ضوابط التحكيم في الموارد المائية
القضايا والنظائر النازلة اليوم في الواقع المعيشي المتعلِّقة بالجانب الشرعي، لا تكاد تنتهي حتى تُستفتح بمثيلاتها بألوان واتجاهات جديدة ومختلفة ، وفي بلاد مُتعدِّدة ، بعضها بسبب التمدُّن والحضارة ، وبعضها بسبب الظلم والفجور ، وبعضها بسبب التهافت على الدنيا وحطامها ، والوعي بالشريعة يُحتِّم مراجعة تلك النظائر على ضوء أدلة الوحيين .

ومقالة عمر بن عبد العزيز(ت: 101هـ ) تعالى الشهيرة استشرفت كثيراً من نوازل العصر وأقضيته وأبانت عنها بمعاني لطيفة حين قال: "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور " ! .
وقوله أيضاً :" إن هذه الأمة لم تختلف في ربِّها ولا في نبيها ولا في كتابها، وإنما اختلفوا في الدِّينار والدرهم" .

نشرت الصحف قبل أيام خبراً عن مشروع سدِّ النهضة الذي بدأ تشيِّيدهُ في أثيوبيا إحدى دول منبع نهر النيل . وهو مشروع لحفظ الماء وتوليد الطاقة ، وقد يكون له أهداف أخرى غير معلنة ! .
وتصوير مسألة الموارد المائية شرعياً وتاريخياً لمن لم يقف على أبعادها : أن الحكومة الأثيوبية شيدت سدَّا مائياً على نهر النيل الأزرق في أراضيها ، مما سبب لدول المَصبّ : مصر والسودان أضراراً اقتصادية ومادية، بعضها مُحتمل والبعض الآخر راجح .

والنِّزاع حول مياه النيل قديم ، بدأ قبل ظهور أزمة السد الأثيوبي بثلاثة عقود .
وإذا صحة مقولة إن بناء سد النهضة تم باشراف وتمويل اسرائيلي لمكيدة دول المصبّ ، بقرينة تحويل مجرى النيل الازرق من قبل أثيوبيا ، فإن هذه تُعدَّ قرينة شرعية على هذه المسألة ؛ وباتت مسألة النِّزاع حقا شرعياً لا يجب التفريط فيه ، وهي من أُصول حق الارتفاق المنصوص عليه في الادلة .

بناء السد يُزعم أنه سيحلّ مشكلة تراكم الطمي عند السدود في كل مِن السودان ومصر، والتي تكلّف البلدين ملايين الدولار لإزالتها سنويا، وكذلك سَيُعالج مشكلة الفيضان المتكرِّر الذي تتعرّض له السودان، وسيُقلّل من فقدان المياه بالتبخّر عند السد العالي في مصر بنسبة 12%، وسيزيد من عمر السد العالي لمدة مائة عام .

• وثمة بعض المسائل الفقهية التي يجب التنبيه عليها حِيال هذه القضية المائية :
أ- أحكام الموارد : الماء من أهم الدعائم في هذه الحياة كما قال الله تعالى : "وجعلنا من الماء كل شي حي" ( الأنبياء: 30 ). فلا حياة بلا ماء ولا ماء بلا أمن ، ونهر النيل تحصل منه مصر والسودان على نحو 85 % من احتياجاتهما من المياه .

ومصر من أكثر الدول جفافا في العالم إذا استثنينا نهر النيل؛ لأن أهلها يعتمدون على مياهه في تلبية 98% من احتياجاتهم المعيشية .

وعلماء الأزهر قبل أيام صرَّحوا للإعلام بأن تعطيش مصر ومحاصرتها في مواردها المائية حرامٌ شرعاً ، ولا يجوز مساومة أحد عليه . والاضرار في تحصيل الموارد لا يجوز شرعا ولا عقلا سواء كان المتنازعون عليها مسلمين أو غير مسلمين .

والمقصود أن هذه الموارد تتردد بين أحكام الاباحة وأحكام المُلك ، وأن الشريك في قرار الماء شريك في الماء النابع تحته ، كما نَصت القواعد على ذلك في دواوين الفقه .


ب- الحقوق الشرعيه في الموارد المائية :
دول حوض النيل بقسميها ، دول المنبع ودول المَصبّ، متنازعة في الحقوق التاريخية لمياه النيل ، والحقوق التاريخية ثابتة إذا كان لها مستند شرعي .

لكن شرعا لا يجوز تملك الموارد المائية ، الا اذا كانت مستنبطة وجرى تخزين بعضها وحملها ،وهذا متعذر في مسألتنا ، ويمكن تصوره في موارد أخرى .

وقد نصت القاعدة الفقهية على أن الشراكة بحسب المُلك ، وهذه الموارد لا تملك رِقابها إنما تُملك منافعها ، فتكون المنفعة مقسومة وجوباً بين دول المنبع ودول المَصبّ .

والموارد المائية هِبة من الله تعالى يقسمها لمن يشاء من خلقه ، لكن لا يجوز لأحد احتكارها ومنع الشراكة فيها . وقد ثبت عن الرسول أنه قال :" الناس شركاءُ في ثلاثة : الماء والكلأ والنار " أخرجه أبوداود باسناد صحيح .

ووضع اليد على هذه الموارد المائية سواء من دول المنبع أو دول المَصبّ ، لا يدل على الملكية .
وقد أبان الفقهاء أنه عند التنازع في الموارد فإن القسمة تكون على قدر أنصابهم من الأرض ، فينظر من تجري الموارد في أرضه وبلده أكثر من خصمه ، فيقسم له بالأكثر ، لكن هذا ليس على اطلاقه . ولا يخفى أن حق الانتفاع أوسع من حق الملكية .

وقد سُئل أبو يوسف القاضي (ت:182ه) تعالى عن نهرٍ بين قوم ،يأخذ من دجلة أو الفرات ، أرادوا أن يكروه أو يحفروه، فكيف الحفر عليهم ؟ .
فأجاب : أنهم يجتمعون جميعاً فيكرونه من أعلاه إلى أسفله، فكلما جازوا أرض رجلٍ رُفع عنه الكري، وأُكري بقيتهم كذلك حتى ينتهي إلى أسفله. وقد قال بعض الفقهاء : يكرى النهر من أعلاه إلى أسفله، فإذا فُرغ من ذلك حُسب أجر جميع من حَفر ذلك النهر على جميع من يشرب منه من الأرض، فلزم كل إنسان من أهله بقدر ماله.

وإذا خاف أهل نهر أن ينشق عليهم، فأرادوا تحصينه من ذلك، فامتنع بعض أهله من الدخول معهم فيه، فإن كان في ذلك ضرر عام أجبرهم الإمام جميعاً على أن يحصنوه بالحصص، وإن لم يكن فيه ضرر عام لم يجبروا على ذلك، وأُمر كل إنسان أن يحصن نصيب نفسه .

وقد حكم الولاة في بلاد المسلمين بمثل هذا أو قريباً منه ، وقد نصت القاعدة الفقهية على أن حكم الحاكم لا ينقض إلابعد تحقق موجب نقضه ، وهو منتفي هنا .

ج- تحرير محل النِّزاع في اقتسام الموارد المائية :
يجوز شرعا اقتسام الموارد المائية بالمحاصة التي ترضي الأطراف المتنازعة عليها ، سواء دول المنبع أو دول المصب ، لكن حجم القسمة لا بد أن يكون حسب أحقية المنافع ، فمن كانت منفعته أعظم كانت حصته أكبر ، وهذه يُقدِّرها أهل الخبرة وأهل العلم .

و هناك نص صريح قد يقطع النِّزاع أو يُخفِّف منه على أقل تقدير: أنَّ رجلًا من الأنصارِ ، خاصم الزبيرَ عند النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في شِرَاجِ الحَرَّةِ ، التي يسقونَ بها النخلَ ، فقال الأنصاريُّ : سَرِّحِ الماءَ يَمُرُّ ، فأَبَى عليهِ ، فاختصما عند النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ للزبيرِ : "اسقِ يا زبيرُ ، ثم أرسلِ الماءَ إلى جارِكَ ، فغضب الأنصاريُّ فقال : أن كان ابنَ عمتكَ ؟ فتلوَّنَ وجهُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ثم قال : " اسقِ يا زبيرُ ، ثم احبسِ الماءَ حتى يرجعَ إلى الجُدُرِ " متفق عليه .

وهذا نص صريح في أن الأعلى يستقي قبل الأدنى، عند التنازع وعدم التراضي ،وأن حبس الماء للاضرار بالغير محرم شرعا وفيه جناية على أموال الناس ومنافعهم . وهو حجة في هذا الباب ولا يجوز طرحه . وقد قرر الأصوليون أن إعمال الكلام أولى من إهماله .

د- التحكيم الدولي في الموارد المائية :
لم يُقرّ النظام العالمي اليوم اتفاقية دولية تُحدِّد استخدامات المياه فى أحواض الأنهار الدولية بشكل حاسم، لأن الأنهار الدولية تخضع لظروف مختلفة وخصائص مختلفة، وكُّلٌ له قواعد يحتاج إليها .

أما مسألة اللجوء إلى محكمة العدل الدولية النصرانية التي يُنادي بها بعض الناس ، فهي خِلاف الأولى ، ويُقدِّر التحاكم إليها أهل العلم إن كان في ذلك مصلحة راجحة لا تنال الحقوق إلا بها ، مع العلم أن في ديننا ما يُغنينا عن ذلك ، وهذه القوانين الدولية غير ملزمة للمسلمين أصلاً .
والميزان الشرعي يُحتِّم أن تكون هناك لجنة دولية من المهندسين المسلمين وحكماء الدول ، لاقتسام حِصص هذه الموارد : إما بالسوية أو بحسب حاجة الدول ونقص المياه فيها ، أو بحسب عدد السكان وتقدير احتياجاتهم .

وهذا الميزان له أصل في الشرع كما قال الله تعالى :" قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ "( الشعراء: 155) وقوله سبحانه : "وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ"(القمر: 28).

وقد تعارف الناس في المزارع والقرى على نوبات السِّقاية إذا كانوا يستقون من مورد واحد بينهم ، وقد نصت القاعدة الاصولية على أن العادة تنزل منزلة الشرط إلا إذا خالفت نصَّاً .

ومن خلال ما تقدَّم يتبيَّن أن التحكيم تارة يكون بالقسمة والحِصص ،وتارة بالتراضي وتارة بالمصلحة الراجحة التي يُحدِّدها الشرع أوالعرف ، وتارة بالتصالح على ضوء المعايير والأصول الموضحة في الأدلة والقرائن . والعبرة في ذلك كله بالعدالة وحفظ الحقوق .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

أ/أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي
عضو هيئة التدريس بقوات الأمن الخاصة

(منقول)