تكمن القيمة العلمية لأي كتاب بادىء كل بدء, بمقام صاحب الكتاب, فإن كان صاحب الكتاب نجما في تخصصه, قويا في علمه, معروفا بالمسيرة العلمية, شدت إليه الرحال, وتوجهت إليه الأنظار, وشَنُفت الآذان بكلامه, واستروحت القلوب واطمأنت لقوله, ومالت العقول واحتُنكت برأيه, ثم إن كان صاحب الكتاب علَما في مؤلفاته, شمسا في مصنفاته, له من المؤلفات مايشهد له بناء العلم والمعرفة, وتسهم مؤلفاته في النهضة الحضارية الإسلامية, سُلطت عليه الأضواء, وانصاع إليه القاصي والداني لهيمنته العلمية, ثم إن كان الكتاب المؤلف المراد تقويمه تفاعلت معه النفوس ورقت, وأصبح مُصرخا لمستجدات الأمة- فواكب عصرها, واستجاب لمتطلباتها- وأعلى شأن العلم ورايته, وذب عنه الشبهة والرذيلة, استحق مرتبة الصدارة, ونُهلت منه المعرفة والعبارة, وارتسم التاريخ به أحسن حضارة, ثم لاتلبث أقلام الباحثين عن التواني, دراسة للمؤلف ومصنفاته, لمعرفة جوانب شخصيته العلمية, وأسلوبه ومنهجه ومواهبه وأخلاقه, حتى يغدو قدوة يقتدى به, ومجددا يسار على طريقه نحو النهضة العلمية والحضارية, وبعد البحث والدراسة لجهود هؤلاء العلماء في الكتاب, تبين أن الكتاب قد حقق ما كَمُن فيه من القيمة العلمية المرجوة, وبيان ذلك مايلي من المقاييس:
1 - بلوغ الشيخ أشرف علي التهانوي وتلامذته- - مقاما علميا رفيعا رشحهم إلى تولي صدارة التعليم والإفتاء والتصنيف.
فكتاب أحكام القرآن قد أقامته جهود مجموعة من العلماء, فقد احتوى على عقول خمسة من العلماء الذين بلغو شأوا في العلم, فالذي أشرف على مسائل الكتاب وتنقيحها شيخ مشايخ العصر في الهند"حكيم الأمة" أشرف علي التهانوي , فكان الكتاب لمؤلفيه الأربعة على ضوء ما أفادوه من شيخهم, وقد تحلى الشيخ أشرف التهانوي مقاما علميا نادرا, حتى أطلق عليه حكيم الأمة, وقد شهد له العلماء بغزارة علمه, وكثرة مصنفاته, وإرشاده الخلق وإصلاحه المجتمع, يقول العلامة أبو الحسن علي الحسني الندوي : (المصلح الكبير الشيخ أشرف علي التهانوي, الذي هو من كبار علماء هذا العصر على الإطلاق, ومن أعظم من انتفعت بهم الهند في إصلاح العقيدة والعمل, والرجوع إلى الله, وانتفع الناس بكتبه انتفاعا لم يعرف لعالم آخر في هذا الزمان, وكان مرجعا في التربية والإرشاد, وإصلاح النفوس, وتهذيب الأخلاق, تشد إليه الرحال, ويقصده الراغبون في ذلك من أقاصي البلاد, وانتهت إليه الرئاسة في تربية المريدين, وإرشاد الطالبين, والاطلاع على غوائل النفوس).[1]

ويقول الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي الرئيس العام لندوة العلماء في لكنهو الهند: ( إن شخصية المربي الجليل والداعية الكبير العلامة الشيخ أشرف علي التهانوي تعالى, الذي قضى حياته في الجهود الدعوية لإصلاح المجتمع الإسلامي في شبه القارة الهندية, كانت من أهم الشخصيات, فقد قام بإصلاح النفوس وتزويد الناس بالعلم الديني الصحيح, وتصحيح المسار الإسلامي بمواعظه ومحاضراته وتأليفاته, وبدروسه التربوية ومجالسه الدينية المفيدة, حتى أصبحت شخصيته معروفة كل المعرفة في شبه القارة بعظمة عمله الديني التربوي).[2]

ويقول الشيخ محمد تقي العثماني عن الشيخ التهانوي: (كان من العلماء الأفذاذ, والدعاة البررة المخلصين, الذين أناروا في الهند مصابيح التجديد, الباهرة الشعلة, الساطعة النور, وأخلصوا حياتهم لإعلاء كلمة الله, وإحياء علوم الدين, مرابطين على ثغور الإسلام, مثابرين في الدعوة إليه, ومصابرين على ما يصيبهم في هذا السبيل).[3]

ويقول في وصفه –أيضا –: (صار حكيم الأمة التهانوي قدس سره, أكبر مرجع للعلماء والعامة, وأعظم مركز للعلم والدين, وقد شهد العلماء في ذلك الوقت بأنه وحيد عصره في العلم والتقوى, لا يجارى ولا يبارى).[4]

هذا ماقاله بعض العلماء في حقه[5], فهذه المعرفة والشهرة للشيخ التهانوي لم تكن في العالم العربي كاشتهارها في شبه القارة الهندية, وليس ذاك إلا لوجود الحدود الجغرافية عائقا من جانب, واللغة العجمية في مؤلفاته من جانب آخر, حيث بلغت كتبه باللغة العربية اثنا عشر كتابا, والباقي كان بغير العربية من هندي وفارسي وأوردية؛ لذا لم تصل مؤلفات الشيخ وعلومه إلينا لهذين السببين.والله أعلم.
أما تلامذته الأفذاذ فكانوا أعلاما خفاقة في العلم والتصنيف, فكانوا مثل شيخهم التهانوي جميعا, فالشيخ ظفر كان علامة, عرف بالعلم والبحث والتصنيف[6], يقول الشيخ العلامة المحقق الفقيه المحدث عبد الفتاح أبو غدة عند ترجمته للشيخ ظفر : (هو العلامة المحقق, البحاثة المدقق, الثبت الحجة, المفسر المحدث الفقيه الأصولي البارع الأريب, المؤرخ الأديب, الورع الزاهد الصوفي البصير, ظفر أحمد بن لطيف العثماني التهانوي)[7] وكان للشيخ ظفر كتابه الضخم( إعلاء السنن ) الذي يدل على سعة علمه, وطول باعه في البحث والتنقيب والتصنيف, وغيره من الكتب, وكذلك الشيخ محمد شفيع عرف بالمسيرة العلمية حتى توج مفتيا عظيما لباكستان, وكان مؤسسا لدار العلوم الإسلامية فيها, ومصنفا بارعا في مصنفاته, وكذلك الشيخ جميل التهانوي عرف بمسيرته العلمية واشتهر بذلك, فقد مارس أعمال التدريس والإفتاء وكان نجما في مصنفاته, وكذلك الشيخ محمد إدريس الكاندهلوي , فقد عمل مدرسا في عدة جامعات, ومصنفا للكتب, فكان بحرا في علم الحديث, وله الكتاب الشهير( التعليق الصبيح على مشكاة المصابيح), ولكننا قد لانعلم شهرة مسيرتهم ومصنفاتهم بسبب فجوة التضاريس الجغرافية واللغة اللتين تحولا بيننا وبينهم.
وهكذا نجد هؤلاء العلماء قد شهد لهم واقعهم العملي بمقامهم العلمي, وشهدت لهم مصنفاتهم في بناء العلم والمعرفة, والمساهمة في النهضة الحضارية الإسلامية, لذلك فقد حقق هؤلاء العلماء مكانة علمية ألقت بظلالها ونورها على مؤلفهم ( أحكام القرآن) وأعطته القيمة العلمية قبل البدأ به؛ لأنه بني بأيدي هؤلاء العلماء الكبار المعروفين بمسيرتهم العلمية ومصنفاتهم.
2- مادة الكتاب العلمية وعلاقتها بالإضافة العلمية, ومواكبتها لمستجدات العصر وإضافتها الجديد.
إن كتاب أحكام القرآن قد تميز بميزات قل أن تجد كتابا بمثله, فالقيمة العلمية تكمن بشكل رئيس في مادة الكتاب, فمن ميزات هذا الكتاب العلمية مايلي:
أ- أولى ميزات هذا الكتاب العلمية, هو ماكان الهدف الأساسي الأول من إنشائه, وهو بيان دلائل القرآن على مذهب النعمان, الذي حفل بإبراز وإظهار أدلة الفقهاء الحنفية من القرآن الكريم ودفع شبهة قول البعض عن خلو أحكام الحنفية من أدلة النقل, حتى صحبه إظهار بعض الأدلة المرتبطة بحكم الآية من السنة النبوية, وفي ذلك جهد بليغ تطلب تخصصا وبحثا دقيقا للتوقف عند كل آية أشرقت بحكم شرعي؛ لذا سطعت لدينا بعض الأضواء للرد على من أخطأ في نقل رأي الحنفية أو استدلالهم الصحيح على المسألة, وهذا قد أضفى على الكتاب جمعا عظيما, وجهدا كبيرا, ودقة في تحقيق المسائل وترجيحها.
ب- ومن ميزات الكتاب العلمية الشمولية في الاستنباط, ليشمل كل ما توحيه الآيات من أحكام, وهذا قد أضفى نموذجا في صفة المفسر, من تخصصه واستغراقه وتمكنه من كل العلوم الشرعية, وهذا يرجعنا إلى درب علمائنا السابقين من تبحرهم في كل العلوم, فما مثل هذه العلوم المختلفة إلا كمثل شجرة كثيرة الفروع أصلها واحد وهو ‏الكتاب والسنة، ولايكتمل جمالها إلا باكتمال فروعها, ونموذجا آخر يرجع إلى القرآن, من أنه منهاج حياة, يُصلح أمرُه متطلبات الحياة, ويشمل تفسيره كل صغيرة وكبيرة نحتاج إليها في حياتنا.
ج- ومن ميزات الكتاب العلمية اشتماله على تحقيقات علمية في كثير من الأحكام, كتحقيق مسألة المقالة الرضية في سجود التحية, وتحقيقه مسألة سماع أهل القبور, وتحقيقه في ثبوت عذاب القبر وتحقيقه مسألة ختم النبوة, ومسألة علم الغيب لله, ومسألة تفصيل الخطاب في أحكام الحجاب الحجاب, ومسألة مشاجرات الصحابة, ومسألة التسبب بالإعانة, وغيرها من المسائل التي يرجى فيها النفع والفائدة بأسلوب علمي دقيق.
د- ومن ميزات الكتاب العلمية احتواؤه على مجموعة ضخمة من الردود العلمية على بعض العلماء, كأمثال الرد على الشافعية, والرد على المالكية والحنابلة, والرد على الألوسي والسبكي والجصاص وأهل الظاهر غيرهم من علماء أهل السنة, وفي ذلك إضفاء لملكة التفكيروإعمال العقل والترجيح للوصول إلى الحقيقة, فأعطى قيمة علمية للحوارات والمناقشات وعدم التسليم إلا للدليل, وهذا من أعظم مايكون شخصية طالب العلم ‏ويثري ثقافته، ويزيد علمه، ويصقل ذهنه، ويعوّده على الصبر والجلد في طلب العلم.
هـ- ومن ميزات الكتاب العلمية أنه أسهم في الكشف عن جهود واتجاهات هؤلاء المفسرين ومدرستهم الديوبندية في استنباط الحكم الشرعي وبيان الأصول والقواعد التي بنوا تفسيرهم عليها.
و - ومن ميزات الكتاب العلمية أنه عرف الباحث على واقع المسلمين في ذلك العصر, وكيف كانت ظروفهم واحتياجاتهم.
ز - ومن ميزات الكتاب العلمية أن الكتاب كان دواء وبلسما لقضايا ذلك العصر, ومواكبا لمستجداته ومتطلباته, فلم يكن كتاب علم نظري يتحدث عن مسائل بُحثت في العصور الماضية فحسب؛ بل كان كتابا عمليا يخاطب الواقع ويعالجه, فيتطرق بمسائله إلى احتياجات الأمة, فيكفيها سؤلها, ويشفي داءها, ويقوم انحرافها, ويبطل سم أعدائها, فكان كتابا حافلا بالواقعية والمعاصرة, حافلا بجهود الإصلاح التربوي والإجتماعي وعلاج قضايا الأمة, وفي هذا ترجمة للقرآن بأنه مصلح لكل زمان ومكان.
ح - ومن ميزات الكتاب العلمية أن الكتاب كما جاء حافلا بالعلوم الشرعية, كذلك جاء حافلا بالعلوم التربوية السلوكية, فلم يرض المؤلفون أن يكون العالم المفسر المرتبط بالقرآن خاليا عن تربية القرآن, وإنما صبغت كتاباتهم بخلق القرآن, فكانت كتاباتهم سلوكا ربانيا يدخل القلوب, ويؤثر على الجوارح, فكأن العين ترى القدوة أمامها؛ ليتأثر القارىء بالحال بمجرد المقال, فحال رجل في ألف رجل خير من مقال ألف رجل في رجل, هذا هو تأثير المقال, فكيف يكون الحال!!
ط - ومن ميزات الكتاب العلمية غزارته بالمراجع العلمية الأصيلة, التي قد يصعب توفيرها في الساحة العلمية, وهذا مالوحظ أكثره في كتب الفقه الحنفي.
ي- ومن ميزات الكتاب العلمية أنه كشف اللثام عن مؤلفات وإفادات لعلماء غير عرب, سواء كانت باللغة العربية أو بغيرها, أو كانت لهم أو لشيوخهم وعلى رأسهم شيخهم التهانوي, وهذا أضفى بدوره على إضافة جديد في العلم على الساحة العربية الإسلامية, فهذه المؤلفات والإفادات ليس من الإمكان معرفتها بسبب فجوة اللغة وفجوة من يحملها, فقام هؤلاء العلماء بهذا العمل المشكور, وعلى رأس هذا الكشف كتاب بيان القرآن للشيخ أشرف علي التهانوي وإفاداته.
وهكذا نجد التفاعل الذي أحدثه الكتاب بمادته العلمية في كل تلك المحاور التي ذكرتها, فكان كتابا حُق له أن يحظى بقيمة علمية رافعة المستوى.
3 - تكمن القيمة العلمية باهتمام الباحثين وطلبة العلم بالدراسة التحليلية للمؤلفين ومصنفهم, ليكون قاعدة راسخة يمكن النهوض على أساسها في مجال العلم والثقافة والفكر, فهذه الدراسة التي قمت بها بجميع جوانبها وأبعادها –مقياسا للقيمة العلمية- تشكل النتيجة والمحصلة لرؤية ذاتية للباحث, وتحليل للشخصية العلمية لهؤلاء المؤلفين ومنهجهم في هذا التفسير, وفق ضوابط ومعايير تصلح أن تكون حكما على هذه الشخصيات بصفة شمولية بعيدة عن التعصب والهوى, فهذه الدراسة تعد ترجمة حقيقية وبرهانا واضحا على مدى انطباق هذا المقياس على هؤلاء العلماء.
وإن الباحث عن دراسات لهذا الكتاب لايجد من قام بدراسته, وذلك لسبب عدم توفر طباعته في بلادنا, وللفجوة الجغرافية بيننا, لكن الباحث يجد كتبا كتبت في شخص التهانوي وتلامذته , ومن هذه الكتب:
1- كتاب أشرف علي التهانوي حكيم الأمة وشيخ مشايخ العصر في الهند, للشيخ محمد رحمة الله الندوي.
2- كتاب (أحكام القرآن) الذي نحن بصدده, حيث أورد ترجمة للمؤلفين الأربعة, وهم: الشيخ ظفر أحمد العثماني, والشيخ محمد شفيع مفتي باكستان, والشيخ محمد إدريس الكاندهلوي, والشيخ جميل أحمد التهانوي.
3- إعلاء السنن, للشيخ ظفر أحمد العثماني, واحتوى على ترجمة للشيخ أشرف والشيخ ظفر رحمهما الله.
4-كتاب قواعد في علوم الحديث للشيخ ظفر أحمد العثماني, تحقيق عبد الفتاح أبوغدة.
5 - كتاب أشرف السوانح, للشيخ الخواجة عزيز الحسن المجذوب.
6- كتاب حكيم الأمة نقوش وتأثرات, للشيخ عبد الماجد الدريابادي.
7-كتاب كاروان تهانوي( من قوافل التهانوي) للشيخ الحافظ محمد أكبرشاه البخاري.
8 - كتاب نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر للشيخ الشريف عبد الحي الحسني.
9- كتاب الثقافة الإسلامية في الهند للشيخ الشريف عبد الحي الحسني.
10-كتاب الأفكار السياسية للشيخ حكيم الأمة التهانوي, لمؤلفه الشيخ العلامة محمد تقي العثماني.
11- الدعوة الإسلامية في الهند وتطوراتها للشيخ أبي الحسن الندوي.
12- كتاب اليانع الجني في أسانيد الشيخ عبد الغني, تأليف الشيخ محمد شفيع.
13- اللغة العربية في باكستان, تأليف الدكتور محمود محمد عبد الله.

فهذه الدراسات أعطت قيمة علمية لهؤلاء المؤلفين, وذلك باهتمام الدارسين والباحثين بترجمة حياتهم ومؤلفاتهم, فتتأكد مكانتهم بين العلماء, ويتأكد أثرهم على مجتمعهم في القارة الهندية تأليفا وتوجيها وإرشادا وإصلاحا, وبذلك كله مما ذكرنا من مقاييس تتحقق القيمة العلمية لهذا الكتاب.
منقول من كتاب:منهج تلاميذ الشيخ أشرف علي التهانوي في التفسير، كتاب أحكام القرآن أنموذجا.للمؤلف:أحمد حسين حسين.

[1] - انظر: الندوي, محمد رحمة الله, "أشرف علي التهانوي حكيم الأمة وشيخ مشايخ العصر في الهند"(ص6).

[2] - انظر: الندوي, محمد رحمة الله, "أشرف علي التهانوي حكيم الأمة وشيخ مشايخ العصر في الهند".(ص11-13).

[3] - العثماني, ظفر أحمد, مقدمة إعلاء السنن (1/7).

[4] - انظر: المرجع السابق (1/9).

[5] -انظر: المسيرة العلمية للشيخ أشرف التهانوي في ترجمة حياته في الفصل الأول.

[6] - انظر: المسيرة العلمية للشيخ ظفر في فصل الترجمة.

[7] - العثماني, ظفر أحمد, أحكام القرآن (1/ أ ).