: بسم الله الرحمن الرحيم


وبعد :

ما كنت أود التطرق لهذه الآية لعدة أسباب منها أن الأمم سبقتنا بركب الحضارة ونحن ما زلنا ومنذ ألف سنة وأكثر محبوسين في إطار حلالية تلك البقعة من حرامها ! أو في إطار (هل القرآن مخلوق أم لا) وغيره ، ومنها أن هذا الموضوع مشبع ومن العبث التطرق إليه مجددا إلى أن سألني سائل السؤال التالي: لماذا تحرمون ما أحل الله والأصل في الأشياء الإباحة؟ فقلت: كيف؟قال: ألم يقل الله (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) قلت : بلى فقال : إذن في الآية إباحة دبر الزوجة للزوج . فكان لزاما علي أن أضع حدا لهذا الجدل .

أعرف السائل وأعرف شدة جداله وقوة حجته وقد تناقشنا من قبل في هذا الموضوع فهو لا يقتنع بالأحاديث وسيردها إما بأحاديث أخرى أو سيضعفها أو سيقول عندي نص قرآني غير منسوخ ، وإن قلت له: الحرث ومكان الحرث والزرع وما جاء في التفاسير أو ( فأتوهن من حيث أمركم الله ) أو (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم) من الإعفاف والمتعة والولد (١) فسيقول: أرأيت إن وضع الزوج شهوته في مكان آخر من جسد الزوجة مما ليس مكانا للزرع أليس له ذلك؟ .

هداني الله لرد حجته بحجة أقوى فسألته: أنت تريد أن تفهم أم تريد أن تجادل?. فأجاب محرجا أريد أن أفهم فقلت له لنتفق أولا على الغائط! فقال: ومالنا وللغائط? قلت له هل الغائط في نظرك أذى أم لا? فألجم ساعة ولم يرد فبادرته أما أن تقول إنه أذى أو أمرتك بأكله فالأصل في الأشياء الإباحة فرد مسرعا بلى إنه أذى فقلت: جيد . والآن لنسرد الآيات ونفهم المعاني:
قال تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ( ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين . نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين).

كل ما يهمنا هنا أنهم سألوا عن حكم إتيان النساء أثناء الحيض وربما رأى بعضهم أثناء السؤال للنبي عليه الصلاة والسلام أن في هذا الدين الجديد حكم إباحة لاستدبار النساء أثناء الحيضة فكان الجواب بأنه أذى فاعتزلوا النساء في أثناء الأذى وبما أن الدبر مكان للأذى المتصل فكيف يمكن إجازة تحويل الرحل من مكان أذيته مؤقته إلى مكان أذيته دائمة ومتصلة وفي آية (فاعتزلوا النساء في المحيض) أي فاعتزلوا النساء في أذى الحيض جواب كافي وشافي لاعتزال النساء في أماكن الأذى والقرآن مشهور بالكناية لمن أراد أن يفهم .
فقال محدثي ولماذا لم يقل : ( فاعتزلوا النساء في الأذى بدل فاعتزلوا النساء في المحيض ) ؟. فقلت: أولا كلمة الأذى كلمة عامة تشمل الأذى الحسي والمعنوي ألم تسمع قوله تعالى: ( ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن ) ، وقوله : ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية . . ) وعليه على كلامك سنعتزل النساء لو أصابهن أي أذى بالإضافة للأذى المقصود ، أيضا سيتغير المعنى إلى اعتزال النساء كلية أثناء الأذى بمعنى لا تأكلوا معهن ولا تقربوهن ولا تنامون معهن بل ولا تلمسوهن حتى يطهرن . بينما بقوله: ( فاعتزلوا النساء في المحيض ) ففيه تخصيص أي اعتزلوا مكان الأذى حتى يطهرن ، وبما أن الدبر لا يمكن أن يطهر فعليه وجب اعتزاله دائما .

الخلاصة أن الآية تخاطب وبطريق مباشر الفطرة السليمة التي تأبى الأذى فطريا ومع ذلك لم تغفل مخاطبة من سيفهمون مثل فهمك فقالت الآية ( فأتوهن من حيث أمركم الله ) وإلا لا معنى لهذه الفقرة من الآية إذا كان هناك إباحة للوطأ في مكان آخر هو في الأصل أذى . والله أعلم .

طبعا أنا اختصرت التفسير وما قاله المفسرون في هذه الآيات على اعتبار أن القارئ ملم بتفسير هذه الآيات أو إنه يستطيع أن يلم به في دقائق معدودة فليعذروني عن التقصير .

(١) لي ملحوظة على ما قاله المفسرون ومنهم الشوكاني في آية ( فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم ) فقد قيدوا (الإبتغاء) بطلب الذرية فقط وهذا ناقص فالمرأة تنكح للإعفاف وللمتعة وللولد فهناك الصغيرات اللاتي لم يحضن وهناك اللاتي بلغن سن اليأس وهناك العقيمات وهناك الحاملات وهؤلاء لا ينكحن للولد . والله اعلم .