علم أصول الفقه من أجل العلوم وأشرفها قدراً، وهو كما يسميه العلماء " علم آلة " أي أنه يستخدم للمساعدة في دراسة الفقه واستنباط الأحكام، فهو يقدم القواعد للتعامل مع نصوص الكتاب والسنة والأدلة الشرعية وغير ذلك، واستمر علم الأصول على تنوع أطوار نشأته بداية من التقعيدات الصافية التي وضعها الإمام الشافعي في الرسالة مروراً بدخول المنطق والجدل فيه ثم محاولات تصفيته على يد ابن قدامة في روضة الناظر وغيره لكنه بقي في النهاية علم آلة منتج.
ولهذا كان المشتغلون بالفقه قديماً يحرصون على دراسته وتعلمه، لأن أي عامل في أي مجال لا يستطيع أن يعمل بدون آلاته وهذه آلات الفقيه، ولا تكاد تجد واحداً من المشتغلين بهذا الفن إلا وهو يوصف بأنه أصولي فقيه، نعم قد برز بعضهم في الفقه وبعضهم في الأصول لكنه في النهاية يجمع بين العلمين.
كان هذا قديماً !
أما في هذا الزمان فقد تحول علم أصول الفقه عند كثير من المشتغلين به إلى غاية وليس آلة، فهو يحفظ العلم بتعريفاته وتقسيماته وفروقه وخلافياته، فإن طلبت تطبيقاً فقهياً لا تجد غير المثال الذي دُرِّس له في كتاب الأصول !
في المقابل وجدنا عدداً من المشتغلين بالفقه يأتي بالطوام لأنه لا يجيد التعامل مع نصوص الوحيين ومع اختلاف الفقهاء لجهله بأقل قواعد الأصول !
أما من يجمع بين الفنيين ( الأصول والفقه ) ويحقق ويوازن ويرجح بناءاً على فهم فقهي وتقعيد أصولي فهذا قليل وإن شئت أن تقول نادر !
يرجع جزء من ذلك إلى ضعف الهمم، فكثير من طلاب العلم قد قعدت بهم الهمم أن يجمعوا بين العلمين فآثر التخصص في جانب واحد وأهمل الثاني رغم اتصالهما الشديد، وحاجة كل علم منهما إلى صاحبه.
لكن يرجع السبب الأكبر في هذه الإشكالية إلى أن عندنا ضعفاً في التصور لكيفية " صناعة الأصولي الفقيه ".
والصناعة تقوم على ثلاث دعائم :
1-الموهبة أو الملكة والاكتساب والتحصيل .
2-الإنتاج منه التأليف والتدريس وكل ما يدل على الإنتاج إذن هي من مقومات الصناعة والصنعة الملكة والتحصيل والإنتاج فمن حصلها فممكن أن يقال أنه صاحب صنعة وقالوا لا تقوى الصنعة إلا بالطبع ولا يتمكن الطبع إلا بالصنعة فكلاهما تبع للأخر ومتعلق به .
3-الطبع :لا تقوى الصنعة إلا بالطبع ولا تقوى الطبع إلا بالصنعة وهي الخبرة والكسب ([1]).
اما الملكة فهي صفة راسخة في النفس وتحقيقها أن يحصل للنفس هيئة بسبب فعل من الأفعال ويقال لتلك الهيئة كيفية نفسانية وتسمي حالة ما دامت سريعة الزوال فإذا تكررت ومارست النفس لها حتى ترسخ تلك النفس فيها وصارت باطئة الزوال فتصير ملكة وبالقياس بالفعل عادة وخلقاً فالفعل لا يكون عادة إلا بالتكرار والممارسة والاعتياد وعليه فتكون الملكة الفقهية صفة راسخة في النفس تحقق الفهم للنص الشرعي ودلالاته ومقاصده فيتمكن من إعطاء الحكم الشرعي للقضية المطروحة إما برده إلى أدلة الفقه أو استنباطه للأدلة الشرعية والقواعد الكلية .
أما عن كيفية تأهيل الأصولي الفقيه فهناك خلاف مشهور تجده في أول كتب الأصول وهو : هل يبدأ الطالب بدراسة الفقه أم بدراسة الأصول ؟
كذلك عندنا في الأصول مدرستان مشهورتان مدرسة المتكلمين التي تقعد القواعد ولو خالفت المذهب، ومدرسة الأحناف التي تغير القاعدة إذا خالفت المذهب.
أعتقد أن صناعة الأصولي الفقيه تحتاج إلى ترجيح القول بالبدء بدراسة علم الأصول ثم دراسة الفقه دراسة أصولية ومناقشة الأقوال والترجيح ليس بطريقة الحفظ المنتشرة الآن في كتب الفقه ولكن بناءاً على القواعد التي درسها الطالب في علم الأصول.
كذلك أعتقد أن صناعة الأصولي الفقيه اليوم تحتاج إلى الاستفادة من مذهب المتكلمين في تعليم أصول الفقه من حيث تربية الأصولي على دراسة القواعد الأصولية ومناقشتها والتطبيق عليها عملياً بغض النظر عن المذهب أو قائله.
وقد عد العلامة الشيخ صالح آل الشيخ ضوابط للتأهيل الفقهي يحسن ذكر بعضها:
1- أن يكون متمكناً من ملكته الفقهية ومعرفة الكتاب والسنة واللغة وفقهها وبلاغتها والنسخ والأصول والمصالح إلى أخره.
2- أن يبدأ في البحث بأن يبذل ما في وسعه للبحث عن الحكم الشرعي وذلك بتتبع طرق الاستنباط المعروفة السعي في ذلك على سنن النظر المعهودة وقد يلجأ إلى القياس وقد يجده منصوصاً إلى أخره وأن يذكر الحكم بدليله كما قيل إذا سئل المستفتي عن شي وكانت حاجته تدعو له فليدله فيسد عليه الباب.
3- لا ينبغي الاشتغال في المسائل التي يستبعد وقوعها ولهذا قال ابن عباس : ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم ما سئلوا إلا عن ثلاثة عشر مسالة إلا كانوا في القرآن.
4- التثبت والتحلي واستشارة أهل الاختصاص، وهنا روى قول النبي صلي الله عليه وسلم"من أفتي بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على ما أفتاه" فلا بد من التثبت وخاصة في النوازل المعاصرة .
5- مراعاة السياسة الشرعية ومراعاة أحوال المكلفين عن التطبيق ومراعاة المتغيرات والبعد عن منهج التضييق والتشديد والبعد عن منهج التسهيل والترفيق.
وقبل ذلك كله لا بد من الالتجاء إلى الله وسؤاله الإعانة والتوفيق، قال الملائكة "سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم"، وموسى قال "رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي اشدد به أزرى وأشركه في أمري كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيرا" قال قد أوتيت سؤلك يا موسى" ([2]).
هذه مجرد خاطرة عن " صناعة الأصولي الفقيه " تحتاج إلى إعادة نظر من المتخصصين في هذا الباب ووضع خطة عملية مكتملة الأركان لصناعة الأصولي الفقيه.

[1] من محاضرة "صناعة الفقيه" للشيخ صالح آل الشيخ.

[2] محاضرة صناعة الفقيه.