اعجاز الاحاطة الكلية للقرآن بحقائق الوجود
نايف عبوش
بمجرد ان تقع عين القاريء الحصيف المتدبر للقران على هذه الاية (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (89) [سورة النحل 16/89]،يلاحظ ان القران الكريم قد احاط بشكل مطلق بكل الحقائق في الوجود، المحسوسة منها، والغيبية،السالفة بالتحقق منها،والحاضرة التحقق،والآتية منها،الامر الذي يتطلب من الانسان ان يحرص على تدبرالقران بوعي تام ، ويتأمل ما فيه من الآيات بعمق، باستحضار عقل رشيد مفتوح النوافذ على افاق فضاء هذه الاحاطة القرآنية المدهشة،متناغما في هذا الصدد مع قاعدة ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ؟ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (24) [سورة محمد 47/24]،لكي لا تغيب موضوعية هذه الدلالة المدهشة عن البال،وبالتالي فأنه ينبغي ان يتجسد التدبر في القرآن بالتأمل حقا بمعانيه،واعمال الفكر فيه بعمق، وذلك بحضور الجوارح، والرغبة الصادقة في فهم نصوصه بمعيار( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) (37) [سورة ق 50/37]،الامر الذي يتطلب استشعار عظمة الله بتلاوته كأنه يكلم بهذا القرآن من يتلوه،حتى يتحقق عنده الاحساس المؤمن كأنه عليه نزل،وذلك بقصد التمكن من الابحار بوعي في فضاء احاطة القران الكلية بحقائق هذا الوجود،والنجاح في تلمس ما يمكن تلمسه منها.
على ان من المفيد عند محاولة فهم معاني القرآن بجانب منهجية التدبر، الرجوع إلى المشهور من كتب التفاسير التي تهتم ببيان المعنى بقصد الاقتراب المتجسد من مراد النص على مقاصده،وبعكسه فان القراءة المشوشة،لا تحقق لصاحبها الغرض المنشود،حيث ستكون كحاطب ليل. ولعل ما ورد في الاثر بهذا الصدد من انه (سيرث القرآن بعدنا قوم يشربونه شرب الماء،لا يجاوز تراقيهم)،يؤشر حقيقة هكذا حال،ويرسم صورة حية لواقع الكثير من القراءات المعاصرة غير المتدبرة،او المفتئتة، التي لا تزيد صاحبها الا ضلالا عن السبيل القويم المستهدف من وراء منهجية التدبر.
ولعل الوقوف على الحقائق المكتشفة التي اثبتتها الأبحاث العلمية المعاصرة ايضا، والتي تعتمد على التجارب الحسية،تزيد اليقين،بإعجاز الاحاطة القراني،وتقطع بدقة الية التوافق السلسة، التي تحكم العلاقة بين تلك الحقائق الكونية،مصداقا للقانون الالهي الضابط لهذه الاحاطة المطلقة التي تأبى العفوية التي لا تتجلى تداعياتها الا بالفوضى والتخبط،الامر الذي يرسخ الايمان المطلق بالارادة المركزية الحرة للخالق،والقصدية الهادفة، والدراية المطلقة بهذه الاحاطة المعجزة، التي تتجلى بوضوح للإنسان بالبحث، والتدبر يوما بعد اخر مصداقا لمعيارية (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (53) [سورة فصلت 41/53]، حيث لم يحصل ابدا ان تقاطعت حقيقة مكتشفة بعدما تبينت لمتدبر القران، الباحث في الافاق، مع حقائق احاطة القران الكلية بتفاصيل الوجود حتى الان.وبذلك يتحقق حصول اليقين التام في القلب بهذه الحقيقة على قاعدة(هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ) [سورة الجاثية 20]،وهذا ما يؤكد بالملموس العملي، ان هذا القرآن يهدي المؤمنين الذين يفهمون مراد الله على حقيقة مقصوده،إلى العلم اليقيني الصحيح بالهية مصدريته،ويدفع عنهم الشك والريب الذي يساور معطلي حركة العقل السوي، من ممارسة وظيفته الكبرى في تبين الحق، وكشفه في ثنايا احاطة القران الكلية من خلال البحث العلمي، والتدبر العقلي،حيث تترسخ باعجاز الاحاطة القراني المدهش،حقيقة الهية القران على وجه القطع المطلق،من دون حاجة للدخول في هرطقات لا طائل من ورائها،وبذلك يزداد الذين امنوا ايمانا فوق ايمانهم.