البيان لبعض الحكم من وجود المتشابه في القرآن -1-


قبل ذكر بعض الحكم من وجود المتشابه في القرآن الكريم لا بأس من بيان المراد بالمتشابه و ما يتعلق بأقسامه.
تعريف المتشابه:
لغة: يقال في فلان شبه من فلان أي شبيهه، و شبهت هذا بهذا و أشبه فلان فلانا و أشبه الشيء الشيء ماثله، و المشبهات من الأمور المشكلات، و تشابه الشيئان أشبه كل منهما الآخر حتى التبسا، و اشتبه الأمر إذا اختلط.
يقول الراغب:" الشبه و الشبيه حقيقتهما المماثلة من جهة الكيفية، و الشبهة هو ألا يتميز أحد الشيئين من الآخر لما بينهما من التشابه...و المتشابه من القرآن ما أشكل تفسيره لمشابهته بغيره إما من حيث اللفظ أو من حيث المعنى"- المفردات في غريب القرآن:1/254-.
يقول الإمام الزركشي في البرهان:" و أما المتشابه فأصله أن يشتبه اللفظ في الظاهر مع اختلاف المعاني كما قال تعالى في وصف ثمر الجنة:" و أتوا به متشابها" أي متفق المناظر مختلف الطعوم، و يقال للغامض: متشابه لأن جهة الشبه فيه كما تقول لحروف التهجي، و المتشابه مثل المشكل لأنه أشكل أي دخل في شكل غيره و شاكله"- البرهان في علوم القرآن:2-69.
و يقول الفخر الرازي:" وأما المتشابه فهو أن يكون أحد الشيئين مشابهاً للآخر بحيث يعجز الذهن عن التمييز، قال الله تعالى :" إِنَّ الْبَقَرَ تَشَـابَهَ عَلَيْنَا"، و منه اشتبه عليه الأمران إذا لم يفرق بينهما"- مفاتيح الغيب:7-145.
و قد ورد لفظ المتشابه في القرآن الكريم وصفا للقرن كله و وصفا لبعض آياته:
1- وصف القرآن بأنه متشابه كله: أي يشبه بعضه بعضا في الإتقان و الفصاحة و البلاغة و في صدق أخباره و عدل أحكامه، قال تعالى:" الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها..."- الزمر:23- أي" في الحسن و الائتلاف و عدم الاختلاف بوجه من الوجوه حتى إنه كلما تدبره المتدبر و تفكر فيه المتفكر رأى من اتفاقه حتى في معانيه الغامضة ما يبهر الناظرين و يجزم بأنه لا يصدر إلا من حكيم عليم"- تيسير الرحمن:722-.
2- و أما وصف بعض آياته بالمتشابه فذلك مقابل للمحكم : قال تعالى:" هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب و أخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله، و ما يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا، و ما يذكر إلا أولوا الألباب..."- آل عمران:7-، المقصود بالمحكم هنا الظاهر الجلي الذي لا خفاء في معناه و لا إشكال، و أما المتشابه فهو ما خفي معناه، فلا يفهم إلا برده إلى المحكم و هذه طريقة الراسخين في العلم، كما قال تعالى:" و الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا" أي محكمه و متشابهه، و أما أهل الزيغ فإنهم يتمسكون بالمتشابه دون رده إلى المحكم، " طلبا للفتنة و صدا للناس عن دينهم و عن طريق السلف الصالح فحاولوا تأويل هذا المتشابه إلى ما يريدون لا إلى ما يريده الله و رسوله، و ضربوا نصوص الكتاب و السنة بعضها ببعض و حاولوا الطعن في دلالتها بالمعارضة و النقض ليشككوا المسلمين في دلالتها و يعموهم عن هدايتها و هؤلاء هم الذين ذمهم الله بقوله:" فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله و ما يعلم تأويله إلا الله".
عن عائشة قالت:" تلا رسول الله صلى الله عليه و سلم هذه الآية:" هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب و أخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله و ما يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم يقولون: آمنا به كل من عند ربنا و ما يذكر إلا ألوا الألباب"، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:" فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم"- صحيح البخاري: كتاب التفسير-.
الأقوال في معنى المحكم و المتشابه:
اختلف العلماء في معنى المحكم و المتشابه على أقوال عدة:
- فقيل المحكم ما عرف المراد منه إما بظهوره و إما بالتأويل، و المتشابه ما استأثر الله تعالى بعلمه كقيام الساعة..
- و قيل المحكم ما وضح معناه و المتشابه نقيضه.
- و قيل المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا و المتشابه ما احتمل أوجها.
- و قيل المحكم ما كان معقول المعنى و المتشابه بخلافه كاختصاص الصيام برمضان دون شعبان.
- و قيل المحكم ما استقل بنفسه و المتشابه ما لا يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره.
- و قيل المحكم ما تأويله تنزيله و المتشابه ما لا يدرى إلا بالتأويل.
- و قيل المحكم ما لم تتكرر ألفاظه و مقابله المتشابه.
- و قيل المحكم الفرائض و الوعد و الوعيد و المشابه القصص و الأمثال.
- و قيل المحكم ما أجمعوا على تأويله و المتشابه ما اختلف فيه.

من حكم وجود المتشابه في القرآن الكريم:
يعتبر وجود المتشابه في القرآن الكريم من المداخل التي دخل منها الطاعنون في كتاب الله جل في علاه، و أجلبوا بخيلهم و رجلهم في ذلك، فقالوا كيف يزعم المسلمون أن كتابهم هدى و رحمة و نور و بيان لكل شيء و فرقان يفرق بين الحق و الباطل و بين الهدى و الضلال، و هو طافح بالآيات المتشابهات؟، و قد تكفل العلماء بالرد على هذا الطعن مبينين أن وجود المتشابه في القرآن لا يخلو من حكم عظيمة و فوائد جليلة.
لكن قبل ذكر بعض هذه الحكم، أود أن أنبه على أمر مهم و هو أنه ليس في القرآن متشابه مطلق فيما يتعلق بما يحتاجه الناس في أمور دينهم و دنياهم، إذ كيف يكون القرآن الكريم هدى و رحمة و نورا و بيانا بل و تبيانا ثم يكون فيه متشابه مطلق يخفى على كل الناس، و في هذا المعنى يقول العلامة ابن عثيمين تعالى في شرحه على لمعة الاعتقاد:" إن الوضوح و الإشكال في النصوص الشرعية أمر نسبي يختلف به الناس بحسب العلم و الفهم، فقد يكون مشكلا عند شخص ما هو واضح عند شخص آخر...أما من حيث واقع النصوص الشرعية فليس فيها بحمد الله ما هو مشكل لا يعرف أحد من الناس معناه فيما يهمهم من أمر دينهم و دنياهم لأن الله وصف القرآن بأنه نور مبين و بيان للناس و فرقان و أنه أنزله تبيانا لكل شيء و هدى و رحمة، و هذا يقتضي أن لا يكون في النصوص ما هو مشكل بحسب الواقع بحيث لا يمكن أحدا من الأمة معرفة معناه"اهـ.
فالمتشابه المطلق إنما هو وارد في القرآن فيما لا علاقة له بالتكليف أو بما يحتاجه الناس في أمور معاشهم و معادهم، كحقائق صفات الله تعالى و كنهها و صفة الدابة التي تخرج في آخر الزمان و غير ذلك.
عودا على بدأ، نعلم أن من أسماء الله تعالى الحسنى اسمه "الحكيم" الدال على صفة الحكمة، فالله تعالى كل أفعاله و كل أقواله سبحانه مبنية على الحكمة، و إذا كان الأمر كذلك فلا بد أن يكون اشتمال القرآن الكريم و احتواءه على جملة من الآيات المتشابهات إنما هو لحكم عظيمة و غايات حميدة.
و يمكن تقسيم هذه الحكم باعتبار نوع التشابه إلى قسمين:
- باعتباره تشابها مطلقا لا يعلمه إلا الله سبحانه.
- باعتباره تشابها نسبيا.
و نرجئ الكلام عن بعض هذه الحكم إلى وقت لاحق بإذن الله تعالى.