بسم الله الرحمن الرحيم
مناقشة التوظيف التنويري لقول أبي حنيفة بقتل المسلم بالذمي
التعاقد والتحالف أساس كل مجتمع من المجتمعات ، إذ لا يمكن لبني آدم أن يعيشوا بدون اتفاق على ما يشتركون فيه من جلب المنافع والمحبوبات ودفع المضار والمكروهات ، ولازم ذلك وجود الموالي والمعادي لكل طائفة تعاقدت على مشترك من المشتركات ، فالموالي هو من يشاركهم في ما تعاقدوا عليه واتفقوا ، والمعادي هو من يخالفهم في ذلك .
والتعاقد الذي يتأسس عليه المجتمع الإسلامي هو التعاقد على جلب المنافع والمحبوبات التي يحبها الله تعالى ويرضاها ، ودفع المضار والمكروهات التي يكرهها الله تعالى ، فهو تعاقد مُتَّجِه نحو الغاية التي أرادها الله تعالى من خلقه الخلق وهي إفراده بالعبادة التي هي كمال المحبة مع كمال الخضوع ، وإذا كان هذا التعاقد متجهًا نحو هذه الغاية ، فإن الولاية والعداوة لدى المجتمع الإسلامي متجهةٌ نحو هذه الغاية تبعًا ، فأولياء الله تعالى هم أولياء المؤمنين وأعداؤه هم أعداؤهم .
ولذا وجدنا مبنى شريعةِ محمد - التي تبين ما يحبه الله تعالى وما يكرهه من الأفعال والأقوال أتم البيان – على التفريق بين أولياء الله تعالى وأعدائه في الأحكام ، وعلى هذا تجد كتب الفقه التي دونها علماء المسلمين لحفظ الشريعة وفهمها .
وإذ ضعفت المعرفة بالله تعالى وسيطرت المفاهيم الغربية الليبرالية الإلحادية التي لا تُقرُّ بخالق آمرٍ ناهٍ حكيم ؛ انحرفت تبعًا لذلك المعرفة بالغاية التي يتجه نحوها المجتمع الإسلامي في تعاقده الذي به يكون مُجتمعًا ، وهي تحقيق عبودية الله تعالى ، واتجهت نحو الغايات واللذائذ المادية التي يُوجِّه الفكر الليبرالي الناس إليها ، وهذا الانحراف ظاهر جلي لدى التيارات العلمانية ، وأقل منه ظهورًا لدى التيار التنويري الإسلامي ، إلا أن الخطورة بالنسبة للتيار الأخير أنه ينسب هذا الانحراف إلى الشريعة بدعوى تجديدها .
ولما أراد التنويريون أن ينتصروا للدولة المدنية الحديثة التي يكون الأساس في تعامل الناس فيها المواطنة لا الدين ، موَّهوا بأنهم في ذلك يتبعون إمامًا جليلًا من أئمة المسلمين وهو أبو حنيفة النعمان تعالى ، فقال قائلهم : إن أبا حنيفة يقتل المسلم بالذمي ، وهذا يدل على أن الأساس لديه في التعامل بين رعايا الدولة المواطنة لا الدين .
فما هي حقيقة قول أبي حنيفة هذا ؟ وما أصله ؟
إن الناظر في فقه الإمام أبي حنيفة تعالى يجده كسائر فقهاء المسلمين يقسم الديار إلى دار حرب ودار إسلام ، ويقسم الناس في التعامل معهم إلى مسلمين وكفار ، والكفار إلى حربيين وذميين ومستأمنين ومعاهدين ، إلا أنه امتاز عنهم بكثرة تعليقه أحكام الدماء والأموال بالدار ، ومن تطبيقات ذلك لديه :
في أحكام الأموال :
1 - رجلٌ حربيٌّ دخل دار الإسلام بأمان ، ثم أسلم في دار الإسلام ، وله في دار الحرب ذرية وزوجة وأموال ، ثم ظهر المسلمون على دار الحرب التي هو من أهلها ، كان ماله وأهله وأولاده الصغار والكبار فيئًا أجمعين .
[«الجامع الصغير» لمحمد بن الحسن الشيباني (ص317) ، و«مختصر الطحاوي» (ص290) ]
ففي هذه المسألة حكم على مال المسلم بحكم الدار التي هو فيها ، فلما كانت الدار دار حرب ، وما فيها من النفوس والأموال مباح ، استباح المال ولو كان في أصله مالاً لمسلم ، إذ إن يدَه زالت عنه باختلاف الدار .
2- ومنها : رجلٌ حربيٌّ أسلم في دار الحرب ثم دخل دار الإسلام ، وله في دار الحرب ذرية وزوجة وأموال ، ثم ظهر المسلمون على دار الحرب التي هو من أهلها ، كان ماله وأهله فيئاً أجمعين ، إلا أولاده الصغار ، فإنهم يكونون أحراراً مسلمين .
[ «الجامع الصغير» لمحمد بن الحسن الشيباني (ص317) ، و«مختصر الطحاوي» (ص290) ] .

وهذه مثل المسألة السابقة ، إلا أنه لم يحكم باسترقاق الأولاد الصغار لأنه يحكم لهم بحكم أبيهم ، قال الجصَّاص : " وهم صاروا مسلمين بإسلام أبيهم هناك ، ثم خروج أبيهم إلى دار الإسلام لا ينقلهم إلى حكم الكفر ، فبقوا على حكم الإسلام إلى أن ظهر المسلمون على الدار ، فلا يجوز استرقاقهم بعد الإسلام " . [«شرح مختصر الطحاوي» للجصاص (7/175) ] .
وهذا التعليل شاهد آخر على الأصل الذي تقدَّم ، إذ لم يحكُم بإسلام الأولاد الصغار في الصورة الأولى لاختلاف الدار ، وحكم هنا بإسلامهم لأن أباهم أسلم في نفس الدار التي هم فيها .
3- ومنها : رجل مسلم دخل دار الحرب بأمان فاشترى دارًا أو أرضًا أو رقيقًا أو ثيابًا ، فظهر المسلمُون على دار الحرب ، فأما الدور والأرضون فهي فيء للمسلمين ، وأما الرقيق والمتاع فهو للرَّجُل الذي اشتراه [«الرد على سير الأوزاعي» لأبي يوسف (ص107) ] .
ففي هذه المسألة حَكَم على العقارات التي كانت للمسلم التي في دار الحرب بحكم عقارات أهل الحرب ، وهو أن تكون فيئًا للمسلمين ، أما ما يحوزه المسلم من متاع ورقيق فلا تعلُّق لحكمه بالدار لأنه ليس مِنها ، قال أبو يوسف في بيان وجه التفريق : " لأن الدُّور والأرضين لا تحول ولا يحرزها المسلم ، والمتاع والثياب تُحرز وتحول " .
[«الرد على سير الأوزاعي» لأبي يوسف (ص110) ] .
4- ومنها : مسلمٌ ارتدَّ ثم لحق بدار الحرب ، فإن لحاقه بدار الحرب ينزَّل منزلة موته ، ويحكم على أمواله التي تركها في دار الإسلام بما يحكم على أموال الناس في دار الإسلام ، فيُقضى بعتق أمهات أولاده ، ويعتَق مدبروه من الثلث ، ويحل ما عليه من الدين ويقضى عنه ويقسم ماله بين ورثته .
[«الجامع الصغير» لمحمد بن الحسن (ص304-305) ] .
أما في أحكام الدماء :
1- حربيٌّ أسلم في دار الحرب ، وأقام بها ولم يهاجر إلى دار الإسلام ، فقتله مسلم مستأمن في دار الحرب ، لا يجب عليه القصاص ولا الدية ، وتجب عليه الكفارة في القتل الخطأ .
[«أحكام القرآن» للجصاص (3/216) ] .
فلم يجعل هنا دين المقتول مناط الحكم ، وإنما وقوع الجناية في غير دار الإسلام .
2- ومنها مسألتنا هذه التي يتعلق بها التنويريون :
مسلمٌ قتل ذمِّيَّاً ، فيُقتَل المسلم بالذمي ، [انظر : «شرح مختصر الطحاوي» للجصاص (5/350) ] لأن الدماء في دار الإسلام معصومة ، والحكم في من انتهك حرمة دم معصوم القصاص ، فلم يجعل دين المقتول مناط الحكم ، وإنما وقوع الجناية في دار الإسلام .
فتبين بعد هذا أن هذه المسألة تطبيق لنظرية مُطّردة مبنية على تعليق الحقوق بالدار .
ثم إن قسمة الديار لدى أبي حنيفة قسمة دينية ، إذ العبرة بدار الحرب لديه جريان أحكام الكفر فيها ،[ انظر : «مختصر الطحاوي» (ص294) ، و«شرح مختصر الطحاوي» للجصاص (7/215-218) ]، وإذا ثبت أن قسمة الديار هي قسمة دينية تابعة للأحكام المعمول بها في تلك الدار :
1- تبين أنها قسمة متسقة مع الغاية التي أرادها الله تعالى من خلق الخلق وهي تحقيق عبوديته ، مخالفة للغايات الليبرالية المادية التي تقررها نظرياتهم الاجتماعية والسياسية .
2- تبين الفرق بين قول الإمام أبي حنيفة وبين قول التنويريين ، إذ إنهم ينكرون هذه القسمة للديار أصلًا ، ويُشنِّعون على القائل بها !
وهذا التناقض يعكس ظاهرة جلية في الطريقة التنويرية في تقرير المقالات : وهي اجتزاء مسألة من نظرية فقهية إسلامية ، لتمرير نظرية غربية ، دون اكتراث بأصل تلك المسألة المجتَزَأة .
وأختم بذكر قولٍ لباحث نصراني في توصيف حال النصارى في ظل السلطنة العثمانية - التي كانت تأخذ بمذهب أبي حنيفة - كشاهد تطبيقي تاريخي : " لم يكن المسيحيون يتمتعون بالمساواة التامة مع رعايا الدولة المسلمين ، إلا إنهم تمتعوا ببعض الحريات الدينية في ممارسة شعائرهم ، وتكلفت الدولة بمسؤولية حماية أرواحهم وممتلكاتهم ، وذلك في ظل نظام الملل الذي كان يصنف رعايا الدولة على أساس المذهب الديني وليس على أساس القومية أو اللغة ، وكان لكل ملة مسيحية رئيسها الديني وهو البطريرك .
يتعارض نظام الملل مع فكرة الدولة الحديثة التي تنظر إلى رعاياها على أساس المواطنة القائمة على المساواة في الحقوق والواجبات ، ولكن مفهوم المواطنة هو حديث ، نشأ في أوروبا في أواخر القرن الثامن عشر ، ولم يكن سائدًا في بداية العهد العثماني " .
[ المسيحيون وهاجس الحرية في العصر العثماني لجوزيف أبو نهرا ، مركز الشرق المسيحي للبحوث والمنشورات ] .


المقال منشور في مجلة حراس الشريعة - عدد شعبان
لتحميل العدد من هنا :
ط¹ط¯ط¯ ط´ط¹ط¨ط§ظ† ظ…ظ† ظ…ط¬ظ„ط© طط±ط§ط³ ط§ظ„ط´ط±ظٹط¹ط© | ظ…ط¬ظ„ط© طط±ط§ط³ ط§ظ„ط´ط±ظٹط¹ط©