بهذا المقال يختم الكاتب هذه السلسلة من المقالات الأخلاقية الرفيعة، ومنهج القرآن في تهذيب العادات، وبناء المجتمع على أكمل وجه، والترقي به في مدارج الحضارة حسب المنهج القرآني الفريد لا المنهج الذي أراده دعاة التغريب بأهوائهم الممجوجة.


1- (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ) الآية
2- ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ) الآية
3- ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنساَء المؤْمنِين ) الآية

بسطت الشريعة الإسلامية حق رعاية الرجل على المرأة وقوامه عليها وسمو منزلته وحضها على طاعته لا لمجرد التفضيل الإلهي –بل جريا على سنة التكوين ومراعاة لما فطر عليه الرجل من سلامة الذوق، واعتدال المزاج وكمال العقل وتمشايًا مع ما طبع عليه من الحول، والطول، والقدرة على الكسب والصبر على الكدح في العمل في مرافق الحياة.
فكان حريًّا بالشارع الحكيم –بعد هذا التمييز الخلقي– أن يخص الرجل ببعض التكاليف وأن يفرده دون المرأة بأحكام لا تلتئم وطبيعتها ولا تتفق وأصل تكوينها، وكان بمقتضى تلك الفوارق الطبيعية أهلا للنوبة والخلافة والإمامة والحكم وكان السيد، الراعي والقيم، والمتولي الإنفاق عليها، وفي الدِّية، والجهاد، قال الله تعالى "وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَة" وقال تعالى "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ" وقال : كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته والأمير راع على أهل بيته والمرأة راعية على بيت زوجها وولده فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته.

نعم ساوى الإسلام بين المرأة والرجل في كثير من الأحكام فخاطبها كما خاطبه =بالإيمان والمعرفة والنظر والعبادات والمعاملات فأصبحَت من الوجهة الإلزامية مسئولة عما طلب منها وكلفت به، بَيدَ أنها ظلت من الناحية السالفة مشمولة برعايته مطالبة بالخضوع لأوامره التي تتعدى حدود هذه الولاية وغدا مأمورا بالقيام –بنفسه أو بغيره– على تعليمها قواعد دينها وإرشادها إلى محاسنه إذا جهلتها وتنبيهها إليها إذا تواكلت فيها أو غفلت عنها، وأن يرقب حركاتها في القيام بشؤون بيتها وأن يقف في سبيلها إذا حادت عن سنن دينها وعادات قومها.

على الرجل إزاء ما بلغته المسلمة اليوم: من انصرافها عن واجباتها وحيدانها عن عاداتها، وتركها مقوماتها =أن يحوِّل مجرى اتجاها ويريها موقفها الآن من اندفاعها في تبرجها وتهتكها ويلمسها ما تركته وراءها: من الإخلال بواجباتها حيال ربها وتجاه بيتها وبنيها، وما تجنيه على البيئة التي تعيش فيها.
أجل على الرجل –بمقتضى حق الرعاية على المرأة- أن يهديها إلى الصراط السوي بنفسه إن كان أهلا للهداية والإرشاد، أو يمهد لها طريقا مشروعا من طرق التعليم لتعرف ما عليها من الحقوق لربها ولبيتها ولولدها ولذوي قرابتها ولتتقوم نفسها. فيكون لها احترام في النفوس يساعدها على القيام بواجباتها، ويسهل سبيله أمامها فتربي بنيها على أصول دينها وآدابه فينبتوا نباتاً حسنا يؤتي ثمره يانعاً شهيا وبهذا تكون قد تضافرت مع زوجها على حفظهما كيان عائلتها وفي الوقت نفسه تكون قد أدت لعائلتهما الكبرى ما تتطلبه منها في معترك هذه الحياة.

لم يعتبر الإسلام المرأة عضوا أشلّ في جسم الهيئة الاجتماعية بل خصصها بأعمال لو ونيت فيها أو لم تؤدها على وجهها لأختل نظام التوازن العملي في هذا المجتمع ، ولَوَقَفَت حركة التقدم في نواحي هذا الوجود.
موقف للإسلام تجاه المرأة يتنافى كل المنافاة مع ما يدعو إليه المفتونون بالمدنية الأوربية: من انتهاجها بالشرقية المسلمة ما اختلط للغربية مع تباين في الموطن والمقومات، واختلاف في الاستعداد والأخلاق.
ولِّ نظرك أيها القارئ الكريم شطر الدول المتمدينة التي يلهج دعاة التجديد الموهوم بوجوب الاحتذاء بها في كل ما تتقوم به لتقف على نصيب المرأة من هذه المدنية الزائفة ولتعلم أنها-في حياتها الزوجية قد قيدت تقييدا حال دون تصرفها في أخص الأشياء بها وأنها قد استعبدت للرجل استعبادا لم يخففه الجهاد المتطاول في سبيل تحريرها وإعطائها من الحقوق ما يتطلبه أصل وجودها.

تصفح القانون الفرنسي المعمول به حتى الآن نراه: 1- قد خوَّل الرجل حق الولاية على أموال المرأة الخاصة 2- قد حال بينها وبين بيعها شيئا من الأموال المشتركة في غياب زوجها 3- قد منعها أن تتصرف في أملاكها الخاصة بغير رضاه 4- أن تقبل الهدية إلا بإذنه 5- أن تهب شيئا من أموالها الخاصة بغير موافقته. مع هذا قد منحه الحق: 1- في أن يهب ما يشاء من الأثاث المشترك بينهما 2- وأن يهب من أموالها المنقولة الخاصة، ولتعرف أن ديون الرجل وما قد يكون عليه من جزاء تكفلهما أموال الزوجية المشتركة أما ديونها فعليها وحدها إلا أن تكون بإذن زوجها. وعلى الإجمال فعلى المرأة بموجب ذلك القانون السكنى مع زوجها حينما أراد واستئذانه في كل عمل وليس لها أن تعطي ولا أن تبيع وتشتري وتلتزم وترهن وتهدي وتقبل هدية إلا بإذنه خطًّا وعلى هذا النسق نصيب المرأة في بقية القوانين الغربية.
ولقد كَبُر هذا التقييد على دعاة الإصلاح أمثال (ستويارميل) الإنجليزي و(سكرتن) السويسري و(مدام شمه ل) الفرنسوية. فما زالوا يوجهون إليه سنان الانتقاد حتى فاز أنصارهم أخيراً وبمساعدة الحرب العظمى: بالتسوية الإجمالية بين الجنسين في الحقوق السياسية، والاجتماعية، ولم يقووا حتى الآن على التسوية بين الزوجين سوى ما حصلت عليه (مدام شمه ل) بعد جهادها ربع قرن في سبيل استقلال الزوجة بكسبها فصدر قانون في سنة 1917 بمنح الزوجة التي تعمل عملا منفردة عن زوجها أن تتصرف في ثمرة أتعابها وما تقتصده منها.

هذه صحيفة من صحف التقدم الغربي تتجلى لك فيها حقوق المرأة التي غفل عنها دعاة ذلك التجديد وتتبين فيها مبلغ ذلك النقص الذي لا يزال مائلا في أحد عمادي هذه الحياة، ولنلمس الباعث لأولئك المجددين على تهاترهم في دعايتهم الخاطئة وزعمهم: أن المرأة الغربية أكمل نصيبا في الحياة من المسلمة وأوفى منها في الحقوق المدنية والاقتصادية واهمين أن المسلمة لن تبلغ المستوى الذي يضمن أداءها نصيبها للمجتمع إلا بمساواتها الغربية وجهلوا أو تجاهلوا أن هذه الحقوق قد كفلها الإسلام للمرأة منذ أربعة عشر قرنا وأنه قد أعطاها كافة الحقوق المدنية: من تملك وبيع وشراء ووكالة وشهادة ورهن وتجارة ووصية وإيصاء ...الخ وأنه قد منحها حق الاستقلال في كسبها والولاية على أموالها.

ليست المدنية أيها المجددون: بتغيير الأخلاق وتحويرها، ونسخ العادات وإزالتها، وتبديل الطعام والشراب وإحلال السفور محل الحجاب وعدم البقاء على معهود الملابس، ومألوف الثياب.
المدنية الصحيحة أيها المجددون المدنية التي تعرج بأهلها في معارج الحضارة الحقَّة ولا تنتهي بهم إلى مفاسد الترف والنعيم، هي المدنية القائمة مدى الدهر الباقية بقاء الزمن ولا يبقى على الزمن إلا ما كان له أصل ثابت جاء وفق الاستعداد وناسب الغرائز.
تلك هي المدنية الشرقية الثابتة الدعائم التي أحكمت أسسها فينا تجارب القرون المتتابعة وظلت نقية خالصة أثبتتها تعاليم الإسلام وتعهدتها آدابه، وهذبها الدهر وأصقلتها أيدي الزمان.
نعم مُنِيَ الإسلام بنفر أمثالكم لم يوفقوا إلى تذوق أسراره فناصبوه العداء وحاربوه بنشر مفاسد تلك المدنية الغربية من غير بحث فيها ولا نظر، وصرفوا كل ما جاءت به إلى وجوه الحكمة، ونواحي الصواب وبسطوا لها صحيفة الاستحسان من أنفسهم يرتسم فيها كلما زخرفته تلك المدنية وموَّهت به ومددتم يد المعونة لهم وسرت فيكم روح الاستحسان والقبول فكنتم على الإسلام وبنيه شرا ومستطيرا وضررا بليغا.

أيها المجددون جددوا ما عفا من آدابكم، وأحيوا ما درس من أخلاقكم، وأعيدوا ما زال من عاداتكم وجاهدوا في إحلال مظاهر هذا الدين محل ما ألفت بعض النفوس واعتاده الكثير منهم وممن سار سيركم وافتتن بما فتنم به.
أيها المجددون نادوا في مجتمعاتكم ، حاضروا في نواديكم، خاطبوا الآباء والإخوة والأزواج بوجوب السير بالمرأة فيما عده الشارع الحكيم من تلك السبل القويمة: سبل الصون والعفة ، طالبوا الحكمة بوضع النظم الدينية وبالقيام على تنفيذها فتكفل لكم الرفاهية الرافهة والسعادة الدائمة.

أيها الأزواج راقبوا زوجاتكم في شؤون بيوتهن، وفي أخلاقهن وعوائدهن ، وملبسهن وأحسنوا إليهن بتهذيب نفوسهن ، وتقويم ما اعوج من أحوالهن فإن إهمالهن واجباتهن لاحقٌ بأمتكم، وإثم ما يرتكبن حائقٌ بكم، والجهل بتربية أولادهن ضارٌ بكم وبالملة وبالوطن والأمة.

أيها الآباء هؤلاء فتياتكم قد استرعاكم الله عليهن فلم تحسنوا الرعاية وطوحتم بهن في مطارح الهلاك ورميتم بهن في مدارس الأجانب، فتلقين دينا غير دينكم، وتأدبن بآداب غير آداب رسولكم، وتعوَّدن غير عادات شعوبكم فيخرجن منها خاليات من الفضائل بما ملئت به رؤوسهن ، وما درجن عليه من تقليد المعلمات تقليدا انسلخ معه جماع مقوماتكم فيفتنَّ الأسر اللاتي يحللن بينهن وتسري سموم أخلاقهن إلى كل من عاشرهن من لدات وأتراب.
أحسنوا الولاية على بناتكم أيها الآباء، فكلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، وأخرجوهن من تلك المدارس، وقفوا بأنفسكم على تعليمهن إبقاءً على أخلاقكم، ورغبة في حفظ مقوماتكم وأملا في تلافي ماضيكم.


مصطفى بدر زيد
المدرس بالأزهر
شوال 1347هـ - يناير 1929