رمضان حياة

[align=justify]الحياة كلمة جميلة، جُبلت النفوس على محبتها، "فكلنا يكره الموت"، لكن هذه الكلمة غالباً ما تنحصر عند كثيرين - عند سماعها - بحياة الأبدان ونعيمها، بيد أن نصوص القرآن والسنة، مع عنياتهما بمقومات حياة البدن؛ إلا أن عنايتهما بحياة القلب أعظم وأشد:
فقوت الروح أرواح المعاني وليس بأن طعمتَ ولا شربتا
ومن هنا تبوأت العبادات القلبية مكانتها العالية في الشريعة، فرُكن الإحسان، وأركان الإيمان الستة، كلها عبادات قلبية، فضلاً عن بقية أعمال القلوب التي لا يعمل تفاصيلها إلا الله.
وما مواسم الخير - ومن أجلّها رمضان - إلا نفحة من نفحات الرب الكريم؛ لتحيا القلوب بعد موتها، وتتعافى بعد مرضها، وتزداد حياة مع حياتها؛ لذا فإن الموفَّقين من عباد الله، من يبحثون بجِد عن جواب هذا السؤال: كيف يكون ""رمضان حياة""؟
لقد ارتبط رمضان بالقرآن، والقرآن برمضان؛ فكانت الحياة!
حياة الدنيا كلها منذ نزلت أول خمس آيات من القرآن: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ[العلق: 1 - 5]، وتَتابع الوحي، حتى اكتملت به الهداية، وتمت به النعمة.
وكانت حياة القلوب: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام: 122] فاهتدت بالنور، وخرجت من رحم الظلام، ودياجير الجهل؛ فكانت الحياة.
إذاً .. فرمضان لم ولن يكون حياً إلا بارتباط القلب بأصل حياته: وهو إقباله على ربه، وإخباته وخضوعه، ولن يتم هذا على الوجه الأكمل بدون التعلق بهذا القرآن: تلاوة وتدبراً.
ولك أن تتأمل في مشهد من مشاهد الحياة في هذا الشهر العظيم، الذي لخّصه الفقيه الجليل، والصاحب الجليل عبدالله ابن عباس - - بقوله: «كان النبي أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه النبيُّ القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة».
هكذا، تلاقى أفضل رسولٍ مَلَكي مع أفضل رسولٍ بشري؛ ليتدارسوا هذا القرآن العظيم، فكانت الثمرات العظيمة، ولكلّ متأسٍ بهما نصيب من هذا الأثر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
سيكون ""رمضان حياة"" حينما نستشعر معنى وقوفنا بين يدي ربنا في صلاة التراويح، ونحن نستمع لكلام الله، وبقلبٍ مفتوحٍ يتلقى رسالاتِه، ويشعر أنه هو المخاطب بكل آية تقرع أذنه.
سيكون ""رمضان حياة"" حينما تمتد أيدينا لتساعد محتاجاً، وتغيث ملهوفاً، ونبادر بذلك قبل أن يَسأل المحتاج؛ حفظاً لماء وجهه مِن ذلّ السؤال، ومرارة مدّ اليد.
سيكون "رمضان حياة" حينما تَصِل ما انقطع من حبالٍ بينك وبين قرابتك؛ بكلمة طيبة، أو هدية ماسحة لغبار الهجر؛ لتحيي بذلك ما اندرس من معاني الصلة والمودة، وتغيض الشيطان الذي يفرح بالتحريش بين المؤمنين:وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا[الإسراء: 53].
سيكون "رمضان حياة" حينما تهتبل ساعات الصفاء، ولين القلب؛ لترفع يديك بالدعاء لنفسك، ولمن له حق عليك من والد ومعلم ومحسنٍ سبق إليك إحسانُه، ولإخوانك المسلمين في كل مكان، خاصة مَنْ كان يعاني ما يعاني مِن ظلمٍ وجورٍ وتهجيرٍ وقتل، فلذلك لذة يجدها الإنسان، ويذوق معها معنى من معاني حياة القلب، فهو يدعو ولا ينتظر جزاء ولا شكوراً، بل هو ساعٍ في تحقيق العبودية لله بالدعاء، وتحقيق ما دل عليه قوله - في الحديث المتفق عليه -: ((ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم؛ كمثل الجسد، إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى))([1]).
سيكون "رمضان حياة" حينما نشعر بأن قلوبنا فقيرة إن لم تغتنِ بالقرآن، وأنها مريضة إن لم تستشفِ بالقرآن، وضالة إن لم تهتد بالقرآن، وميتة إن لم تحيَ بالقرآن.
وإن من الغبن البيِّن أن يكون رمضان وغيره من الأشهر سواء! حين لا يكون رمضان لنا حياة!

[line]-[/line]
([1]) البخاري ح(6011) واللفظ له، مسلم ح(2586).[/align]