الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه
الأسلوب القرآني (قل أرأيتم) خوطب به كفار مكة ، والاستفهام للتوبيخ ، وجاء على صيغة احتمال ، ليضعهم أمام الأمر الواقع ، وليستفز عقولهم وقلوبهم لعلهم يرجعون . وهو ضرب من ضروب الدعوة بوجه آخر من وجوه الاحتجاج كما ذكره المفسرون .
ولنتأمل في هذه النماذج الأسلوبية :
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَـهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ [الأنعام:46]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ [القصص:71]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [القصص:72]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [فصلت:52]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الأحقاف:10]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الملك:28]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ [الملك:30]
من خلال هذا البيان أردت أن أتطرق إلى الآية 10 من سورة الأحقاف ، هذه الآية التي اختلف فيها المفسرون بين كونها مكة أو مدنية . وبدون أن نعرج على أقوالهم في ذلك أردت أن ألفت النظر إلى هذا الإشكال المختلف فيه،فإذا اعتبرنا أنها تابعة للأسلوب القرآني الذي أشرت له سابقا ، وأنها تشير إلى حالة محتملة أمام كفار قريش . هذه الحالة تتلخص في إعراضهم عن القرآن في الوقت الذي سيؤمن به غيرهم من أهل الكتاب . وحينئذ تكون خسارتهم لا تقدر بثمن . وهذا توبيخ صريح في حقهم .
لذلك نجد أن الطبري يؤكد ذلك في تفسيره لهذه الآية : " والصواب من القول في ذلك عندنا أن الذي قاله مسروق في تأويل ذلك أشبه بظاهر التنزيل، لأن قوله: قُلْ أرأيْتُمْ إنْ كانَ مِنْ عنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَني إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ في سياق توبيخ الله تعالى ذكره مشركي قريش، واحتجاجاً عليهم لنبيه ، وهذه الآية نظيرة سائر الآيات قبلها"
إلا أننا نجد الطبري رغم ذلك يقف حائرا بين هذا الذي يقول به وبين الروايات التي تثبت أنها نزلت في الصحابي الجليل عبد الله بن سلام فيقول : " غير أن الأخبار قد وردت عن جماعة من أصحاب رسول الله بأن ذلك عنى به عبد الله بن سلام وعليه أكثر أهل التأويل، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن، والسبب الذي فيه نزل، وما أريد به، فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك، وشهد عبد الله بن سلام، وهو الشاهد من بني إسرائيل على مثله، يعني على مثل القرآن، وهو التوراة، وذلك شهادته أن محمداً مكتوب في التوراة أنه نبيّ تجده اليهود مكتوباً عندهم في التوراة، كما هو مكتوب في القرآن أنه نبيّ. "
خلاصة :
من خلال هذا الإشكال ، ألا يحق لنا أن نخلص إلى أن الآية مكية وأنها نوع من أنواع الاحتجاج على كفار قريش ، وأنها قيلت فيهم توبيخا لهم . وبعد ذلك وقعت أجرأتها قرآنيا من خلال الصحابي الجليل عبد الله بن سلام في المدينة .

والله أعلم وأحكم