سورة الملك
سورة خُصّت عن مثيلاتها أنها تنجي قارئها من عذاب القبرِ –بإذن الله تعالى-، والمتأمل في معانيها يجد أنها تبعث الأمل في نفس قارئها، فلذلك تقرأ كلّ ليلة، لتجدد هذا الشعور فيه.
تبتدئ بثناء على الله مبينةً أنَّ الملكَ بيده وأنَّه على كلّ شيء قدير، ثم تبرزُ لك بعض مظاهر تلك القدرةِ: خلق للموت والحياة لغاية وهدف، خلق للسموات والأرضِ بإتقان وإحكام.
وبعد ذكر أحوال الهالكين الخاسرين يوم القيامة فإنّ المؤمن يحزن ويخاف بطبيعة الحال، فتأتيه تلك الآية التي تبعث في نفسه الطمأنينة وترفع عنه ذاك الهمّ "إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ".
ثمّ لاحظ كيف أنّه بيّن أنه عليم بذاتِ الصدور، وأنه هو اللطيف الخبير، وأنّه بكلّ شيء بصيرٍ، فحسبُك أن تعلم أنّ الله عزّ وجلّ يعلم الهمّ الذي يضيقُ بهِ صدركَ، وأنّه خبير بكلّ أمورك، وأنه هو اللطيف بعباده، حسبك من كل هذا أن ترتاح وتقول: إنه لا يخفى عليه شيء من همومي سواء ما كان منها ظاهراً أم خافياً، وإنه لطيفٌ بعباده وأنا من عباده، فلن أستبطأ الفرج... خاصة إذا علمتُ أنّه لا أحد ينصرُ ويرزقُ إلا هو.. "أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ" " أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ"
وشكرُ الله تعالى من أعظم الأسباب التي تُقيّدُ بها النّعم، فيأتي في السورة بيان لنعم عظيمة سمع وبصر وفؤاد، معقباً إياها بتنبيه على أنّ الإنسان قليل شكرِ النعمِ، فتتخذ –أيها القارئ- هذا التنبيه موضعاً تقف عنده لتسجل شكراً له على كل ما أسداه لكَ من نعمٍ، وما أكثرها .!! وتكون بهذا كسبت رضا الله تعالى عنك، وقيدتَ نعم الله تعالى عليك.
وبعد هذا يأتي تلقين منه للنبي ّ أن يجاهر أنه آمن بالرحمن ربا واتخذه وكيلا.
ثمّ تختمُ بسؤال جوابه معلوم يعرفه من قرأ السورة من أولها: قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً، فمن يأتيكم بماءٍ معينٍ؟ فيردُّ القارئ: الذي بيده الملكُ وهو على كلّ شيء قدير... أرأيت كيف أن هناك علاقة بين أول السورة وآخرها؟
وهكذا يكون الجواب في كل مرة تراودك الأسئلة المحيرة المحزنة:
من الذي يغفر ذنوبي؟ الذي بيده الملكُ وهو على كلّ شيء قدير...
من الذي يقضي حوائجي؟ الذي بيده الملكُ وهو على كلّ شيء قدير...
من الذي يكشف همومي إذا اشتدت عليّ؟ الذي بيده الملكُ وهو على كلّ شيء قدير...
من الذي يعينني في دراستي؟ الذي بيده الملكُ وهو على كلّ شيء قدير...
ومن الذي يصرف الشرّ عنّي؟ الذي بيده الملكُ وهو على كلّ شيء قدير...
وكلّما عرض لك ما يعكّرُ صفوكَ..فاجعل "الذي بيده الملكُ وهو على كلّ شيء قدير..." طارداً له. وهكذا فإنك تستبشر بغد أجملَ متوكلا على "الذي بيده الملكُ وهو على كلّ شيء قدير"... فتحسنَ الظنَّ بربّك فتنام قرير العين هانئ النفسِ، وإذا مُتَّ فإنك تموت محسناً الظنَّ بالله ... "وأنا عند ظنّ عبدي بي"، فلعل هذا الظنّ الحسن به عزّ وجلّ هو سبب النجاة من عذاب القبرِ !!!.