مقالٌ كُتب بروح الغيرة على أخلاق المسلمين وعادات الشباب التي يسعى الغرب لتلويثها بكل وسيلة، وكيف رسم القرآن الكريم دستور الأخلاق، وحَمى حِمى الفضيلة، وبنى دون الوقوع في الرذائل سدًا منيعًا يحمي من التزم شرائعه، واتبع تعاليمه.
وقد ألحقه بمقالين آخرين في أعداد أخرى تأتي تباعًا بإذن الله تعالى.


قال الله تعالى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30]
حتمٌ على طائفة اعتزمت نصب أعلام الهداية ورفع منار الإسلام أن تبرز تعاليمه للرأي العام على صفحات هذا الوجود ليسير على ضوئها في هذا العهد الذي نأي فيه بنوه عن اتِّباعه, ورماه فيه أعداؤه بعدم تمشِّيه مع روح الحضارة , ومسايرته وسائل التمدن في القرن العشرين.
ونظرة واحدة إلى مظاهر تلك الحضارة التي رُزئ بها الإسلام في بنيه ورُمي بعدم مجاراتها =تُرِيك مبلغ ما بها من آثارٍ استطار إلى سماء الحياة الخلقية فأمطرها وابلَ التلاشي والضياع.
جُل بنظرك في بناء هيئتنا الاجتماعية تبصر تلك الثلمة الواسعة التي تدلَّى منها على مدارك الانحطاط الخلقي كثيرٌ من شبابنا المتعلمين حتى انغمسوا في حمأة من الرذائل لزجهم بشبابهم في أحضانٍ تُبايِنُهم منشأً , وتتنافر معهم خلقا ودينا. فغمَرتهم عاداتٌ تتقزز منها النفوس السليمة, وينفر من منظرها ذوو الطباع المستقيمة. أَنسوا بها لِجِدَّتها, فوجدت لها من نفوسهم منبتاً صالحا ومرعى خصيبا ولا دين لديهم –راضوا أنفسهم على الأخذ بقواعده– يحول دون التدهور ويريهم منتهى ما احتواه من مثالب ونقائص.
هنالك في تلك المجتمعات –أو بعبارة أدق- في تلك المراقصِ مقابرِ الفضائل والآدابِ السامية نشاهد مقدار اندفاع الشباب في غشيانها طوال أوقاتهم, وتهافتهم على السقوط في تلك الشباك التي نصبت لانتزاع ما ارتكز في نفوسهم مما أودعته فطرهم التي فطروا عليها.
هناك يتجلى لك ما بين الجنسين –الذكر والأنثى– أو بتعبير آخر –الخشن واللطيف- من اختلاط لا يبرئه قانون ولا يسيغه تشريع. وأي تشريع يبيح اختلاط الرجل بأجنبية منه على تلك الهيأة المنكرة, حتى إذا ما انتهى دوره معها انتقل منها لسواها واتصلت بغيره فترى من مظاهر الأهواء مالا قبل لك باحتماله.

[poem=]قد اختل الأنام بغير شك=فجِدُّوا في الزمان أو العنوه[/poem]

ولا صلة بين الجميع إلا بمقدار ما تطمح إليه نفوسهم اللائي لم يكمل تقويمها الديني –من الحصول على ذلك النوع من الاستمتاع العلني بذلك المظهر الدوري الذي لا تألفه إلا تلكم النفوس التي غشيها من زخارف المدنية الزائفة ما غشيها فصدها عن السبيل الأقوم سبيلِ الحكمة الذي عبَّده منذ فجر الهداية ذلك الدستورُ السماوي.
أفاض القرآن الحكيم في كثير من آيه في تبيان ما للذكر والأنثى من حقوق وما عليهما من واجبات, وحدد لكلٍ موقفَه في معترك هذه الحياة ورسم طريق الارتباط بينهما, وأمر كلَّ فرد من أفراد المؤمنين بغض بصره عمن لا يحل له النظر إليهم ولم يكنَّ محارم له. والنظر –ولا ريب– أول الدرجات في سلم الاختلاط فاقتضى تحريم ما وراءه من سائر أنواع الاستمتاع –تمشّياً مع الصالح العام لتكوين الهيئات والجماعات, وتجنباً لما ينجم عنه من شرور ومفاسد تأتي على أخلاقها وتقضى على حياتها.

[poem=]كل الحوادث مبداها من النظر=ومعظم النار من مستصغر الشـرر
والمرء مادام ذا عينٍ يقلبها=في أعيُن العِين موقوف على الخطر
كم قطرة فعلت في قلب فاعلها=فـعل السهـام بلا قوس ولا وتـر[/poem]

وهل يغرب عنك ما تشاهده بين آن وآخر: في المجتمعات والنوادي, في المتنزهات والميادين, في الطرق العامة والخاصة مما يحدثه ذلك النظر من آثار يتقطع لمشاهدتها قلب كل مسلم أسفا.
فإذا كانت تلك وجهة الشارع الحكيم في تحريم النظر للأجنبيات والاختلاط بهن والاستمتاع بأي شكل رأيته وأي نوع كان به، وقد رأينا عاقبة الجنوح عما رسمته آيات الكتاب المبين، فما بال أولئك الذين ثملتهم أفاويق تلك السموم القاتلة لا يزالون يستظلون بسحابة الغرور ويرخون الأعنّة لأنفسهم لتتبارى في حلبة ذلك الفساد المشين وذلكم الضلال المهين.
ومالهم –هداهم الله– يدفعون تلك المقادير الشهرية مقابل إسرافهم في ضياع أوقاتهم في إتقان فنون الخلاعة والمجون وما خُلقوا لهذا التصنع وذلك التجنِّي, وميادين العمل خالية تناشدهم أنِ اعلموا لتكوين أنفسكم ولرفعة أمتكم وتقدمها ولا تترسموا خطى الذين وقفوا بكم مواقف الفجور تحت ستار تلك المدينة الغاشمة باسم الحرية الخاطئة, حتى سابقتموهم في مضمارها, وصدفت نفوسكم عن الاقتداء بمن شادوا صروح أممهم على أسس الاجتهاد في جميع مرافق الحياة والجد في الاختراع لكن نافع مفيد وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ

مصطفى بدر زيد
المدرس بالأزهر
جمادى الثانية 1347هـ - نوفمبر 1928م