الاستئناس بفوائد حديث النواس

روى أحمد ومسلم والترمذي عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ t قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ e عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ ؟ فَقَالَ : " الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ " .

هذا الحديث أصلٌ في معرفة البر والإثم ، وهو من جوامع الكلم ، إذ البر كلمة جامعة لكـل خير ، والإثم كلمة جامعة للشر؛ فالنبي e - في حديث النواس t - قابل البر بالإثم ؛ وأخبر أن البر حسن الخلق ، والإثم حزَّاز الصدور ، وهذا يدل على أن المراد بـ ( حسن الخلق) هاهنا : الدين كله ، وهو حقائق الإيمان وشرائع الإسلام ، ولهذا قابله بالإثم ؛ وفي حديث وابصة t : " الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ ، واطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ ؛ وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ"رواه أحمد ؛ وقد فسر حسن الخلق بأنه البر ، فدل على أن حسن الخلق : طمأنينة النفس والقلب ؛ والإثم حزَّاز الصدور ، وما حاك فيها واسترابت به ([1]).
والبرُّ كلمةٌ جامعة تشمل الأمور الباطنة التي في القلب، والأمورالظاهرة التي تكون على اللسان والجوارح ، وآية ] لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ [الآية [ البقرة : 177 ] ، واضحة الدلالة على ذلك ؛ فإنَّ أوَّلَها مشتمل على الأمور الباطنة ، وآخرَها مشتمل على الأمور الظاهرة .
ويُطلق البرُّ على خصوص برِّ الوالدين ، لا سيما إذا قُرن بالصلة ، فإنَّه يُراد بهما بر الوالدين وصلة الأرحام ؛ ويأتي البرُّ مقرونًا بالتقوى ،كما في قول الله U: ] وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى[ [ المائدة : 2 ] ، فعند اجتماعهما - كما في هذه الآية - يُفسَّر البرُّ بفعل الطاعات ، والتقوى بترك المنهيات ؛ فإذا أُفرد أحدهما عن الآخر بالذِّكر شمل المعنيين جميعًا ؛ وهذا نظير الإسلام والإيمان، والفقير والمسكين، والإثم والعدوان .
والإثمُ يُراد به عموم المعاصي الواضحة والمشتبهة ،ويأتي مقترنًا بالعدوان ، كما في قول الله U : ] وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ والعدوان [ [ المائدة : 2 ] ، وكل منهما إذا أفرد تضمن الآخر ، فكل إثم عدوان ، إذ هو فعل ما نهى الله عنه أو ترك ما أمر الله به ، فهو عدوان على أمره ونهيه ؛ وكل عدوان إثم ، فإنه يأثم به صاحبه ، ولكن عند اقترانهما فهما شيئان بحسب متعلقهما ووصفهما ؛ فالإثم ما كان محرم الجنس كالكذب والزنا وشرب الخمر ونحو ذلك ، والعدوان ما كان محرم القدر والزيادة ؛ فالعدوان تعدي ما أبيح منه إلى القدر المحرم ، والزيادة كالاعتداء في أخذ الحق ممن هو عليه ، إما بأن يتعدى على ماله أو بدنه أو عرضه ، فإذا غصبه خشبة لم يرض عوضها إلا داره ، وإذا أتلف عليه شيئًا أتلف عليه أضعافه ، وإذا قال فيه كلمة قال فيه أضعافها ، فهذا كله عدوان وتعد ( [2] ) .
وقوله e :" الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ" أي : يطلق على ما يطلق عليه من الصلة ، والصدق ، والمبرة ، واللطف ، وحسن الصحبة والعشرة ، والطاعة ؛ فإن البر يطلق على كلٍ مما ذكر ، وهي مجامع حسن الخلق ؛ فإذا كان الإنسان حَسَنَ الخُلق مع الله بحسن الطاعة ، ومع عباد الله بحسن المعاشرة ، حصل له الخير الكثير ، وانشرح صدره للإسلام ، واطمأن قلبه بالإيمان .
وقوله : " وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ " أي : هو الشيء الذي يورث نفرة في القلب ؛ ويكره صاحبه أن يطلع عليه الناس ، والمراد بالناس - والله أعلم - أماثلهم ووجوههم لا غوغاؤهم ؛ فهذا هو الإثم فيتركه ، ذَلِكَ لِأَنَّ النَّفْسَ بِطَبْعِهَا تُحِبُّ اِطِّلَاعَ النَّاسِ عَلَى خَيْرِهَا ، فَإِذَا كَرِهْت الِاطِّلَاعَ عَلَى بَعْضِ أَفْعَالِهَا ، فَهُوَ غَيْرُ مَا تَقَرَّبَ بِهِ إِلَى اللَّهِ ، أَوْ غَيْرُ مَا أَذِنَ الشَّرْعُ فِيهِ ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا بِرَّ ، فَهُوَ إِذًا إِثْمٌ وَشَرٌّ ؛ والله أعلم .
وقال ابن رجب : في قوله : " وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ... " إشارة إلى أن الإثم ما أثَّر في الصدر حرجًا ، وضيقًا ، وقلقًا ، واضطرابًا ، فلم ينشرح له الصدر ، ومع هذا فهو عند الناس مستنكر ، بحيث ينكرونه عند اطلاعهم عليه ، وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عند الاشتباه ، وهو ما استنكر الناس فاعله وغير فاعله .
وقال في قوله e : " وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتُوكَ " : هذه مرتبة ثانية ، وهو أن يكون الشيء مستنكرًا عند فاعله دون غيره ، وقدجعله - أيضًا - إثمًا ، وهذا إنما يكون إذا كان صاحبه ممن شُرح صدره للإيمان، وكان المفتي يفتي له بمجرد ظن أو ميل إلى هوى ، من غير دليل شرعي ؛ أما إذا كان فتوى المفتي تستند إلى دليل شرعي فيجب على المرءأن يتقيد بها ، وإن لم يطمئن قلبه ، قال تعالى: ] فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [ [ النساء : 65 ] ( [3] ) .
وقوله e في أول حديث وابصة : " اسْتَفْتِ قَلْبَكَ" ، وفي آخره : " وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ " يدلُّ على أنَّ ما كان فيه شبهة وريبة ولايطمئنُّ إليه القلب أنَّ السلامةَ في تركه ، ولو حصل إفتاء الناس به ؛ وقد قيل : المؤمن وقَّاف ، والمنافق لقَّاف .
والمقصود أنَّ من كان من أهل الإيمان يخاف الله ويتَّقيه ، فإنَّه لا يُقدِم على الشيء الذي لا يطمئنُّ إليه قلبه ، وقد تكون الفتوى مِمَّن لا علم عنده ، وقد يكون مِمَّن عنده علم ، ولكن ليس في المسألة دليل بيِّن يُعوَّل عليه في الحكم ، أمَّا إذا كان في المسألة دليل من الكتاب والسنَّة فالمتعين المصير إليه .
واستفتاء القلب لا يكون من أهل الفجور والمعاصي ؛ فإنَّ من أولئك مَن قد يُجاهر بالمعاصي ولا يستحيي من الله ولا من خلقه ، فمثل أولئك يقعون في الحرام البيِّن ، ومن باب أولى المشتبه . والعلم عند الله تعالى .

[1] - انظر مدارج السالكين لابن القيم : 2 / 306 .
[2] - مدارج السالكين : 1 / 368 .
[3] - انظر جامع العلوم والحكم حديث رقم ( 27 ) .