(العجاب في بيان الأسباب)
للحافظ ابن حجر العسقلاني
في طبعته الثالثة

عبد الحكيم الأنيس

[align=justify]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين, والصلاة والسلام الأتمّان الأكملان على سيدنا محمد خاتم النبيين, وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعدُ: فيسعدني أنْ أكتب هذه السطور بين يدي الطبعة الثالثة من هذا الكتاب "العُجاب في بيان الأسباب" للحافظ ابن حجر العسقلاني ورضي عنه، وجزاه عن جهوده في خدمة العلم والدين أفضلَ ما جزى العلماءَ العاملين.
ومخطوطةُ هذا الكتاب الوحيدة ترقدُ في خزانة ابن يوسف بمراكش, وقد حصلتُ على صورةٍ منها من الأستاذ الشيخ صبحي السامرائي البدري, وهو معروفٌ بأياديه البيض على طلاب العلم , أحسن اللهُ إليه, وأتمَّ نعمته عليه.
وقد قمتُ بتحقيق هذا الكتاب ودراسته والتقديم له في رسالة علمية في مرحلة الدكتوراه, في كلية العلوم الإسلامية بجامعة بغداد، ونُوقشت الرسالة يوم الثلاثاء 16 من جمادى الأولى سنة 1416هـ الموافق 10/ 10/ 1995م, وحصلتْ على درجة امتياز مع التوصية بطبعها وتبادلها بين الجامعات, وتألفتْ لجنة المناقشة من العلماء الأجلاء:
· الأستاذ الدكتور حارث سليمان الضاري رئيســاً
· الأستاذ الدكتورحمدعبيدالكبيسي عضواً
· الأستاذ الدكتور محسن عبد الحميد عضواً
· الأستاذ الدكتور حاتِم صالح الضامِن عضواً
· الأستاذ الدكتور هاشم عبد المشهداني عضواً
· الأستاذ الدكتور مُحيي هلال السَّرْحان مشرفاً
وقد طُبع الكتاب, وصَدَرَ عن دار ابن الجوزي في الدمام بالمملكة العربية السعودية سنة (1418_1997م), ثم صدرتْ طبعتُه الثانية سنة (1426هـ).
ولابُدَّ من القول أنَّ النسخة الخطية التي عملتُ عليها كان فيها سوءُ تصوير أدّى إلى طمسٍ وبياضٍ وإسقاطٍ لعدد من الحواشي التي كتبها الناسخ.
وكنتُ علمتُ بوجود نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة فكتبتُ إلى شيخنا العلامة الأستاذ الشيخ محمد عوامة _حفظه الله وأمده بالصحة والعافية_ أرجو تصويرَ بعض الصفحات التي كانت مستغلقة عندي. وتكرّم الشيخُ فأمر أحد أنجاله بتحصيلها, وقد ساعدتني في حلّ المشكلات التي كانتْ في نظيراتها.
ثم أكرمني اللهُ بزيارة المغرب الحبيب, وزرتُ مراكش, وكان من أمنياتي زيارة مسجد المواسين الذي وُقفتْ نسخة العجاب فيه سنة 1321هـ , وزيارة خزانة ابن يوسف التي نُقل الكتابُ إليها. وكان لي ذلك بلطفٍ كبيرٍ من الأستاذ الدكتور أحمد شوقي بنبين مدير الخزانة الحسنية بالرباط.
وفي خزانة ابن يوسف أُخرج لي الأصلُ المخطوط, ونقلتُ الحواشي التي لم تظهرْ في مصورتي, وراجعتُ بعضَ المواضع بما اتسع له الوقت.
وكان قد رُمِّم ترميماً سيئاً, وغُلِّفت صفحاته بجلدٍ شفافٍ فأصبح تصويرُه صعباً, وقُطعت أطراف النسخة فذهب مع القطع أطرافٌ من الألحاق.
ورأيتُ بعدُ أنّه لابُدَّ من تحصيل مصورة كاملة لمراجعة العمل _وقد شذَّتْ نسختي الأولى عني وبقيتْ في بغداد وحالت الأيامُ دونها _، ويسَّر اللهُ لي ذلك إذ رأيتُ نسخة منه في مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي, فصورتُها, وراجعتُ فيها جميع المواضع التي كنتُ قد كتبتُ أنَّ فيها طمساً وسوءَ تصوير, واستفدتُ منها كثيراً وملأتُ عدة فراغات, على صعوبة المراجعة إذ هي مصورةٌ تصويراً قديماً.
ومن الفوائد المهمة الغالية اكتشافي ورقة سَقَطَ تصويرُها من مصورة الأستاذ صبحي السامرائي, وهي الورقة (171_ 172). وكنتُ أظنُّ سقوطها من الناسخ كما قلتُ في الحاشية. والله المستعان.
ومن اللطائفِ التي وقفتُ عليها في الحواشي التي لم تظهر في التصوير سابقاً أنه إذا وقع سهوٌ في آية فإنّ الناسخَ يدعُهُ كما هو, ويكتبُ في الحاشية:" نظم القرآن..." ويورد الآية على الصواب. وهذه مبالغةٌ في الدقة وأداء النص كما هو.

وقد قرأتُ الكتاب بمقدماته وتعليقاته مِن جديد, فزدتُ ونقصتُ, وصححتُ ونقحتُ، واستدركتُ ما ندَّ عن المصحِّح في الطبعتين - وقد طُبع ولم يتيسر لي النظر فيه قبل توزيعه-. وأضفتُ إليه فوائد وضبطاً, وعدَّلت في عدد من التعليقات، ورجعتُ إلى كتبٍ طُبعت بعد ذلك التاريخ , وكنتُ قد راجعتها مخطوطة, أو لم أصل إليها, أو قد ظهرتْ لها طبعاتٌ محققة, أو كاملة, فوثّقتُ النقول من المطبوع منها:
فمِنْ كتب التفسير وعلوم القرآن في ذلك:( تفسير عبد الرزاق الصنعاني, وفضائل القرآن, والناسخ والمنسوخ لأبي عبيد القاسم بن سلّام, وأحكام القرآن لإسماعيل القاضي, وتفاسير الطبري, وابن المنذر, والثعلبي, ومكي بن أبي طالب, والوسيط للواحدي, والتلخيص للكواشي).
ومن كتب السنة:( سنن سعيد بن منصور, وجزء لوين, والسنن الكبرى للنسائي, ومسند الروياني, وشرح مشكل الآثار للطحاوي, وفوائد الرفاء, والمعجم الأوسط للطبراني, والجمع بين الصحيحين للحميدي).
ومن كتب التاريخ والرجال:( أخبار مكة للفاكهي, ومعرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني, وتاريخ مدينة السلام للخطيب, وتاريخ دمشق لابن عساكر, ودرر العقود الفريدة للمقريزي, والمجمع المؤسس, والمعجم المفهرس لابن حجر, وعنوان الزمان بتراجم الشيوخ والأقران للبقاعي) وغيرها.
وقد كشفتْ هذه المراجعات عن تحريفات, وحلّت مشكلات, ومن ذلك وقوفي على روايات في تفسير الطبري سقطت من الطبعات السابقة.
ومن ذلك حل مشكلة تحريف وقع في اسم أحد الرواة وهو فطر بن خليفة, وقد تحرف إلى: قطن! _يُنظر التعليق على الآية 199 من آل عمران_
وطبع في هذه الأثناء أيضاً كتاب "الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر" للسخاوي كاملاً, وكذلك كتاب "ابن حجر العسقلاني ودراسة مصنفاته ومنهجه وموارده في كتابه الإصابة" للدكتور شاكر محمود عبد المنعم, وكان طُبع الجزءُ الأولُ فقط من كليها، فاعتمدتُ هاتين الطبعتين إضافة إلى اعتماد الطبعتين الأوليين في مواضع.
كما رجعتُ إلى قطعة خطية من تفسير ابن أبي حاتم لم أكنْ رجعتُ إليها من قبل.
وفي هذه الطبعة جَعَلْتُ ترقيمَ الأسباب لكل سورة على حدة.
وبعد استدراك ما فات بلغ عددُ العناوين (179) عنواناً.
كما أني استعضت عن قائمة مؤلفات ابن حجر التي كنتُ أوردتُها مرتبة على الحروف، بما ذكره السخاوي في "الجواهر والدرر" في فصل المؤلفات, وفي مواضع أخرى من كتابه هذا, وتابعتُه في ترتيبه الموضوعي, ورأيتُ ذلك أدقَّ وأولى وأنفعَ من ترتيبها على الحروف.
وثمة عناوين لم يذكرها السخاوي ولم أذكرها الآن، وفي مصنفات ابن حجر حاجة إلى دراسة جديدة مفصلة.
وأشعرُ الآن أني لو تأنيت في طبع الكتاب لكان أفضل, وعذري أنّي كنتُ بذلت الوسع في خدمته يومذاك, والكمالُ لاحدَّ له، ولو أُريد لكتابٍ الكمال ما فُرغ منه، والكتاب كالمكلَّف لا يرتفع عنه القلم، كما قالوا.
وأقولُ الآن: أتمنى على مَن اقتنى الطبعة الأولى أو الثانية أنْ يراجع نسخته على هذه الطبعة في الآيات الآتية:
في سورة البقرة: الآية: 208, 211, 212, 213.
في سورة آل عمران: الآية: 97, 183.
في سورة النساء: الآية: 8.

ومن المفيد بعدُ أنْ أذكرَ هنا ما وقفتُ عليه من أخبار قراءة أهل العلم هذا الكتاب على مؤلِّفه الحافظ ابن حجر رحه الله, وقد وقفتُ على أسماءِ ثلاثة ذكرهم السخاوي في "الجواهر والدرر" و "الضوء اللامع" وهم:
· أحمد بن مباركشاه القاهري السيفي يشبك الحنفي الصوفي بالمؤيدية (806_ 862هـ)
قال السخاويُّ في ترجمته في "الضوء اللامع" (1/65): ( سمعتُ بقراءته على شيخنا في "أسباب النزول" له, وفي غيره).
· علي بن أحمد القلقشندي.
قال السخاويُّ في "الجواهر والدرر" (3/ 1112): ( وكذا قرأ عليه _على ابن حجر_ في تصنيفه "أسباب النزول"). وكان يقرأ على الشيخ سنة 834هـ.
· محمد بن أبي شريف المقدسي.
قال في "الجواهر والدرر" (3/ 1156): (قرأ عليه أشياء منها في البخاري و"أسباب النزول", وجميع شرح النخبة). وكان يقرأ عليه سنة 846هـ
وقولُ السخاوي: "في" يعني أنّه لم يكمل قراءة هذا الكتاب, وقد استخدم هذا الأسلوبَ في المواضع الثلاثة, ويتسقُ هذا مع القول بأنَّ ابن حجر لم يُبيض الكتابَ كلَّه في حياته.

ومن المفيد أيضاً أنْ أذكر هنا ما وقفتُ عليه من ذكرٍ للكتاب لدى السيوطي غير ما ذكرتُه في الدراسة:
فقد قال في "إتمام الدراية لقراء النقاية" ص28 في كلامه على علم أسباب النزول:
(وفيه تصانيف أشهرها للواحدي, ولشيخ الإسلام أبي الفضل بنِ حجر فيه تأليفٌ في غاية النفاسة, لكنْ ماتَ عن غالبه مسودة فلم ينتشر).
وهذا الكتاب "إتمام الدراية" ألّفه قبل "الإتقان".
ونَقَلَ عنه في كتابه "البحر الذي زخر في شرح ألفية الأثر" (3/ 1313) فقال:
(وقال _ابن حجر_ في مقدمة كتاب "أسباب النزول": رواية محمد بن مروان السُّدي الصغير عن الكلبي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما سلسلة الكذب لا سلسلة الذهب).
ورأيتُ الأدرنوي قال في "طبقات المفسرين" ص439 عن هذا الكتاب:
( وكان لم يُبيِّضه, فنقَّحه الشيخُ الحافظُ الجلالُ السيوطي, وسمّاه "لباب النقول في أسباب النزول" وهو كتاب جليل حافل).
ولعل في قول الأدرنوي: "نقَّحه" (تنقيحاً) لكلام السخاوي الذي اتهم السيوطي بسرقة هذا الكتاب من ابن حجر, وعلى أية حالٍ فقد تطرقتُ إلى هذا الموضوع في الدراسة فلينظرها مَنْ أحب.

وبعدُ: فإنّي أحمد الله تعالى على أن كان لهذا الكتاب وتحقيقه ودراسته أثرٌ كبير في الاهتمام بـ "أسباب النزول" فمِن مؤلِّف فيها, ومِنْ دارس لها, وقد أفاد منه كثيرون بتصريح وغيرِه...وتتبعُ هذا هنا يطول.
وصدرتْ له طبعتان, طبعة مصرية عوّل فيها القائمُ بها على النص الذي أخرجتُه تماماً، وطبعة بيروتية اقتصر فيها صاحبُها على سورتي الفاتحة والبقرة فقط !
وقد تلقيتُ عدداً من الرسائل بخصوص هذا الكتاب وتحقيقه من العلماء والباحثين، منها رسالة من العلامة الأستاذ الشيخ فضل حسن عباس – تعالى- ، فقد أرسل إليَّ في 11 من جمادى الآخرة سنة 1420 رسالة، جاء فيها قولُه :
( منذ مدة تزيد على السنتين شاء الله أنْ أطلع على رسالتكم القيمة التي خدمتم بها مشكورين مأجورين كتابَ "أسباب النزول" للحافظ ، والتي وصلت إلي بوساطة الدكتور محمد سعيد. ولقد سُررت بها كثيراً لما فيها مِنْ جهدٍ علميٍ مشكور، وأفدتُ منها في كتابي "إتقان البرهان في علوم القرآن" وبخاصة فيما يتعلق برسالة أبي علبة.
ومنذ ذلك اليوم كنتُ تواقاً إلى معرفة مكانكم لأكتبَ لكم، وكلُّ شيء بقدر، وأرجو أن تكون هذه الرسالة قد طُبعت فهي حرية أن تنتشر بين الناس ليفيد منها طلابُ العلم، وإنْ طُبعت فأين؟ وإنْ لم تُطبع فأرجو أنْ تجدوا في طباعتها...).
وكتب الأستاذ عصام أحمد أحمد غانم من مصر:
( سعدت مدة خمس سنوات بصحبتك من خلال تحقيقك لكتاب "العجاب في بيان الأسباب" لابن حجر، وذلك أثناء إعدادي لرسالة الماجستير في تحقيق كتاب "أسباب النزول والقصص الفرقانية" لمحمد بن أسعد العراقي، والتي حصلت عليها بتقدير ممتاز في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة- فرع الفيوم.
ولقد استفدتُ كثيراً من دراستك التي سبقت التحقيق.
وكم أتمنى مواصلتك تحقيق بقية الكتاب بعد العثور عليها لتكتمل الفائدة منه...).
ويبدو لي أن العثور على بقية الكتاب، أو على نسخة أخرى من الذي وصل إلينا أمل يائس، والله أعلم.

وبعد مرة أخرى فقد كان للشعر مع "العُجاب" نصيبٌ, فقد أهديتُ منه نسخة إلى الأخ الشيخ الأديب الشاعر المبدع الأستاذ عبد الله السالم المعلّى الحسني, فكتبَ لي قائلاً:
أهديتَني ما قد أطابا نفسي وغـلتَها أصــابــا
فوجدتـُهُ مثل اسـمه يا سيدي عَجَباً عُجــابــاً
لكنّمــا شرفي يزيــ ـد وأخمصي يطأ الرقابا
لو أنـّـكم بيـراعـكم زينتمُ اسمي والكـتـــابـــا
وكان صاحبي الشيخُ الأديبُ البارعُ الشاعرُ الرقيقُ السيد قاسم محمد جاسم المشهداني قد قال قصيدة بمناسبة مناقشته رسالةً علمية, منها هذه الأبيات:
فلقد أزحتَ عن "العجاب" حجابَهُ ولكلِّ عـلمٍ حــاجزٌ وستـــارُ
مِـنْ بـعد أنْ كادتْ تـغطي ذكــرَه وتعيثُ فيه الريحُ والأمطارُ
فبعثـتَ فيـه الــروحَ بـعــد رقــادهِ زمناً تتوقُ لنــوره الأنـــوارُ
وقال كذلك الأديبُ العروضيُّ المقرئُ الشاعرُ صدِّيق عبد العزيز العقراوي -رحمه الله وأنزل على قبره شآبيب الرضوان- قصيدة منها:
كلَّما غصتُ في بحور "العجابِ" بانَ لي الدرُّ مِن بطونِ الكتابِ
جَـمَعَ الـفــكرَ والــمصـادرَ طــراً في تقــصّي الآراء والأسبـابِ
أنـا إنْ جــزتُ صـفــحـة أعقبتـها صفحــاتٌ تزيد في إعجـــابي
أقرأ الــرأيَ والأســانـيـد فـيــهــا خائضــاً كــلَّ لجــةٍ وعُبـابِ
وقد ألقى القصيدةَ كاملةً في قاعة المناقشة في كلية العلوم الإسلامية بجامعة بغداد.
وفي ختام هذه السطور أقول: اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً وأدباً وفقهاً في الدين يا رب العالمين، وصلِّ وسلِّمْ وبارِكْ على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[/align]
المصدر: هنا