التكييف الفقهي لمسائل تأشيرات العمالة المخالفة
دار بيني وبين أحد الإخوة نقاش حول التكيِّيف الفقهي لمسائل تأشيرات العمالة المخالفة ، وهل يسوغ في الشرع حِرمان العامل من حق الضَّرب في الأرض لطلب الرزق ،حتى ولو كان مُخالفا ؟!

وقد سَنح فكري قبل أيام في المهلة التصحيحية التي منحتها وزارة العمل للمخالفين لأنظمة الاقامة ، فكان ذلك النقاش من موافقة المنقول للمعقول ! .

وأنظمة العمل هي من تقنين البشر لكنها منوطة بالمصلحة ، وبعضها له أصل في الشرع من حيث الوجوب والتحريم .وقد نصت القاعدة الأصولية على أن ازدحام المصالح والمفاسد يوجب الترجيح . فلا يجوز اطلاق حكم عام بدون معرفة مواضع الترجيح في المسائل ودليلها إن أمكن .
وهذه المسألة من الدقائق التي يجب التفطُّن لها ، فليس كل ما كرهته النفوس يكون حراماً ، والعكس بالعكس .

والسؤال المذكور أعلاه له نظائر مُتعلِّقة بأحكام العمال ، فهم كالطيور المهاجرة التي تلقط الحبَّ من الأرض ، وبعضها تدَّخره لموسم الحصاد ! .

• ومن المسائل المهمة أيضًا مما له تعلُّق بطلب التكيِّيف الفقهي :
أ- حكم تشغيل ونقل وإيواء الوافد المُخالف .
ب- حكم ابتزاز الكفيل الأول للعامل أو مساومة الكفيل الجديد، أو كلاهما عند نقل الكفالة .
ج- غرامة من يُوظِّف من لا يعمل تحت كفالته .
د- غرامة نقل الكفالة من الأفراد إلى المؤسسات .
ه- حكم استقدام العمالة لغير العمل الحاضر .
و- حكم رفع رسوم العمالة الوافدة .
ز- حكم حِرمان العمالة من السفر الاختياري أثناء العمل عند الكفيل .
ح- بيع التأشيرات بنوعيها : الحره ، والخاصة .
ط- حكم إلغاء الكفالة الفردية .
ي- حكم ممارسة العامل للتجارة لحسابه الخاص بلا إذن .
ك- الحكم في استخراج تأشيرات لمؤسسة وهمية ثم بيع تأشيراتها بأضعاف ثمنها .
ل- حكم تحصيل مبالغ شهرية أو سنوية من العمالة السائبة .

المتفق عليه في الشرع أن أنظمة العمل يُراعى فيها صحة العقود وضبط الحقوق والاشهاد على ذلك . وهذه البنود الثلاثة هي التي ضاعت بالتفريط فيها كثيرٌ من أموال أصحاب الأعمال ومكفوليهم .

في جميع أنظمة العمل في العالم الإسلامي وغير الاسلامي لا يمكن ضبط خلافات العمال مع مُشغِّليهم إلا بضبط الحقوق والإشراف على العقود ، وهو الاشهاد والرقابة ، وقد جاء في الشرع ما يدل على ذلك .

بعض الناس يُنادي اليوم بالغاء نظام التأشيرة مطلقاً ، ويحتج على ذلك بأنه نظام دخيل زرعه الاستعمار بعد سقوط الخلافة الاسلامية العثمانية ! .

وهذا التأصيل لو تم إقراره وتعميمه ، لانتشرت الجريمة في البلاد الاسلامية أكثر مما هي عليه اليوم ، وهو مخالف للقوامة وحق الولاية التي منحها الله لمن بيده اصلاح البلاد والعباد ، وهو باب يلج منه أهل الفساد لنشر الباطل وتهريب المجرمين بلا حسيب ولا رقيب .
حِرمان الناس من طلب الرزق في البلاد بسبب الولاية لا يجوز شرعاً ، وفتح أبواب البلاد بلا ضابط شرعي لا يجوز لا شرعا ولا عقلاً .

والتأشيرة فقهيًا هي تصريح يأذن لصاحبه بالدخول إلى البلد للتجارة أو الزيارة أو لغرض آخر مباح ، وهذا التصريح فيه ضمان لحامله بالأمن ودليل على سلامة نيته ابتداءاً .

وتقييد التأشيرة أو تقنينها في وقتٍ دون آخر جائز شرعًا ، وهي من لوازم السياسة الشرعية ، والنظر الشرعي يُحتِّمه، كإذن صاحب البيت لمن طرق بابه ، وعدم الإذن لغيره في وقت آخر ، وصاحب البيت في هذه المسألة هو الحاكم وأهل البيت هم رعيته ، وطارق الباب هو الغريب الذي لا يُعرف حاله ومآله .

وقد قال الله :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ "( النور:27 ) .

قال ابن جِزِّي (ت:741هـ ) تعالى :" هذه الآية هي أمرٌ بالاستئذان في غير بيت الداخل ، فيعم بذلك بيوت الأقارب وغيرهم " .

وإذا كان الرسول قال :"إنما جُعل الاستئذان من أجل البصر" أخرجه البخاري ، فكيف بمن يستأذن ليصول ويجول في البلاد من غير مراعاة للشرع والعرف في الغالب ، فهذا يُسوِّغ للحاكم تقنين هذا الإذن بسبب المصلحة وسدَّا للذريعة .

وبيع التأشيرات الذي عمَّ وطمَّ اليوم هو من بيع ما لا يُملك ، والتأشيرة كفالة والكفالة لا يجوز الاسترباح فيها، لأنها من عقود الارفاق .
والتأشيرة ليست محلاً للعقد حتى تُباع وتشترى ، فليست بمالٍ متقوّم شرعاً، فالمبيع لا بد أن يكون مالاً، أو حقًّا متعلقًا بمال .

وهي أيضاً من المتعذر تسليمه ، فلا يصح بيعها . ولو بيعت فحكم البيع باطل ، ويجب ردُّ المال لأصحابه الأصليين ، وآكله إن لم يتب آكلٌ لأموال الناس بالباطل .

والمال المأخوذ عِوضا عن الكفالة من كفلائهم حرامٌ اجماعا ، لأنها حق خاص أُخذ بالغَلبة .
وقد أجمع العلماء على تحريم أخذ الأجرة على الضمان . والكفالة من عقود التبرعات فلا يجوز اخذ العوض عليها .

فهذه المسائل المتعلِّقة بالعمال سواء المخالفة أو السائبة ، بما فيها الغرامات والاجراءات ،منوطة بالمصلحة الراجحة التي يُقرِّرها الشرع ويأمر بها مَن بيده الولاية ، بشرط عدم الاضرار وبخس الحقوق .

ويجب على العامل معرفة عقود البلد قبل الدخول إليه ، ولا يُلزم أحدٌ بعقد لم يقبل به ، وقد نصت القاعدة الفقهية أنه لا يجوز تناول الحرام ما دام الوصول إلى الحلال مُمكنا . وإذا كان كثير من الناس يعجز عن النظر في مصالحه ، فإن الولي الشرعي ينظر فيها نيابةً عنه ،ويكفيه مؤؤنة الوقوع في الإثم .

والحق أن كثيراً من مسائل تأشيرات العمالة المخالفة المتعلِّقة بحقوقهم المالية عند كُفلائهم أو عند وزارة العمل التي منحتهم العقود ، يشوبها كثير من اللبس والغموض ويخالطها المتشابه الذي يتردَّد بين الحِل والحُرمة .

وقد أعجبتني فتوى لابن تيمية (ت: 728هـ) برَّد الله مضجعه، عندما سُئل عن مدينة لا يُذبح فيها شاة إلا ويأخذ المكَّاس سقطها ورأسها وكوارعها مكسًا ،ثم يضع ذلك ويبيعه في الأسواق، وفي المدينة من لا يمتنع من شراء ذلك وأكله من أهل المدينة وغيرهم ، وليس يباع في المدينة رؤوس وكوارع وأسقاط إلا على هذا الحكم ولا يمكن غير ذلك ! .

فأجاب : "هذه حُكمها حكم ما يأخذه الملوك من الكُلف التي يضربونها على الناس ، فإن هذه في الحقيقة تؤخذ من أموال أصحاب الغنم الذين يبيعونها للقصَّابين وغيرهم ; فإن المشتري يحسب أنه يؤخذ من السواقط فيسقط من الثمن بحسب ذلك ! .
وهكذا جميع ما يؤخذ من الكُلف فإنها وإن كانت تؤخذ من المشتري فهي في الحقيقة من مال البائع ، وهذه الكلف دخلها التأويل والشبهة .،ومنها ما هو ظلم محض ولكن تعذر معرفة أصحابه ورده إليهم فوجب صرفه في مصالح المسلمين .

والمظلوم له أن يطالب ظالمه بالثمن الذي قبضه إن شاء وبنظير ماله ، والتورُّع عن هذا من التورع عن الشبهات ، ولا نحكم بأنها حرام محضٌ ،ومن اشتراها وأكلها لم يجب الإنكار عليه ولا يقال إنه فَعل محرما لا تأويل فيه" .

هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

أ/أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي
عضو هيئة التدريس بقوات الأمن الخاصة

(منقول)