بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وسلم تسليما

أواصل مشارككم بمعجم معاني كلمات القرآن وحروفه.. لمؤلفه أخي الحبيب الحسن محمد ماديك..

يقول أخي الحبيب الحسن محمد ماديك

إن من تفصيل الكتاب المنزل أن الغفلة من المخلوق هي غياب الدراية والعلم كما في قوله:
ـ ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ يوسف
ـ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ الشورى
ويعني أن عدم دراية الكتاب والإيمان هي الغفلة عما فيهما من العلم والبينات والهدى.
ووقع الوصف بالغفلة على نفي الشعور والعلم سواء كان بسبب خلو البال أو الانشغال بأمر آخر، ولقد كان العرب قبل القرآن غافلين عما فيه من الذكر والوعد والغيب كما في قوله ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ الأنعام.
وإن من المحصنات لغافلاتٍ خلا بالُهن خُلوّا من التفكير في الفواحش، ولكأنّ القوم في عاصمة فرعون كانوا في قيلولة أو نحوها لم يخطر ببالهم أن غلاما من بني إسرائيل سيقتل رجلا من آل فرعون، وخاف يعقوب على يوسف أن يأكله الذئب أثناء انشغال إخوته عنه باللعب، وكلّف الله المؤمنين وهم في مرحلة الدفاع خاصة أن لا ينشغلوا عن أسلحتهم وأمتعتهم فيسارع الذين كفروا إلى النيل منهم وهم غافلون أي منشغلون عن الاستعداد للدفاع.
وتضمن تفصيل الكتاب المنزل إثبات غفلة الأصنام عن دعاء المشركين استغاثة بهم.
ولقد اتخذ بعض الظلمة شركاء يدعونهم ويستغيثون بهم يسألونهم الحوائج ودفع الضر وجلب النفع، وإن من المستغاث بهم من لم يجمعهم عصر ولا مصر مع المشركين وإن من المستغاث بهم ملائكة ونبيون ورسل وآخرون لا يرضون لحظة واحدة أن يتخذوا أولياء من الله، ولقد وصف القرآن حال الفريقين في المثاني:
ـ ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ الأحقاف
ـ ﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم مَّا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ يونس
ولقد ابتليت بمجالسة أحد هؤلاء العوام الجهلة وهو لا يميّز إعراب الفاعل من المفعول، بل لقد تذكرت بحاله ولسانه كلية كبرى في القرآن تتلخص في تقسيم المكلفين إلى طائفتين إحداهما تزداد إشفاقا وإخباتا وخوفا من ربها كلما تزكّت بالطاعات، وثانيهما تزداد عُجْبًا مُتشبعةً بما لم تعط من الصلاح والولاية كما زعم اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه وخاصته ...
أخبرني ذلك العامي عن نفسه أنه من أولياء الله وأن علامة ولي الله أنه يبصر ببصره كل شيء في الكون حتى النملة ولو في الصين يطلع على رزقها وحركاتها، وأنه يتمكن من الحضور في سبعة مواضع في آن واحد، والله المستعان.
وتقع الغفلة على الإعراض والإهمال وكذلك أكثر الناس هم غافلون عن الآخرة وفي غفلة من الحساب والعقاب، وغفل بنو آدم عن الميثاق الذي أخذه ربهم منهم حين كانوا ذرية في ظهور آبائهم وسيتذكرونه يوم القيامة فيعترفون بغفلتهم عنه.
وإن آيات ربنا في تفصيل الكتاب المنزل لهي الآيات الخارقة للتخويف والقضاء وأعرض عنها وأهملها الملأ من قوم فرعون فعوقبوا في الدنيا كما في قوله ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ الأعراف، ولتقعنّ الغفلة عن مثلها في آخر الأمة كما في قوله ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ﴾ وتعني تلك الغفلة الإعراض عنها كما في قوله ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا وُهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾.
ويا ويح الذين يكذّبون بآيات ربهم ويغفلون عنها إذ نبّأ الله موسى حين كلمه وآتاه التوراة بعد هلاك فرعون أن سيصرف عن آياته الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق يتبعون سبيل الغي ولا يؤمنون بسبيل الرشد وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها.
وللغافلين عن تدبر الكتاب المنزل ـ بإعراضهم أو انشغالهم ـ قلوب لا يفقهون بها الهدى منه ولا يبصرونه بأعينهم ولا يعقلونه وهم يسمعون آيات الله تتلى عليهم فكانوا كالأنعام التي لم تكلف بتدبرها بل هم أضل وأغفل إذ عاقبهم الله بالطبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم فلا يتأتى لصاحبها توظيفها في سبل الخير والهداية كذلك من عاقبه الله فأغفل قلبه عن ذكره واتبع هواه وانفرط أمره ولقد حرّم الله في الكتاب المنزل على النبي والمؤمنين معه طاعة الغافل عن ذكر ربه.
ووعد الله في القرآن الغافلين عن آيات ربهم أن يأويهم في النار .
إن قوله ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ليقع على يوم موعود في الدنيا بعد نزول القرآن وهو يوم الحسرة الذي سيقضي الله فيه قضاء والناس في غفلة وهم لا يؤمنون وهو يوم متأخر عن يوم كان القرآن يتنزل والظالمون الذين عاصروه في ضلال مبين، وسيأتي بعد يوم الحسرة الموعود في الدنيا يوم يأتي الناس ربهم للحساب.
تلك ثلاثة أيام تضمنها حرف مريم ومن المثاني مع اليومين بعد نزول القرآن قوله تعالى ﴿وَهُوَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورٍ﴾ الأنعام، ويعني أن قضاء الأمر يوم الحسرة في حرف مريم هو يوم يقول الله كن فيكون قوله الحق كما في حرف الأنعام ، وكذلك يوم يأتي الناس ربهم للحساب سامعين مبصرين لا ينكرون الغيب كما في حرف مريم هو في يوم ينفخ في الصور في حرف الأنعام، وكذلك اجتمع اليومان الموعودان في سورة الفرقان.
وإذا اقتربت الساعة سيأتي الناس ذكر محدث من ربهم بالآيات الخارقة للتخويف والقضاء وسيستمع الناس إليه وهم في غفلة معرضون عنها.
وقبل إهلاك القرى الموعود في الدنيا ستتم تذكرة القرى بالآيات الخارقة للتخويف والقضاء ﴿ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾.
وإذا اقترب الوعد الحق وشخصت أعين الذين كفروا في الملائكة تنزل بالعذاب سيقولون ﴿يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.
وكلّف الله النبي الأمي بقوله ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَة ًوَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾.
وحيث وقع في تفصيل الكتاب المنزل نفي الغفلة عن الله ربنا فاعلم أن المكلف المخاطب سيحاسب ولن يترك سدى وكذلك دلالة قوله :
ـ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ الفلاح
ـ ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ إبراهيم
ـ ﴿َسُيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ النمل
ـ ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
ونحوها.

الحسن محمد ماديك

يغفر الله لي ولكم
عمارة سعد شندول