك اشارة الى جواز الغفران لمن أراد ، فأحكامه سبحانه
ليست معللة بأكساب الخلق ، وعندما انتهى الى الرحمة قال
( ورحمتي وسعت كل شيء ) لم يعلق رحمته بالمشيئة لأنها من صفات الذات

فالرحمة اذن اجلال وانعام من صفات الحق، والحق هو أن كل ما فرضه الله على عبده
هو ما أوجبه الله على نفسه ، والرحمة قديمة وعندما أقول قديمة فهي تعني الكثير ونجد
في الحديث النبوي الشريف (قبل أن يخلق الله تعالى الخلق كتب في كتاب عنده فوق العرش ان رحمتي سبقت غضبي) وفي رواية (غلبت غضبي)
والله تعالى هو الحق بقول الله سبحانه ( ذلك بأن الله هو الحق ) الآية
أي الواجب لذاته، الثابت في نفسه، الواحد في صفاته وأفعاله، فإن وجوب وجوده ووحدته يقتضيان كونه مُبديًا بحكمته لكل ما يوجد من الموجودات وهنا يعلم أنه وسع كل شيء رحمة وعلما ، عالمًا بكل المعلومات ، وإذا ثبت أنه الحق فدينُه حق، وعبادته حق، ( وأن ما تدعون من دونه ) إلهًا ( هو الباطل ) أي: المعدوم في حد ذاته، أو الباطل ألوهيته، ( وأن الله هو العليُّ الكبيرُ ) أي : المتعالي عن مدارك العقول، وعن سمات الحدوث، أو المرتفع على كل شيء بقهريته، أو المتعالي عن الأنداد والأشباه، الكبير شأنًا وعظمةً وكبرياء ، الجامع لكل صفات الجلال والاكرام، إذ كل شيء يصغر دون كبريائه، فلا شيء أعلى منه شأنًا وأكبر سلطانًا؛ لأنه هو المحيط وله الوجود المطلق.
فقوله تعالى ( ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ) فيجب أن نعلمها علما يقينا واليقين هو العلم الذي لا يتحول ولا يتغير في القلب ، فنعلم يقينا أنه اذا كان الله تعالى هو الحق فلا نرجع منه إلى غيره لأن ما سواه باطل وآثار هذه الرحمة كفيلة أن تعمق معرفتنا لقدر الرحمن الرحيم الذي يغمرنا برحمته ولقد ضرب لنا من كل مثل ايحاءا للقلب فيغمره سكينة وطمأنينة وينزع منه الشك والخوف فلا يلبث نور اليقين يغشاه فيجد الأمان لأن الله تعالى هو مفيض شموس العرفان واليقين على قلوب عباده برحمته .